Accessibility links

سرايا عابدين


طابع يحمل صورة الأميرة المصرية فاطمة إسماعيل

بقلم كوليت بهنا/

على إحدى قنوات الدراما التابعة لمجموعة "MBC" السعودية، يعاد منذ ما يقارب الشهر تقريبا، عرض مسلسل "سرايا عابدين" الذي يعرض سيرة حياة الخديوي إسماعيل، والمنتج من قبل المجموعة ذاتها لموسمي رمضان 2014 ـ 2015، بتكلفة إنتاجية فاقت 20 مليون دولار هي الأضخم عربيا حتى اليوم.

ورغم أن هذا العمل نجح في الاستقطاب الجماهيري بسبب الإبهار البصري وبسبب قصص مكائد "الحريم" المثيرة والمشوقة للجمهور، إلا أنه أكثر عمل درامي تعرض للنقد والاحتجاج في حينه ولا يزال؛ واتهم اتهامات عدة من بينها المغالطات التاريخية الكثيرة وتشويه سيرة الخديوي، إضافة إلى اعتباره تقليدا عربيا للمسلسل الدرامي التركي الأشهر "حريم السلطان".

اختصرت سيرة الخيديوي بعلاقاته المتوترة مع والدته الموالية للباب العالي، ومع زوجاته وأبنائه وجواريه وحاشيته

لكن المتابع للعملين لا شك سيكتشف أن "سرايا عابدين" وإن تشابه في بعض النقاط مع المسلسل التركي، إلا أن إنتاجه جاء أشبه برد درامي على المسلسل التركي مع بدء توتر العلاقات التركية ـ السعودية. ففي حين ركز المسلسل التركي بحبكات درامية متقنة على تاريخ حياة السلطان سليمان القانوني وإنجازاته وفتوحاته بما يخدم السلطنة العثمانية وطموحاتها التي لا حدود لها، أراد مسلسل "سرايا عابدين" أن يقول إن تطلعات الخديوي الغربية لتحديث مصر ونزعته الاستقلالية عن السلطنة العثمانية هي التي أودت في النهاية إلى تنحيته عن الحكم، وهي رسالة درامية إيجابية بأبعادها الدرامية والتاريخية والسياسية والسيادية، لكنها للأسف لم تترجم دراميا كما يجب، أو كما يتوجب على الأعمال التاريخية الضخمة أن تفعل.

اقرأ للكاتبة أيضا: طباخ السمّ

سيرة حياة الخديوي اسماعيل ليست سيرة عابرة تاريخيا، إذ تدين مصر لهذا الرجل ـحفيد محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة ـ بالكثير من الإنجازات العظيمة السابقة لعصرها، وهي إنجازات يصعب حصرها؛ في مقدمها أنه أتاح للشعب المصري للمرة الأولى اختيار ممثليه في مجلس سمي بمجلس شورى النواب، إضافة إلى إصلاحاته الجوهرية الكبيرة في مجالات الإدارة والقضاء والاقتصاد والصحة والثقافة والتعليم والعمران والزراعة، ومن أهمها زيادة مساحة الأراضي الزراعية مع الأولوية للمساحات المزروعة بالقطن، وإنشاء المصانع ومن بينها 19 مصنعا للسكر، وبناء 15 منارة في البحرين الأحمر والمتوسط لإنعاش التجارة، وإنشاء دار أوبرا، وإضاءة شوارع القاهرة وإنشاء الجسور ومد أنابيب المياه، إضافة إلى هوسه المعروف بالتعليم عبر زيادة ميزانية المعارف وتكليف الحكومة بتحمل تكاليف التلاميذ وإنشائه أول مدرسة لتعليم الفتيات في مصر، وإنشاء دار للكتب ودار للآثار، وظهور الصحف في عهده مثل الأهرام والوطن.

أما الحدث الأبرز والأشهر في عهده هو افتتاح قناة السويس يوم 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1869 بحفل دولي أسطوري، ومن ثم اضطراره تحت وطأة الديون إلى بيع حصة مصر من أسهم القناة وحصتها من الأرباح خلال ست سنوات من افتتاح القناة التي حفرها المصريون بسواعدهم وقتل منهم 120 ألف عامل تحت أقسى ظروف العمل والأوبئة ونظام السخرة.

كل ما تقدم من هذه الإنجازات وتبعاتها، تغافل عنها العمل، أو لمّح لبعضها شفاهة في بعض الحوارات، دون أن تترجم دراميا كما يليق بالمصداقية التاريخية. واختصرت سيرته بعلاقاته المتوترة مع والدته الموالية للباب العالي، ومع زوجاته وأبنائه وجواريه وحاشيته وخدمه ومتابعته لأدق تفاصيل السرايا واكتشافه للمكائد والدسائس والمؤامرات التي كانت تحاك في أروقة السرايا ودهاليزها أو بين "حريمه"، وكأن لا شغل شاغل له في الحياة إلا قصص نسائه اللاتي بدت معظمهن بلا ضمير ولا يتورعن عن ارتكاب أي جرم في سبيل تحقيق مآربهن المتعطشة للسلطة والفوز بقلب الخديوي.

إن توقيت إعادة عرض "سرايا عابدين" في ظل استمرار تداعيات قضية اغتيال خاشقجي يبدو غريبا

جاء في مقدمة شارة هذا المسلسل، الذي كتبته الكاتبة الكويتية هبة مشاري حمادة، أنه دراما مستوحاة من قصة حقيقية. وفي البحث التاريخي لم يفلح أحد بالعثور على هذه القصة كما تمت معالجتها دراميا، وكل المبررات التي سيقت من صناع العمل عن استعمال الخيال لبناء الحبكات الدرامية وبناء شخصيات افتراضية تصب في خدمة الدراما، لم تستطع أن تغير من حقيقة أن هذه الدراما لم تكن موفقة في أهدافها المعلنة أو غير المعلنة، وبخاصة في تأثيرها على الجيل المصري الناشئ الذي أولاه الخديوي أهمية قصوى في عقليته التنويرية لمستقبل مصر. فهذا الجيل سيقع في حيرة بين ما يقرأه ويتعلمه في كتب التاريخ وبين ما تقدمه له الدراما.

ومن الضروري هنا التنويه، بأنه ليس المطلوب من الدراما تبجيل الشخصيات التاريخية وتنقية سيرتها الذاتية وكأنها كانت منزهة عن أي عيب، وهو توازن شديد الحساسية يتوجب مراعاته والحرص عليه حين تقرر الدراما أن تضيء على سيرة حياة شخصية تاريخية أو التركيز على مفترق تاريخي هام في حياتها، كاتخاذ قرار مصيري وخلفياته وأبعاده وتأثيراته اللاحقة مثل فيلم "لينكولن" 2012 لسبيلبيرغ الذي غطى الأشهر الأربعة الأخيرة من حياة الرئيس الأميركي لينكولن وتركيز جهوده لإقناع مجلس النواب الأميركي بتمرير التعديل الثالث عشر للدستور الذي يمنع العبودية.

اقرأ للكاتبة أيضا: وما زال التحقيق مستمرا..

إن توقيت إعادة عرض "سرايا عابدين" في ظل استمرار تداعيات قضية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي يبدو غريبا بعض الشيء. وقد يكون بأحد تفسيراته أنه محاولة لإيصال رسالة مفادها بأن الحكام، هم جيدون، لكن حاشيتهم وبالتعاون مع الأيادي الخارجية المتآمرة ضدهم هي التي تحيك لهم الدسائس وتوقعهم في ورطات كبرى؛ مع الاشارة إلى مرور أحد المشاهد المثيرة والملفتة في المسلسل، وهو مشهد يقوم فيه الخديوي بوضع المخدر لأخيه مصطفى الذي كان يتآمر عليه بالتعاون مع الباب العالي، وبعد تخديره يأمر الخديوي أحد معاونيه بقوله: "ستخرج أنت من القصر، وسترتدي ملابسه وستخفي نفسك بشكل جيد جدا، أريد أن يعتقد كل الناس أن مصطفى خرج من القصر".

هل يذكر هذا المشهد الدرامي بمشهد حقيقي حدث مؤخرا في إسطنبول؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG