Accessibility links

ست عدسات لرؤية العالم المعاصر (2/3)


مشهد لوسط مدينة نيويورك

بقلم جمال أبو الحسن/

في أي عالم نعيش؟ هذا هو السؤال الذي وضعته مجلة "فورين آفيرز" (الشؤون الدولية)، وهي الأشهر في مجال الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، أمام قارئها في العدد الأخير (يوليو/أغسطس 2018). أعدت المجلة ملفا موسعا يقدم للقارئ ست عدسات مختلفة تساعده على اختيار الطريقة (أو زاوية النظر) التي يمكن أن ينظر من خلالها إلى العالم وتفاعلاته وصراعاته. في المقال السابق تناولنا "عالم الواقعية". في هذا المقال نستكمل الصورة من خلال مناقشة العدسات الأخرى التي طرحها ملف "فورين آفيرز": عالم الليبرالية، وعالم القبائل، والعالم الماركسي.

ماذا يعني أن ترى العالم من زاوية ليبرالية؟ الليبرالية هي بنت التنوير الأوروبي الذي بشر بقدرة البشر على تحقيق التقدم الإنساني عبر توظيف التطور التكنولوجي لخلق عالم أفضل. "العالم الليبرالي" هو عالم الاعتماد المتبادل، والسوق الحر، والديموقراطية وحقوق الإنسان. إنه عالم ـ كما تعرف ـ يتعرض لأزمة عاصفة اليوم. الديموقراطية في تراجع. السلطوية اشتد عودها حتى في دول كانت قد قطعت أشواطا على طريق التحول الديموقراطي، ثم ظهر أن مؤسساتها هشة وتقاليدها الديموقراطية لم تستقر بعد. العولمة أفرزت انعداما للمساواة، بما فتح الطريق أمام الديماغوجية التي ضربت أعتى الديموقراطيات. العالم الليبرالي يبدو كمن يدمر نفسه بنفسه. ولكن من قال إن هذا كله طارئ أو جديد؟

انتصرت الليبرالية انتصارا مؤزرا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي منذ ما يقرب من ثلاثين عاما. لم يعد لها منافس أيديولوجي أو فعلي. على أن هذه اللحظة تمثل استثناء عن القاعدة لا ينبغي القياس عليه. حقيقة الأمر أن الليبرالية كانت دائما في أزمة. هي ظلت دوما محاطة بالأعداء: الفاشية ودول المحور والكساد العظيم، ثم القوة السوفييتية والمد الشيوعي، وأخيرا الإرهاب.

الديموقراطية الليبرالية كانت دائما في عين العاصفة. كثيرا ما بدت ضعيفة ومفككة وعاجزة. في نهاية المطاف، تمكنت من تجاوز التحديات كلها. لا يعني هذا أن الليبرالية خير كلها. هي جلبت حقوق الإنسان والديموقراطية وتكنولوجيا الاتصال والإنتاج، ولكنها أفرزت كذلك قوى تدميرية هائلة مثل السلاح النووي. عبقرية الليبرالية الحقيقية تكمن قدرتها العجيبة على خلق نظام قادر على احتواء الآثار التدميرية التي يفرزها النظام الليبرالي نفسه. السلاح النووي ـ مثلا ـ جعل الحرب الشاملة شيئا مستبعدا، وقلل من احتمال وقوعها.

من المبكر التنبؤ بأن الليبرالية ـ كفلسفة للحكم وإدارة المجتمعات ـ في سبيلها إلى الزوال. الأفكار الكبرى في تاريخ الإنسانية لا تنزوي بهذه السرعة. الدول الليبرالية قد تضعف وتتعرض للوهن الداخلي. على أن "النظام الليبرالي العالمي" سوف يستمر، ذلك أنه النظام الوحيد القادر على تمكين البشر من التعايش مع عالم الحداثة المعقد والمتشابك. بطبيعة الحال، ضعف أميركا ـ وهي قائدة العالم الليبرالي ـ سيوجه ضربة للفكرة الليبرالية ذاتها. إلا أن الدول الأخرى ستجد مصلحة في استمرار النظام الليبرالي القائم على الصعيد العالمي. هذا النظام الدولي لا يفترض أن يكون أعضاؤه كافة من الدول الديموقراطية، فهو قائم على المبادئ الويستفالية وجوهرها سيادة الدول. الدليل، أن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة طالما تعاونتا في اتفاقات الحد من التسلح والقضاء على الأمراض ومواجهة ثقب الأوزون، وغير ذلك من الأمور العالمية.

اليوم، تمثل الصين منافسا قويا لليبرالية في الفكر والممارسة. التهديد الصيني ربما يدفع المعسكر الديموقراطي للتضامن أكثر، وتبني إصلاحات داخلية جريئة، وإعادة الاعتبار إلى الفكرة الليبرالية والدفاع عنها. عبر التاريخ، كانت التغييرات العاصفة والثورات والأزمات هي القاعدة. نقطة القوة في الليبرالية هي هذه بالضبط: قدرتها على التكيف مع العواصف والأنواء.

إذا كنت قد اقتنعت بأن "عالما ليبراليا" هو أقرب للتصور، فإليك زاوية نظر مختلفة كل الاختلاف. القبيلة هي المحرك الأول فيما يجري من أحداث. هي الغريزة البشرية الأهم، وهي محفورة في الوعي الإنساني. وجد العلماء، بالتجارب، أن الأطفال يطورون شعور الانتماء إلى القبيلة أو الجماعة في سني حياتهم الأولى. هذا الانتماء "القبلي" إلى جماعتنا يفوق أي انتماءات أيديولوجية، ويقود إلى شعور ـ لا واعي ـ بكراهية من هم خارج الجماعة، فضلا عن استعداد للتضحية من أجلها، ولو بالحياة ذاتها.

يمكن أن نرى مظاهر "القبلية" واضحة في عالم اليوم. "إيمي شوا"، الأميركية من أصل صيني والمتخصصة في سياسات الهوية، كتبت مقالا في ملف "فورين أفيرز" تحت عنوان "عالم قبائلي". جوهر المقال أن الولايات المتحدة طالما أغفلت قوة الهوية في رسم مجريات الأحداث، وهذا مثل ثغرة خطيرة في سياساتها الخارجية من فيتنام إلى العراق. أميركا ترى العالم من زاوية الدول والأيديولوجيات. الحقيقة أنه "عالم قبائل"!

بالتأكيد أن طالبان هي حركة إرهابية، ولكنها أيضا ـ وهذا هو الأهم ـ تعبير عن رغبة عرق الباشتون (الأغلبية في أفغانستان) في العودة إلى السلطة التي سلبها منهم الطاجيك والأوزبك منذ 1992. الجيش الأفغاني مكون في أغلبه (70 في المئة) من أقلية من الطاجيك لا تمثل سوى 27 في المئة من المجتمع. هذه وصفة لاستمرار النزاع، وربما لهذا السبب ما زالت طالبان هي القوة الأكبر في أفغانستان بعد 17 عاما من التدخل الأميركي. ينطبق الأمر ذاته على العراق. تنظيم "داعش" ليس مجرد جماعة إرهابية وحشية. هو أيضا تعبير عن احتجاج الأقلية السنة (15 في المئة) ـ التي طالما حكمت العراق تحت العثمانيين والإنكليز وأخيرا صدام ـ على طغيان الأغلبية الشيعية التي حققت التمكين بالديموقراطية.

تقول "إيمي شوا" لنا إن قوة القبيلة ليست وقفا على العالمين العربي والإسلامي. القبيلة مهمة في أميركا أيضا، وإن كان لها معنى آخر. لقد صار هناك ما يعرف بـ "نخبة الساحل". إنها أقلية تعيش في مدن الساحل الأميركي المزدهرة والأوثق اتصالا بالعالم والأشد ثراء. هذه النخبة التي تسيطر على نصيب هائل من الناتج القومي صارت تشبه القبيلة المغلقة على ذاتها. لها قيمها الكوزموبوليتانية وثقافتها المميزة. هي ليست نخبة عرقية، فهي تضم الأعراق كافة. ولكنها نخبة تقدمية لها معتقداتها السياسية الخاصة وتسيطر على قسم من السوق. المشكلة أن آليات الحراك الاجتماعي ضعفت في الولايات المتحدة. فرصة الطفل الأميركي لأن يحقق دخلا أكثر من والديه تراجعت من 90 في المئة منذ خمسين عاما إلى 50 في المئة اليوم. انتصار "ترامب" يعبر، في جانب منه على الأقل، عن صرخة "الداخل" الأقل حظا في مواجهة "الساحل" المهيمن.

في "عالم القبائل" المنافس ليس خصما، وإنما عدوا منزوع الأخلاق. كراهيته واجب وهزيمته فرض عين. "عالم القبائل" هو النقيض لعالم الليبرالية على طول الخط. إنه عالم "نحن في مواجهة الآخرين". هو، باليقين، ليس عالما ترغب في العيش فيه!

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG