Accessibility links

سوف يسخرون... منّي!


نورس عند أحد الشواطئ الفرنسية

فارس خشّان/

منذ وصلت إلى مقر إقامتي في إجازتي العائلية في واحدة من بلدات جنوب شرق فرنسا المرابطة على ضفة البحر الأبيض المتوسط، لم يقترب مني أي نورس، وإذا صادفت واحدا، في مشيتي الصباحية الكلاسيكية، أجده يبتعد، كأنه يهرب مني.

لم أعتد على ذلك سابقا...

ثمة شيء قد تغيّر في المشهد عن السنوات الماضية، ولكن عجزت عن تحديده.

في هذا الصباح، وبعدما أنهيت رؤية الولادة البحرية للشمس ـ وهذه ظاهرة خاصة بهذه المنطقة ـ طار نورس وغط بالقرب من مساري، على أحد شواطئ "موندليو لا نابول"، الملاصقة لمدينة "كان".

وجدت أنني كنت صادقا مع النورس عندما أبلغته بأن أحدا لن يعيرني آذانا صاغية

أفرحني ذلك، وأنا من المعجبين بهذا الطير المائي، وسبق لي وأشركته في أولى مؤلفاتي الروائية، فبادرت إلى التحية:

ـ صباح الخير أيها النورس.

بعد صمت وجدته طويلا، أجابني، وبصوته رنة حزن غير معتادة لدى كائن يصفونه هنا بالضاحك:

ـ صباح الخير أيها الإنسان.

تجاوزت هذه الرنة الحزينة، وسارعت إلى سؤاله عما استرعى اهتمامي:

ـ مع إشراقة الشمس اليوم، لم أسمع لكم صوتا في الجوقة الترحيبية الخلّابة، فبدت ولادة الشمس حدثا باهتا... فأين أنتم؟

أجابني وقد تصاعدت نغمة الحزن في صوته:

ـ لا نحتفي بتجدد الحياة في هذه الأيام... لا نرى لزوما لذلك.

مستهجنا جوابه، سألته بأسف شديد عن الأسباب الموجبة لهذا القرار، فأجابني، بدوره، بسؤال:

ـ ألا تعرف؟

لم أكن أعرف سوى حكمة سقراط عن "معرفة اللامعرفة"، فاستفسرت:

ـ ماذا؟

ارتفعت وتيرة الحزن في صوته:

ـ لا أولاد لديّ!

ـ ألم تتزوج؟

ـ أنا متزوج منذ سنوات...

ـ هل زوجتك مريضة؟

ـ لا أبدا...

ـ أنت؟

ـ بالطبع لا...

ـ إذن؟

ـ أنتم المرض...

ـ لم أفهم...

ـ إنكم تهجمون على أعشاشنا، وتأخذون بيضنا أو تكسرونه أو تستبدلونه، حتى لا ننجب أبناء، تريدوننا أن نتناقص... إنكم تحدّون نسلنا بالقوة والإكراه...

قوله هذا أنار بصيرتي.

الآن عرفت ماذا تغير في المشهد.

النوارس هذه السنة قليلة جدا بالمقارنة مع السنوات الماضية.

بقيت صامتا...

فقال لي:

ـ ألا تعلّق؟

ـ ماذا تريدني أن أقول؟

ـ أن تعدني بأنك سوف تعمل لتوقف هذه الجريمة بحقنا... يا إنسان إنك تدّعي الامتناع عن قتلي، ولكن الحرمان القسري من الإنجاب أعنف من القتل... أعنف بأضعاف... هو الإرهاب بأبشع وجوهه.

ـ لن أنجح في هذا المسعى...

ـ لماذا؟

ـ لأن أحدا لن يسمع لي، سيقولون لي، هنا في جنوب فرنسا، اصمت يا آت من بلاد أقدمت، بقرار رسمي، على إبادة كل النوارس التي قصدت شاطئكم. كان عليك أن تحميهم هناك من الإبادة قبل أن تسعى إلى حرماننا هنا من حق تخفيض أعدادهم.

وزاد حزن نورسي حزنا، وهو يتذكّر أصلي اللبناني، ولكنه لم يستسلم، فاستمر في تحريضي:

ـ هنا للكلمة وطأة مختلفة. هنا يدافع كثير من الناس عن حق حياة الكائنات الحية الأخرى.

وواصلت مقاومتي لمحاولاته علّه يرضى بالأمر الواقع، كما نحن نفعل، في غالبية الأحيان، ولكن عندما رفض أبلغته بلهجة حادة: ـ اسمع وافهم، سيقولون لي أنكم تتكاثرون ولا حياة مشتركة ممكنة معكم إذا لم نفعل ما نفعله...

ـ وما الذي نفعله لكم؟ هل قتلناكم؟

استأذنته قليلا. أجريت بحثا سريعا على الإنترنت، مطلعا على المواضيع التي تعني بالنوارس في هذه المنطقة، وأجبته:

ـ يقولون إنكم أصبحتم تزعجون المقيمين هنا، وبعضكم يشاركهم مآدبهم، وبعضكم يهجم عليهم...

فأجابني مدافعا:

ـ هذا تعميم ظالم. هناك حالات شاذة ونادرة جدا، تسببت بها سلوكيات البعض منكم.

ـ كيف ذلك؟

وضع عينيه عليّ كأنه يريد أن يسبر أغوار نفسي، وخاطبني:

ـ ندرة من أبناء جنسي تقع في فخ ينصبه البعض منكم لها، عندما يناولونها طعاما لتقترب...

وقطع سرديته وسألني:

ـ هل عرفتني؟

شعر بارتباكي، إذ كيف يمكن أن أميّزه عن غيره من النوارس.

فخاطبني:

ـ كأنك تقول في نفسك كيف يمكن أن أميّزك عن النوارس الأخرى، فكلكم تتشابهون...

ـ صحيح.

ـ إذن، وأنت تنتمي إلى الجنس الذي يعتقد بتفوقه الذكائي، لا تستطيع تمييزي عن غيري من أبناء ريشي، فكيف تطلب من هذه القلة من النوارس أن تميّز واحدكم عن الآخر، ولذلك إن أقدم بعضكم على إطعامها، تحسب أن أي واحد منكم هو من أطعمها، فتقترب منه ليفعل ذلك مرة أخرى.

ما يصيبنا اليوم، سبق وأصابكم بالأمس وسيصيبكم بالغد

وتدخلت لأعيد صوغ ما قاله بأسلوبي لأتأكد أنني فهمت عليه:

ـ تريد أن تقول إن هذه النوارس لا تهجم علينا إنما تقترب منا اعتقادا منها، بسبب تجربتها مع آخرين، أننا نرغب بإطعامها.

ولأول مرة أسمع صرخته، فرد عليّ، وقد غلب الفرح الحزن المسيطر عليه:

ـ تماما. ليكف بعضكم عن إيصال رسائل خاطئة إلى بعضنا فنبتعد عنكم. عاقبوا من يجذبنا إلى أبناء جلدتك بدل أن تعاقبونا. سيء أن يقدم البعض منكم على إطعام البعض منا، لأن ذلك يفسد هذا البعض ويسيء إلى سمعتنا، فليس شيئا عاديا أن ينسي البعض منكم البعض منا، كيف يصطاد فقط لأنه يريد أن يلهو.

لذلك أذهب وأقنعهم بأن يوقفوا جريمة حرماننا من الإنجاب...

وجددت موقفي من تجديد مطلبه:

ـ لن يسمعوا مني، سيصرخون في وجهي إنكم تثقلون على جنسنا والطبيعة لا تحتمل أعدادا وافرة منكم، وإن ما يقومون به عملا اضطراريا...

وعاد إلى حزنه، وقال:

ـ ولكن ألا ينطبق هذا عليكم أكثر مما ينطبق علينا.. ألا تثقلون أنتم على الطبيعة التي يفترض أن تكون لنا ولكم؟ ألا تستهلكون أكثر مما تنتجون؟ ألا تصطادون أكثر مما تعطي البحار؟ ألا تنتجون نفايات أكثر مما تحتمل الارض؟ ألا تتكاثرون أكثر مما يفترض؟ انظروا إلى بطونكم وإلى ممتلكاتكم وإلى أطماعكم وإلى جشعكم وإلى ملوثاتكم...

ـ معك حق، ولكن هذا يعني أننا بتنا بحاجة إلى مساحة أوسع وتاليا تضيق الطبيعة الواحدة بنا وبكم، وبتنا أمام خيار من اثنين إما أنتم وإما نحن... ولهذا لن تجد كلماتي آذانا صاغية بل أفواها غاضبة وألسنة ساخرة...

ـ اسمع مني واسعَ إلى الحيلولة دون استمرار ما يحصل؟

ـ صدقني لن يجدي نفعا...

ـ إذا لم تفعل ذلك لنا اليوم، فأنت، غدا لن تجد من يفعل ذلك لك...

ـ لن يتعدى أحد على... بيضي!

ـ دائما نظرك قصير، لسوء الحظ...

ـ لماذا تهينني؟

ـ لأنك لم تدرك أن ما يصيبنا اليوم، سبق وأصابكم بالأمس وسيصيبكم بالغد...

ـ ما الذي سيحصل، هل سيخرج كائن حي آخر من هذه الأرض ويمنعنا بالقوة من الإنجاب، كما يفعل بنو جنسي بكم؟

ـ لستم بحاجة إلى كائن آخر، ففيكم ما يكفي من القتلة. من يعتدي على وجودنا هو نفسه سيعتدي على وجودكم، وللأسباب نفسها.

ـ لم أفهم...

ـ غدا سيخرج من بينكم من يدعو إلى تعقيمكم وإلى تقليل عددكم، لأن الأرض لم تعد تتسع لكم جميعا... قد لا يطلبون قتل الأحياء منكم ـ وإن كانوا يفعلون ذلك بصمت هنا وبخبث هنالك ـ ولكنهم بالتأكيد سيطلبون قتل القدرة الإنجابية لديكم... أبناؤكم أو أحفادكم سيصيبهم ما يصيبنا الآن...

وإذا كنت بعيد النظر قليلا، ستجد أنكم لم تعودوا تتحملون بعضكم البعض...

ألا تسمع ما يقولونه عن عبء العجزة منكم عليكم؟

ألا تسمع ما يقولونه بأن إطالة أمد الحياة بدأ ينعكس أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية؟

لماذا، والحالة هذه، لا يخرج بينكم من يقرر قتل عجائزكم، وتكون أنت واحدا منهم حينها، للمبررات نفسها التي يتم الآن اعتمادها لحرماننا من الإنجاب؟

ـ لا أستبعد شيئا، فتاريخنا حافل بتجارب أكثر رعبا...وكل يوم تجد بيننا من يقدم الأعذار للقتلة والسفاحين والمجرمين...

ـ إذن، لماذا لا تدافع عن نفسك وقائيا بتولي الدفاع عنا؟

ـ لأن أحدا لن يسمع...

ـ إذن، لماذا أهدر وقتي بالحديث معك. سابقا وقفت معك، وعلمتك كيف تسعد حياتك وتخفف من أثقالها على عاتقك. (النص في رواية بقلمي بعنوان "مومس بالمذكر أيضا!") الآن أنت لا تريد مبادلتي الخدمة بمثلها، وأنا لا أطيق من يأخذ بلا حساب ولكنه يكثر من الحساب حين يطلب منه أن يعطي. سأذهب الآن إلى زوجتي ليواسي واحدنا الآخر، في انتظار يوم رحيلنا العظيم...

وحاولت أن أخفف من وطأة الغضب على عجزي، فتحوّلت إلى مستشار، فسألته:

ـ ألا تبحثوا في هذا الأمر ضمن جماعتكم النورسية؟

ـ بلى...

ـ ألم تقرروا أن تقاوموا؟

ـ أي أن نمارس العنف ضدكم دفاعا عن بيضنا؟

ـ صح...

ـ لا يجدي ذلك نفعا... تملكون ما يعينكم على إبادتنا... بينكم من ينتظر حجة ليفعل ذلك... عنفنا الدفاعي سوف يطلق العنان لعنفكم الإبادي...

ـ وعلى ماذا تراهنون؟

ـ سننتظر أن يبيد بعضكم البعض الآخر. لا تتباهى بقوتك، فالرمال الناعمة ليست سوى جثث الصخور العاتية، والأمواج التي تظن أنها تتكسّر عليها هي التي تتكفّل بتفتيتها...

وطار...

شعرت بالحنق في خفقاته...

لا تتباهى بقوتك، فالرمال الناعمة ليست سوى جثث الصخور العاتية

لم أطل التأمل به، فما هي ثوان حتى اختفى عن ناظري...

في السابق، كان يطل نورس آخر...

هذه المرة، لا!

عند عودتي من مشواري، ناقشت هذا الموضوع مع أشخاص تربطني علاقات متفاوتة بهم...

وجدت أنني كنت صادقا مع النورس عندما أبلغته بأن أحدا لن يعيرني آذانا صاغية...

وجدت الجميع يدافع عن قرار الحد من نسل النوارس، على اعتبار "نحن أم هم"...

وحين سألت هؤلاء عن إمكان تطبيق هذا الشعار غدا على بعضنا البعض، أجابوني:

ـ دعنا نتناول الغداء...

ونهضت الأمهات تقبل أطفالهن وتفرش لهم المائدة، ورجالهن يقولون:

ـ ما قيمة هذه الحياة بلا... أولاد.

سكبت دمعة على نورسي... ونهضت أنا أيضا إلى المائدة حيث كان الطبق الرئيسي مشاو من لحم عجل وحمل...

اقرأ للكاتب أيضا: 14 آذار والعودة إلى الحياة اللبنانية!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG