Accessibility links

'2019'.. سوريا إلى أين؟


لاجئون سوريون قرب الحدود السورية ـ التركية

عبد الحفيظ شرف/

تقترب سوريا عام 2019 من السنة التاسعة، منذ اندلاع التحركات الشعبية فيها والتي انطلقت من قلب دمشق العاصمة لتشمل كل المدن السورية لاحقا، من حمص وحلب وحماة إلى ريف دمشق ودرعا وإدلب ودير الزور والرقة وغيرها.

انتفض السوريون ضد الظلم والقهر وطلبا للحرية والديمقراطية، إلا أن الرياح سارت بما لا تشتهي السفن. فتنمر رئيس النظام بشار الأسد على الشعب واستخدم القوة العسكرية والأمنية لقمع كل من نادى بالحرية والكرامة وحقوق الإنسان، وقام بكل ما يمكنه للحفاظ على كرسيه غير مكترث ببلده ولا بشعبه؛ فوصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم في سوريا.

هذه المقدمة هي للإشارة إلى أن المسؤولية الأولى في ما جرى ويجري في سوريا، يتحملها الأسد ونظامه. بعد كل هذه السنوات من الدمار على كل شبر من الأرض السورية، باتت أجهزة استخبارات العالم تسرح وتمرح في أرجاء البلاد وطائرات عشرات الدول تزدحم في السماء السورية. دخل المتطرفون والمتشددون من كل أنحاء العالم إلى الأرض ليعيثوا فيها فسادا ودمارا.

اقرأ للكاتب أيضا: 'ميلاد مجيد وعام سعيد' خطيئة أم حسن خلق؟

وبأدى بشار الأسد مهمته الوظيفية بتدمير البلاد وتحويلها إلى دولة كرتونية ضعيفة يتحكم فيها الشرق والغرب، وهو يعلم تماما أن هذا هو المطلوب منه على المستوى الدولي، فأدى المهمة باقتدار ثم سمى الدمار انتصارا.

أعتقد أن عام 2019 سيكون مليئا بالأحداث السورية، ويمكن تسميته بعام الصفقات الدولية على كل الأصعدة؛ فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يقوم بخطوات ستعقد المشهد السوري كثيرا وستزيد من تداخل المصالح الدولية وتشابكها.

الانسحاب الأميركي الذي فاجئ كثيرين خارج أميركا، سيؤجج صراعات النفوذ على الأرض السورية وقد تكون خطوة في غاية الذكاء والدهاء السياسي فهي ستدخل الدول المتحالفة مع النظام في أزمة بينية كبيرة. فروسيا وإيران ليستا على توافق تام في سوريا ولكل منهما أهدافه وسياساته الخاصة. روسيا تريد كسب الأكراد إلى صفها بينما تشترك إيران مع النظام السوري وتركيا في عدائها للقوات الكردية.

أعتقد أن الأكراد سيشكلون محور التغييرات القادمة في هذا العام. فمع الانسحاب الأميركي ستحاول دول عدة ملء الفراغ سواء سياسيا أو عسكريا. فالنظام سيحاول التقدم في بعض المناطق التي تسيطر عليها قوات حماية الشعب، وستحاول إيران وميليشياتها كذلك ضرب الأكراد في مناطق أخرى.

إلا أن من مصلحة روسيا حماية الأكراد وكسبهم كحليف سياسي وعسكري مواز للضغط على الأسد أكثر وأكثر، وإخضاعه بالقوة العسكرية كذلك على الأرض.

وأعتقد أن الأكراد سيحاولون اللعب على كل هذه الخيوط بطريقة ذكية كعادتهم، فهم أثبتوا أنهم ورقة صعبة سياسية وعسكرية وعلى كل الأصعدة.

أما الأتراك فسيدخلون الأراضي السورية وسيقومون بعملية عسكرية محدودة تستهدف أهم المدن الحدودية، وشريط الحدود شرقي الفرات. ولكني لا أعتقد أن تنخرط تركيا في مواجهة عسكرية مباشرة مع قوات حماية الشعب وحزب "البي واي دي" الذي تعتبره أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني الإرهابي.

وبالنسبة للعرب فحدث ولا حرج، فهم مع الأسف يلعبون السياسة بلا أجندة وبلا استراتيجية خاصة بهم، وهذا حالهم كذلك في الشأن السوري، إنما هم أدوات يلعب بها الغرب والشرق كيف يشاء.

على الأغلب، سيُعيد العرب فتح أبواب جامعة الدول العربية للأسد كخطوة رمزية لترطيب الأجواء، وسيقوم بعض من الزعماء العرب بزيارة دمشق كما فعل البشير في محاولات لكسر الجليد وكل هذا يأتي ضمن لا استراتيجية عربية.

لا يملك العرب خطة واضحة في سوريا فهم ينفذون سياسات مختلفة لمحاور مختلفة لا أكثر، وقد يحاولون استغلال الأزمة السورية لتسجيل أهداف صغيرة هنا وهناك ضد الخصوم الإقليميين لا أكثر.

لا يصح أن نحلل ونتوقع ما سيجري على الخارطة السورية في هذا العام الجديد دون أن نتحدث عن إعادة الإعمار؛ يمكن لنا أن نتخيل أن بلدا مثل سوريا كانت ميزانيته من سبعة إلى ثمانية مليارات دولار أميركي سنويا لا أكثر، يحتاج اليوم إلى أكثر من أربعمئة مليار دولار لإعادة إعماره على أقل تقدير، وكل هذا بسبب حاكم فاسد ظالم أراد أن يبقى على الكرسي فكلف البلد كل هذه الخسائر بالإضافة إلى ما لا يقدر بثمن وهو الخسائر البشرية والأجيال التي لم تحظ بفرصة تعليم جيد.

ستكون "إعادة الإعمار" الورقة الأميركية التي ستضغط بها في سوريا، فلا روسيا ولا إيران ولا دول الجوار السوري تستطيع أن تتكفل بهذه العملية. فروسيا تريد أن تشتغل شركاتها في إعادة الإعمار ولكن بمال أميركي أو خليجي أو أوروبي، وهي غير مستعدة لدفع شيء في هذا الصدد، وليس لديها القدرة الاقتصادية التي تسمح لها، فروسيا تعاني اقتصاديا كما هو معروف للجميع.

أما إيران فتريد أن تستغل الموقف كذلك عسى أن تجد لها طريقا تلتف به على العقوبات المفروضة عليها. أعتقد يقينا أن الولايات المتحدة قد تعلمت الدرس في العراق فهي لن تضخ المال ليستفيد منه الإيراني والروسي أو النظام السوري، إنما ستستخدم هذه الورقة لتمرير ما تريد من تغييرات جذرية في تركيبة النظام وسيقوم الروس بإجبار النظام على هذه التغييرات للحصول على بعض المال لإعادة الإعمار.

فروسيا لا تريد سوريا ضعيفة أو فاشلة فهذا ليس من مصلحتها الاستراتيجية. وألمانيا، ـ وأوروبا عموما ـ ستقوم بالمشاركة في الضخ المالي إذا ما أقدم النظام على تغييرات جوهرية في صلب الحكم وذلك لحل المشكلة الرئيسية التي كانت سبب اللجوء السوري وعندها ستخفف الأعباء الاقتصادية عن كاهلها في الداخل الألماني.

وإذا لم يجر الأسد تغييرات جوهرية في نظامه، قد تشمله هو بطريقة أو بأخرى، فلن يمول أحد إعادة الإعمار، وعندها سيقود بشار الأسد سوريا إلى الفقر والجهل والتخلف والفشل لأن أحدا لن يدفع قرشا واحدا في ظل حكمه بالشكل الحالي.

اقرأ للكاتب أيضا: المجلس الإسلامي السوري وزواج القاصرات

"اللجوء السوري"، قضية معقدة وحساسة لدول الجوار وخاصة تركيا والأردن ولبنان وقضية جوهرية بالنسبة لأوروبا. أعتقد أن معدل اللجوء سيرتفع ولكن بشكل طفيف للغاية، إلا إذا اتخذ النظام خطوة غير مدروسة في إدلب فعندها سترتبك الساحة من جديد وقد يدفع النظام ثمنا غاليا للغاية إذا ما ارتكب مثل هكذا حماقة، لأن تركيا لن تسكت فهي لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من اللاجئين السوريين.

ولا يبدو أن هناك موجات هجرة معاكسة باتجاه سوريا إذا لم تحصل التغييرات الحقيقية في صلب نظام الأسد، فالشعب السوري رأى الحرية والديمقراطية وتعود على الكرامة والمساواة والفرص المتكافئة في دول الغرب وسيكون من الصعب بمكان استبدال هذا الوضع الحالي بالعيش تحت نظام الأسد من جديد.

وحتى في حال حصول هذه التغيرات، فلا شيء يضمن عودة الشباب الذين بدأوا حياتهم في الغرب، أما الجيل الأكبر سنا فقد يعود للبلاد إذا ما عاد إليها الأمن وبدأ النظام بتغييرات بسيطة في جوهره، فهذا الجيل هو الأكثر اشتياقا إلى البلد الذي عاش فيه طيلة عمره.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)
XS
SM
MD
LG