Accessibility links

ست عدسات لرؤية العالم المعاصر (1/3)


المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تظل العامل الرئيسي الذي يرسم مسار الأحدث في المستقبل

بقلم جمال أبو الحسن/

كيف نفهم عالمنا الذي نعيش فيه؟ كيف نحيط بتفاعلاته وصراعاته والتيارات التي ترسم حركته؟ كيف نربط بين الأحداث المتلاحقة التي تبدو متباعدة ومتناقضة؟ الأهم: كيف نتصور مستقبله؟

مجلة "فورين آفيرز" (الشؤون الدولية)، وهي الأشهر في مجال الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، اختارت في عددها الأخير (يوليو/أغسطس 2018) أن تضع أمام قارئها سؤالا ضخما: في أي عالم نعيش؟ الإجابة تتوقف على زاوية النظر، على العدسة التي تضعها على عينك لترى العالم من خلالها. الملف الذي أعدته المجلة لا يحسم السؤال الكبير، ولكنه يقدم للقارئ ست عدسات مختلفة تساعده على اختيار الطريقة (أو زاوية النظر) التي يمكن أن يرى من خلالها العالم وتفاعلاته وصراعاته.

إذا رأيت أن عالمنا هو "عالم الواقعية" فأنت تلتفت بالأساس إلى صراعات القوى الكبرى ومنافساتها. تغير اللاعبون ولكن اللعبة لم تتغير. هي لعبة المنافسة على القوة والأحلاف والسباق على القمة.

الصعود الصيني لم يكن ليحدث من دون النظام المفتوح الذي صنعته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية

إذا رأيت أن عالمنا هو "عالم ليبرالي" فأنت مؤمن بقوة الفكرة الليبرالية، والاقتصاد الحر، والتعاون بين الدول لتحقيق التقدم الإنساني والتغلب على المشاكل.

إذا كنت ترى أن الهوية هي أشد القوى تأثيرا على البشر فأنت ترى أن عالمنا هو "عالم قبلي". عالم "نحن ضد الآخرين".

إذا نظرت للعالم بوصفه "عالما ماركسيا"، فأنت تنظر من عدسة الاختلال الاقتصادي على المستوى الدولي باعتباره المحرك الأهم للأحداث في المستقبل، متكئا على أفكار "ماركس" في نقد الرأسمالية.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية (13): العولمة والناقمون عليها!

إذا كنت مقتنعا بأن عالمنا هو "عالم تكنولوجي" فأنت ترى أن التطور العلمي والتقني هو العامل الأهم في تفسير ما يجري. الصراعات بين الدول والأيديولوجيات ليست سوى توابع وهوامش على المتن الرئيسي وهو التكنولوجيا.

إذا استخدمت عدسة البيئة والمناخ، فأنت ترى العالم باعتباره "عالما أكثر حرارة"، حيث التغير المناخي هو العامل الرئيسي الذي يرسم مسار التفاعلات في المستقبل.

تشير العدسات الست إلى معنى مهم: عالمنا صار من التنوع والتعدد في الفاعلين، والتعقيد والتداخل في القضايا، بحيث لا يمكن النظر إليه من زاوية واحدة. نحتاج إلى كافة هذه "المناهج الكبرى" لرؤية عالمنا وفهم تفاعلاته المركبة على نحو صحيح، أو أقرب إلى أن يكون صحيحا. وفي النهاية، فإن لكل منا ميل إلى زاوية نظر بعينها. يراها الأقدر على التفسير، والأصدق في الرؤية. لا يمنع هذا على الإطلاق ضرورة التعرض لكافة "المقاربات" الأخرى. في كل منها فكرة جديدة أو وجهة نظر جديرة بالاهتمام والتدبر.

العدسة الأولى هي "عدسة واقعية". ما الذي يعنيه أن ترى عالمنا من منظور واقعي؟

الصراعات بين القوى الكبرى سنة كونية. هذه الصراعات رسمت مسار التاريخ على وقع صعود الأمم والامبراطوريات ثم تحللها وانحدارها لإفساح المجال لأخرى تحتل مكانها. تركز النظرة الواقعية على إمكانيات كل واحدة من القوى الكبرى واحتمالات تفوقها في المنافسة على القمة، ووضع قواعد النظام.

حلبة الصراع الأهم في عالم اليوم هي تلك التي تجمع الولايات المتحدة والصين. الصراع ليس جديدا. في مطلع القرن التاسع عشر، كانت الصين هي القوة الاقتصادية الأكبر في العالم. الناتج القومي للصين كان يمثل 40 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي. تمزقت الصين تحت وطأة صراعات داخلية وتكالب قوى أجنبية، وأخذت طريقها للهبوط. في نفس الوقت كانت الولايات المتحدة قوة صاعدة. ساعد هبوط الصين ومهد لصعود أميركا. لم تكن الولايات المتحدة لتحرز هذه المكانة العالمية لولا سيادتها في الباسفيك وآسيا التي هيمنت عليها الصين تاريخيا قبل أن يصيبها الضعف والتراجع.

اليوم، الصين هي ثاني اقتصاد في العالم، وهي في طريق الصعود. هناك أمثلة تاريخية لقوى عالمية مهيمنة أتاحت المجال لقوى أخرى لتصعد. بريطانيا، بإيمانها الراسخ بحرية التجارة، أتاحت لألمانيا فرصة الصعود مرتين. المحصلة كانت كارثية. هل من المحتم أن تخوض أميركا نفس التجربة مع الصين؟

هناك قوى في العالم أتاحت لها الولايات المتحدة الصعود، هذه القوى لن تكون مرتاحة تماما لعالم تقوده الصين وتضع قواعده

الصورة معقدة: الصعود الصيني لم يكن ليحدث من دون النظام المفتوح الذي صنعته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. ارتكز النظام على حرية التجارة، والأحلاف الطوعية، والمنظمات متعددة الأطراف. سرعان ما انضمت إليه أطراف مختلفة باعتباره صفقة رابحة. دول كثيرة حققت منافع من وراء هذا النظام. الهند كانت دولة فقيرة منذ أربعين عاما. اليوم هي سادس اقتصاد على مستوى العالم. البرازيل كانت دكتاتورية عسكرية صارت القوة الاقتصادية الثامنة. والصين على رأس المستفيدين.

تملك الصين أسباب قوة، وكذلك نقاط ضعف. استطاعت أن تحقق نموا اقتصاديا بالمزج بين السلطوية السياسية والفساد ومنظومة الجدارة والإدارة الجيدة للاقتصاد. لا أحد يمكنه التنبؤ بمدى قدرة نظامها على الاستمرار والصمود في المستقبل. تركيز السلطة يحل المشاكل على المدى القصير، ولكن ليس بشكل دائم ومستقر. تنبأ الكثيرون في الماضي بانهيار الصين تحت وطأة تناقضاتها الداخلية. ثبت أنهم ـ على الأقل حتى الآن ـ على خطأ.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية (12): الاحتكار والمنافسة!

في المقابل، الولايات المتحدة أيضا لديها نقاط قوة وثغرات قاتلة. هي ما زالت الدولة الأقوى بمسافة كبيرة. غير أنها لا تخلو هي الأخرى من ثغرات ونقاط ضعف. للمفارقة، الثغرة الأخطر جاءت كنتيجة مباشرة لنجاح العولمة! العولمة استطاعت أن تفتح الطريق أمام قوى كثيرة في العالم للصعود والثراء. على أنها خلقت تناقضات داخلية في الولايات المتحدة والدول الغربية بين نخب مرتبطة بالاقتصاد العالمي، وأخرى لم تجن ثمار العولمة. هذا ما مهد الطريق بدوره للتيارات الشعبوية على نحو ما نشهده اليوم. الغرب في حالة غليان داخلي ربما تكون له انعكاسات عميقة على مكانته كقوة مهيمنة، بل وعلى مدى جاذبية الأفكار التي يبشر بها في إدارة المجتمعات والدول.

من ناحية أخرى، الصراع بين الصين والولايات المتحدة ليس ثنائيا تماما. هناك قوى أخرى في العالم أتاحت لها الولايات المتحدة الصعود. هذه القوى لن تكون مرتاحة تماما لعالم تقوده الصين وتضع قواعده.

المنافسة بين الولايات المتحدة والصين ـ وفقا للرؤية الواقعية للعالم ـ تظل العامل الرئيسي الذي يرسم مسار الأحدث في المستقبل. إنها منافسة مركبة بين نظامين لكل منهما نقاط قوة ومكامن ضعف. نتيجة الصراع أبعد ما تكون عن الحسم. ما نعرفه يقينا أن هذا الصراع سيلعب دورا حاسما في تشكيل صورة العالم الذي نعيش فيه.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG