Accessibility links

شرعية الدم والمقدس المطلي بالذهب


متظاهرون في باريس يطالبون بالعدالة لجمال خاشقجي

بقلم مالك العثامنة/

لسبب ما أجهله، تذكرت شخصية الدكتور "صبحي المحملجي" أحد أهم الشخصيات التي خلقها الراحل عبدالرحمن منيف في رائعته الخالدة "مدن الملح"!

ومضة التذكر هذه أعادتني إلى قراءة جديدة لملامح الشخصية المركبة والمعقدة لهذا القادم من مدنية بلاد الشام ليستقر بين يدي سلطان "حران"، في مجاهيل الصحراء والنفط المكتشف حديثا، تلك الدولة التي اختلقها منيف ولم يعد خافيا على أحد أنه كان يقصد بها المملكة العربية السعودية، في واحدة من أكثر الترميزات كثافة ووضوحا بنفس الوقت.

أي مساس بالطبقة التي تحكم باسم الدم وبغطاء ذهبي مقدس مصيرها الدم نفسه

قام صبحي المحملجي، وبكل ما يملك من طاقة ومقومات لتقديم أوراق اعتماده لدى بلاط السلطان، محاولا دوما أن يسخر تلك المعطيات التي لديه ليكون الطبيب والمستشار وصاحب الأفكار الخلاقة والمؤامرات لصالح السلطان.

نهاية صبحي المحملجي كانت "الإعدام السياسي"، طردا إلى المنفى، من خلال لعبة استخبارات قام بها رجال العهد الجديد، وقد نفوا السلطان السابق.

المحملجي، حمل اسم عائلته "المختلق طبعا" تلك العادة الشامية المأخوذة من العهد العثماني، بجعل الكنية العائلية دلالة على مهنة جد العائلة المؤسس.

انتقلت تلك الكنية معه، وبقيت ترميزا على أنه مهما حاول الاندماج حد التذويب فسيبقى غريبا ومريبا في عيون أولياء نعمته ملوك مدن الملح والنفط المحترق.

اقرأ للكاتب أيضا: فصل التاريخ عن المقدس: الجاهلية نموذجا

هذا في ما يتعلق بصبحي المحملجي، وهو في المحصلة شخصية روائية ابتدعها خيال روائي، لكنها وأكرر، أطلت في الذاكرة حتى صرت أراها تعيد إنتاج نفسها من جديد...

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

لا أحاول أبدا أن أخلق عملية تماهي بين شخصية روائية مختلقة مثل الدكتور صبحي المحملجي، ومغدور القنصلية السعودية الصحافي جمال خاشقجي، لكن هي قراءة في العقل السياسي "السعودي" نفسه، والذي حاول عبدالرحمن منيف تفكيكه من خلال رواية بخمسة أجزاء.

كما أنني لا أضع المرحوم السيد جمال خاشقجي في مصاف الأبطال رغم نهايته المأساوية التي لا يستحقها هو ولا أي إنسان مهما كان شأنه؛ فالسيد خاشقجي كان لاعبا أساسيا في كثير من محطات سياسية متعلقة بالإسلام السياسي، لا كصحافي وصاحب رأي وحسب، بل وحسب التقارير التي تخرج تباعا عن سيرته المهنية فهو لاعب أساسي في تفاصيل استخباراتية عديدة منذ حروب أفغانستان الجهادية.

لكن العقل السياسي السعودي، الذي رغم كل محاولات "التطوير" والحداثة التي يركب موجتها، لا يزال متمسكا بذات الفكرة الجوهرية التي قامت عليها شرعيته، وهي سلطة المال والدين، وأي مساس بالطبقة التي تحكم باسم الدم وبغطاء ذهبي مقدس مصيرها الدم نفسه؛ وهي عقلية متواترة منذ انتقل بنو أمية من موطنهم الصحراوي إلى بلاد الشام وأقاموا دولة ملكهم في دمشق حاملين ذات الرؤية، شرعية الدم وبغطاء ديني مقدس مطلي بالذهب.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

من هنا، يمكن ـ ربما ـ فهم كل اللامنطق في تسلسل أحداث تصفية السيد جمال خاشقجي في قنصلية متخمة بالكاميرات ومحاطة بكاميرات مراقبة تركية، بل وحسب الراشح فإنها خاضعة لتجسس تركي استخباري عن كثب؛ وهذه معطيات لا تغيب عن عقل يفكر بالمنطق إلا إذا كان المنطق غائبا عنه. ويبدو أن من أصدر الأمر بالاغتيال والتصفية البشعة بهذه الطريقة، كان يفكر بذات منطق "الحاكم بأمر الله" وسيافه الواقف على بابه مستعدا لأي أمر بالقتل الفوري، والمفارقة أن عقلية "الحاكم بأمر الله" السادية تلك، كان محلها اسطنبول آخر معاقل الخلافة التي حكمت بذات العقلية!

في عام 759 ميلادية، تمت تصفية ابن المقفع في عملية اغتيال دموي بشعة وقد كان قريبا من السلطة حد العبث معها

التاريخ ـ في ذات العقلية ـ لا يعيد نفسه وحسب، بل هو لم يغادر مكانه. ففي عام 759 ميلادية، تمت تصفية الإعلامي ـ بمعايير ذلك الوقت ـ والكاتب عبدالله ابن المقفع في عملية اغتيال دموي بشعة وقد كان قريبا من السلطة حد العبث معها. اختفت المسؤولية الجرمية كاملة في عملية اغتياله في ثنايا الروايات، لكن في عام 2018 ميلادية، ومع وجود كل الكاميرات والتقنية الحديثة التي يمكن لها أن تحصي خطوات البشر، فإن المسؤولية الجرمية مطلوب منها أن تختفي وتوضع على رف القضايا المجهولة، تماما ذات رف قضية مقتل ابن المقفع.

اقرأ للكاتب أيضا: من مناهج المعرفة إلى مناهج الشعوذة: انقلاب الوعي العربي

الضحية مختلفة نسبيا في الحالتين، لكن العقل الذي يحكم الرواية والتحقيق هو ذات العقل، والباب العالي في آستانة أردوغان، ينتهز الموت ليختطف الخلافة!

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

ختاما، وعودا على بدء في ما تذكرنا، فإنه في الجزء الرابع من مدن الملح، وقد عنونه منيف بعنوان "المنبت"، قدم له بمأثور قد يكون "حديثا نبويا" بما نصه "فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى".

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG