Accessibility links

"شرعيات مطعون في شرعيتها" و"سلطات الأمر الواقع"


صورة تجمع الفرقاء في ليبيا من اليسار خليفة حفتر وعقيلة صالح وفائز السراج، قبل أن تندلع معارك بين قوات حفتر وقوات السراج في صراع على الشرعية لقيادة ليبيا.

عريب الرنتاوي/

لم يعد لـ "الشرعية" في دول الانقسامات والحروب الداخلية الفاشلة، من وظيفة سوى استدعاء "التدخل الأجنبي" والتغطية عليه... دول الإقليم الكبرى، وبعض مراكز القرار الدولي، تجد في هذه "الشرعيات" ضالتها، وهي تبحث عن توسيع دورها وتعظيم مصالحها في هذه الدول وفي الإقليم بعامة.

الدول الفاشلة، أو تلك التي تقف على "حافة الفشل"، تعيد تعريف وظائف "الشرعية"، وتحصرها في بعد واحد فقط: الاستقواء بالأجنبي ... ولأنها "شرعيات" مطعون في شرعيتها، يلجأ حلفاء هذه "الشرعيات" والناطقين باسمها، إلى استخدام تعبيرات ملطفة دبلوماسيا من نوع: "المعترف بها دوليا"، للتغطية على افتقاد هذه "الشرعيات" لاعتراف نصف مواطني الدولة المعنية، وربما أكثر.

ثمة تجارب عديدة، تكفي لفهم هذه الوظيفة المستجدة لهذا النمط من "الشرعيات"، والكيفية التي تعاملت بها مراكز متصارعة إقليميا ودوليا مع هذه الظاهرة ... والمفارقة أن داعمي هذه "الشرعية" أو تلك، بحجة أنها "شرعية"، هم أنفسهم الذين يدعمون خصوم "شرعيات" مماثلة في دول أخرى، لعدم اعترافهم بـ"شرعيتها" ... إنهم يتبادلون المواقف والأدوار، باستخدام الذريعة حينا ونقيضها أحيانا، ودائما لتحقيق أغراض ومصالح لا صلة بها بمسألة الشرعية والقانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة.

في اليمن، وبصرف النظر على ظروف تشكل وتطور الأزمة الطاحنة التي تعتصره، كانت "شرعية" عبد ربه منصور هادي، الرئيس غير المنتخب، ولكن "المعترف به دوليا"، هي الغطاء الذي تسللت من تحته، حرب السعودية والإمارات على هذا البلد المنكوب بانقساماته الداخلية وفشل حكوماته المتعاقبة وحروب الآخرين عليه ... هنا، كانت "الشرعية" كلمة السر أو "بيت القصيد" في السردية الخليجية التي بررت الحرب ورافقتها، حتى أن الرياض وأبو ظبي وضعتا هدف إعادة "الشرعية" إلى صنعاء، في صدارة أولويات "عاصفة الحزم" التي ستأخذ لاحقا اسم "استعادة الأمل"، من دون أن يكون هناك ما يكفي من "الحزم" أو كثير من الأمل.

هذه الأطراف ذاتها، ستخلع "رداء الشرعية" عن سياساتها الخارجية وتدخلاتها "الخشنة" في كل من ليبيا وسوريا، بالضد من رغبة "الشرعية" في كلا البلدين ... هنا "الشرعية" ناقصة، ومطعون في شرعيتها ... هنا تستند سرديات الحرب والتدخل العسكري إلى مقولات أخرى، من نوع "الشرعية الشعبية" و"الرئيس الذي يقتل شعبه" و"حكومة المليشيات الإسلاموية" إلى غير ما هنالك من حجج وذرائع، تبدو جاهزة، وفي المتناول، وبتصرف من يريد اللجوء إليها.

لكن "الشرعية الناقصة" في كل من سوريا وليبيا، لم تمنع عواصم ومراكز إقليمية ودولية أخرى، من التدخل لنصرتها، وتحت غطائها "القصير جدا"، وأن تخوض إلى جانبها، وأحيانا نيابة عنها، الحرب على خصومها ... من يقرأ الخطاب الإيراني في سوريا على وجه الخصوص، يدهش كيف يستعير الإيرانيون خطاب خصومهم في اليمن على سبيل المثال، ولا بد يتساءل عن "المعايير المزدوجة" التي تدفع مركزا إقليميا كبيرا بوزن إيران، لقول الشيء ونقيضه، واستخدام حجج متضاربة ومتعارضة لتبرير دعم الحوثي، "غير الشرعي" في اليمن، والقتال إلى جانب النظام "الشرعي" في سوريا.

الشيء ذاته، ينطبق على روسيا كذلك، فهي إذ تجهر بدعمها للجنرال خليفة حفتر في ليبيا، وتعطي الضوء الأخضر لجماعة "فاغنر" لإرسال مرتزقتها للقتال إلى جانبه، ضد الحكومة "الشرعية" في طرابلس، بنت كامل سرديتها للأزمة السورية، على قاعدة "دعم شرعية الأسد" والتدخل بناء على طلبه، لقتال ضد جماعات إرهابية ومتطرفة.

تركيا من جهتها، تنهض كنموذج فاقع لمثل هذا الخطاب الدال على "ازدواجية المعايير" وسياسة "الكيل بمكيالين" ... في سوريا، الأسد يقتل شعبه، فاقد لـ"شرعيته"، ولا ذكر للجيش السوري إلا بوصفه ميليشيا لبشار الأسد ... أما في ليبيا، فإن "حجر سنمار" البناء التركي هناك، هو "شرعية" حكومة السراج في طرابلس الذي ما أن تطلب مددا عسكريا، حتى يبادر الرئيس أردوغان، لإرساله برا وبحرا وجوا كما صرح غير مرة... تركيا، اللاعب الإقليمي الوازن، كانت تنتظر "الشرعية" من فايز السراج للسطو على مئات أو ربما ألوف الكيلومترات من مياه المتوسط، لجعلها منطقة اقتصادية خاصة تنقب فيها عن الغاز والذهب الأسود.

عضوية سوريا في الأمم المتحدة، ليست سببا كافيا للاعتراف بنظامها أو حتى فتح قنوات تفاوض معه... أما حكومة طرابلس الغرب، التي تفتقر لاعتراف نصف الليبيين وتسيطر على مساحات أقل من حكومة الشرق والجنرال العجوز، فهي "شرعية" بما يكفي لإبرام اتفاق وترتيب "حقوق" قد تشعل حربا لا تبقي ولا تذر في شرق المتوسط، بين عديد العواصم والمحاور والتكتلات الدولية.

قبل ذلك وبعده، كانت دول مشاطئة للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، عرضة لصراع المحاور وتنافسها ... دول فاشلة أو "نصف فاشلة" في غالبيتها ... تنافس خليجي – تركي على إريتريا، وقبله على جزيرة سواكن السودانية قبل سقوط نظام البشير، جيبوتي والصومال وأرض الصومال وجزر القمر، تحولت إلى وجه لقادة دول محورية وممثليهم، هذا يعرض شراء "موطئ قدم" على الأرض، وذاك في المياه والأجواء ... استراتيجية "القروض" و"المساعدات" كانت حاضرة بقوة لشراء الولاءات والانحيازات... دول فقيرة، يضربها الجوع، ومنقسمة على نفسها، لم يبق من دور لـ"شرعياتها" سوى استدعاء "الغرباء" وفتح بازارات ومهرجانات "فضّ العروض" لبيع مقدرات البلاد، أو تأجيرها لعشرات السنين إن تطلب الأمر.

وثمة من الظواهر الناشئة في المشهد الإقليمي ما يستحق التوقف عندها كذلك، غير "الشرعيات المطعون في شرعيتها"، وأعني بها "سلطات الأمر الواقع" التي لا هي دولة ولا هي شرعية، والأهم أنها "غير معترف بها دوليا" ككيان "دولاتي" ... في شمال العراق، لم يكتسب إقليم كردستان "شرعية دولاتية"، وسقط مشروع الاستفتاء على الانفصال، لكن الكثير من دول الإقليم والعالم تتعامل مع "سلطة الأمر الواقع" في الإقليم بوصفه دولة مستقلة، بسياسة خارجية وتمثيل دبلوماسي وجيش وأجهزة أمنية منفصلة عن المركز ... في شمال سوريا الشرقي، وبرغم تآكل مساحة "روج آفا"، وعدم اعتراف أحد بـ"سلطة الأمر الواقع" فيها، إلا أن ثمة أطرافا دولية وإقليمية تتعامل معها ككيان "دولاتي"، تسعى في إدامته وتعزيز وجوده ومده بنسغ الحياة ... في قطاع غزة، يبدو أن ثمة أمرا مشابها يحدث هناك، وقد تزايد الميل للتعامل مع "سلطة حماس" بوصفها أمرا واقعا، سيما بعد أن اتضحت مرامي حكومة اليمين في إسرائيل بفصل القطاع عن الضفة، وأيدتها واقعيا في ذلك، إدارة الرئيس ترامب ومشروع "صفقة القرن" ... السلطات والكيانات من هذا النوع، تنتشر في عدد وافر من دول المنطقة، من اليمن (الحوثي والانتقالي) إلى ليبيا إلى تتحول إلى سلطات أمر واقع متراكبة فوق بعضها البعض، عدة طبقات وعدة هويات، وليس انتهاء بالسودان (دارفور، كردفان وغيرهما)

"سلطات الأمر الواقع"، مثل "الشرعيات التي لا شرعية لها"، تصلح كغطاء لشتى أشكال التدخل الأجنبي، ومن وظائفها استدعاء هذا التدخل واستعجاله إن تطلبت مصالح اللاعبين الكبار ذلك، أما الحجج والذرائع، فهي دوما جاهزة "غبّ الطلب".

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG