Accessibility links

سياسيو لبنان و"شطارة" سائقي السيارات


سائقو تاكسي في بيروت

فارس خشّان/

الانتقال بالسيارة، في أي دولة في العالم، فيه مخاطر، ولكن ما من خطر يمكن أن يوازي ذاك الماثل في لبنان.

غياب القانون ماثل بقوة على الطرق اللبنانية، تماما كغياب دولة القانون.

السائقون يملكون حرية القيادة كما يرتأون، وأينما يشاؤون. لا ضوابط محترمة، لا موانع مصانة، ولا موجبات مطاعة. الجميع يرتجل.الجميع يسن الأولويات. والويل والثبور وعظائم الأمور لكل من يتجرّأ ويقود، وفق ما يفرضه قانون السير.

كأن السيارات التي تسير في لبنان لا إشارات فيها، وكأن التجاوز متاح حيث يتوافر فراغ، وكأن الحديث على الهاتف الخلوي مفروض فرضا، وكأن أخذ المقود بعد "سكرة" فعل رجولي عظيم.

هذا عن سلوك السائقين، ولكن سلوك السلطة أسوأ، فالغالبية الكبرى من الطرق اللبنانية غير مطابقة لا لقانون السير ولا للسير أصلا.

وعندما تغامر بالقيادة في لبنان، تفهم، بلا أي صعوبة سبب ارتفاع عدد ضحايا السير فيه، وتعتبر ان اقتصاره على هذا الحجم، على الرغم من ضخامته النسبية، معجزة فعلية، ككل مرة تصل فيها سليما إلى أي من مقاصدك.

وعلى الرغم من ذلك، فالجميع يبدو راضيا، ولا يتذمر سوى من الزحمة التي هي، بالنتيجة، رحمة لأنها تلزم الجميع بالسير البطيء وبعدم ممارسة "الشطارة"، وتاليا هي الأضمن، في ظل غياب معايير السلامة، سواء في سلوك السائق أو في واجبات السلطة، للحد من الموت والإعاقة.

إنّ التأمل في ما يحدث على طرق لبنان يسحبك سحبا إلى السياسة.

فعلى هذه الطرق تجد نفسك أمام شعب لا يعير أي عناية لحياته ولسلامته، ولا يسعى إلى ما يحميه، لا في تهذيب سلوكه الشخصي ولا في الضغط على السلطة للقيام بواجباتها لتكون الطرق سالكة وآمنة.

وانطلاقا من هنا تفهم أكثر، لماذا غالبية هذا الشعب، تتقاعس عن أن تكون شريكة حقيقية في مكافحة الفساد وفي مراقبة الإنفاق وفي فهم الضرائب وفي الاهتمام بالتشريع وفي مساءلة المسؤولين وفي السؤال عن جدوى ما يدفعه المواطن من مبالغ باهظة سواء للمستشفيات الحكومية التي يهرب منها اللبنانيون إلى المستشفيات الخاصة أو للمدارس الرسمية التي يجهدون، ليبعدوا عنها أولادهم، بتأمين المبالغ التي تتطلبها منهم المدارس الخاصة.

ومن يقبل أن يستهين بحياته وفق سيناريو القيادة المحفوفة بالمخاطر الكبرى، لا يمكن استدعاؤه إلى عملية تطوير كبرى للدولة، فهو لا يرى ولا يسمع، مثله مثل سائق سيارات الأجرة الذي لا يتوانى عن التوقف، فجأة، ومن دون إنذار ومن دون توفير مساحة أمان، ليتمكن من أخذ راكب صادفه على الطريق. هذا السائق، بعدما يرتكب ما يرتكبه، يتجاهل صوتك المعترض من شدة الرعب الذي تسببه لك، ويحاول ما استطاع حتى لا يقع نظره على عينيك اللتين تتطايرا شررا.

ويبدو واضحا، من المسار الانحداري للبنان على كل المستويات، بدءاً بالسيادة، مرورا بالاقتصاد، وصولا إلى البيئة، ان الذين يقودون الدولة ويديرون المؤسسات، مثلهم مثل هؤلاء الذين يقودون السيارات، فهمهم محصور بأهدافهم الضيقة، ينتقلون من اليسار إلى اليمين، بلا سابق إنذار، بهدف حماية مصالحهم، غير آبهين بما يسببونه، في انتقالهم المفاجئ، من ضحايا ومن أضرار ، ومن يعترض فلا يسمعون صوته، لأنهم ينتهجون سلوك التجاهل الذي يبدع فيه سائق الأجرة.

في غالبية دول العالم، يدرك جميع الناس انه من السهل ان تورث اولادك الجنسية ولكن يستحيل ان تورثهم القدرة على قيادة السيارات، مما يضطر الجميع ان يخضع لدورات تعليمية تسبق امتحانين صعبين، الأول نظري والثاني تطبيقي .

في لبنان، يبدو ان هذا التعقيد لا يدخل في الاعتبار، فهم ينالون اجازة السوق بالسهولة نفسها التي يورث فيها السياسيون ابناءهم قيادة الناس.

-----------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG