Accessibility links

'شرق المتوسط' 2019


قيصر، المصور العسكري المنشق، يقدم شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس عن التعذيب في سجون الأسد

د. عماد بوظو/

في عام 1975 صدرت رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، أحد أهم الكتاب العرب في القرن العشرين. تناولت الرواية موضوع الاعتقال والتعذيب الذي يتعرض له المعارضون السياسيون في تلك المنطقة من العالم، وكانت علامة فارقة في ما عرف بأدب السجون.

أول تساؤل كان يتبادر لذهن القارئ العربي، في أي بلد بالتحديد تدور أحداثها، خصوصا أن مؤلفها سعودي من قلب نجد، ولد وقضى طفولته في الأردن ودرس في جامعات بغداد والقاهرة وعمل في بيروت ثم تزوج واستقر حتى وفاته في دمشق، وأغلب هذه الدول من الممكن أن تكون مسرحا لها.

في ذلك الوقت كانت السجون السياسية شائعة عالميا، خصوصا في الدول "الثورية" التي كانت تعامل معارضيها بطريقة بالغة القسوة، من الاتحاد السوفييتي إلى الصين وأوروبا الشرقية ودول العالم الثالث التي تدور في هذا الفلك. ولم تكن الديكتاتوريات العسكرية المتعاونة مع الغرب أقل إجراما تجاه معارضيها اليساريين والشيوعيين.

في سوريا أصبحت عملية اعتقال الأبرياء مصدر دخل رئيسي لأجهزة الأمن

بعد عقود من صدور الرواية ومع انتهاء الحرب الباردة وانهيار أغلب الأنظمة الديكتاتورية، وقّعت أكثر من مئة وثلاثين دولة على مواثيق حقوق الإنسان السياسية والاجتماعية والثقافية، وأغلقت السجون السياسية في أغلب دول العالم باستثناء منطقة شرق المتوسط.

ففي سوريا قتل عشرات آلاف السجناء السياسيين، وتجاوزت فروع التحقيق والمعتقلات التابعة لفروع الأمن والسجون المركزية أو التابعة للميليشيات في ممارساتها الوحشية كل ما كان معروفا في السبعينيات عن سجن تدمر الشهير، وثّقت بعضها 55 ألف صورة قدمها للمجتمع الدولي المنشق سيزر لجثث آلاف المعتقلين الذين تمت تصفيتهم في سجون الأسد خلال أول عامين من الثورة.

وأصبحت عملية اعتقال الأبرياء مصدر دخل رئيسي لأجهزة الأمن، ووصلت أعداد المعتقلين والمفقودين والمطلوبين في سوريا خلال السنوات الأخيرة إلى مئات الآلاف.

وفي العراق، انتهى عصر صدام حسين وسجن "قصر النهاية"، لتحل مكانه معتقلات لا تختلف كثيرا عنه، ومع تعدد الإدارات التي تولّت عمليات الاعتقال خلال السنوات الأخيرة من وزارة العدل ووزارة العمل إلى وزارة الداخلية والدفاع وأجهزة الاستخبارات والميليشيات والتي لكل منها سجونها الخاصة، أصبح من الصعب تقدير العدد الحقيقي للسجناء.

وقالت الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية إن أكثر من 300 ألف موقوف بريء أودعوا في السجون العراقية خلال الأعوام 2014 حتى 2016 أغلبهم بدوافع طائفية، وكان من الصعب خروج البريء الفقير، لأن رشوة إطلاق سراح المتهم بالإرهاب كانت بين 200 و300 ألف دولار، وقد تدفع الأموال ولا يطلق سراح المتهم حتى تستمر عملية الابتزاز.

وقال المحامي مهند العيساوي مدير مركز بغداد لحقوق الإنسان إن التحقيق في المراكز الأمنية والسجون في العراق مبني على التعذيب وإجبار المعتقلين على التوقيع على إفادات بارتكابهم جرائم لم يقوموا بها، كما انتشرت ظاهرة السجون السرية والاتهامات الكيدية، كما أرجع أسباب ارتفاع حالات وفاة السجناء إلى التعذيب والإهمال الطبي المتعمّد وحماية من يقوم بجرائم تعذيب وقتل المعتقلين.

في سجن إيفين الإيراني
في سجن إيفين الإيراني

من الظلم مقارنة مصر جمال عبد الناصر وأنور السادات مع إجرام ديكتاتوريات سوريا والعراق، فلم يشهد سجن القلعة والسجن الحربي سوى اعتقال بضع مئات من المعارضين، ولكن سمعتهما السيئة كانت بفضل شهرة أغلب نزلائها الذين كانوا من قيادات اليسار والإسلاميين ونخبة الصحافيين والمثقفين المصريين، وكانت إذا طالت أحكام البعض يتم نقلهم لمجموعة سجون أبو زعبل أو طرة؛ هذه كانت سجون مصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

أما السجون الكبيرة فقد تم بناؤها في التسعينيات وبداية القرن الحالي، وتمّ بشكل سريع إضافة 12 سجنا جديدا في عامي 2014 و2015 لاستيعاب آلاف المعتقلين، مثل "ليمان المنيا" وسجن "المنيا" شديد الحراسة، وسجن "15 مايو"، وسجن "الكيلو 10 ونص"، واستمرت السجون باتباع وسائل التعذيب لانتزاع الاعترافات. وفي هذه المرحلة، أحيل آلاف المدنيين للمحاكم العسكرية، كما حدثت عشرات حالات الاختفاء القسري وأصدرت المحاكم المصرية خلال السنوات الماضية مئات أحكام الإعدام ولكن محاكم النقض ألغت الكثير منها، وأعدم عشرات المدنيين بعد محاكمات عسكرية، كما تلاحق الدولة نشطاء المجتمع المدني تحت ذريعة التمويل الأجنبي، ويتراوح عدد المعتقلين السياسيين في مصر اليوم بين 40 إلى 60 ألف حسب التقديرات المستقلة.

كان جهاز السافاك المرعب في إيران نموذجا لاستخبارات سبعينيات القرن الماضي، ولكن مع الثورة الإسلامية تحوّلت إيران بكاملها إلى سجن كبير على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، ويقبع في سجونها حاليا مئات آلاف المعتقلين. فقد أجرت وكالة إيسنا الطلابية في أيار/مايو 2018 مقابلة مع حسن موسوي جلك رئيس رابطة المرشدين الاجتماعيين قال فيها إن 50 شخصا يدخلون السجون الإيرانية كل ساعة، أي 438 ألفا كل عام، وفي أكتوبر/تشرين أول الماضي قال علي بختيار النائب في البرلمان الإيراني إن عدد السجناء في الفترة الحالية يبلغ أربعة أضعاف استيعاب السجون، وبما أن طاقة هذه السجون 140 ألفا حسب إحصائية "موجز سجون العالم" فهذا يعني أن هناك أكثر من نصف مليون سجين في إيران. وقال النائب محمود صادقي إن عدد السجناء ارتفع عشرين ضعفا عن أيام الشاه.

يعتبر "إيفين" أشهر سجن سياسي في إيران ونتيجة نسبة المثقفين العالية فيه فقد أطلق عليه اسم جامعة "إيفين". كان يتسع لنحو 1500 سجين عام 1977، وأصبح يتسع لخمسة عشر ألفا اليوم. وجاء في تقرير أحمد شهيد، مقرر حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن إيران تنتهج التعذيب الجسدي والنفسي ضد السجناء، وشهد سجن كهريزك اعتداءات جنسية طالت السجناء السياسيين من الجنسين وبمختلف الأعمار، كما تكررت مرارا حالات وفاة معتقلين في السجون.

وقالت ماجدالينا مغربي من منظمة العفو الدولية "إن غياب الشفافية عن هذه الوفيات أمر يثير الفزع"، كما يدفع الأهالي رشاوي لمسؤولي السجون حتى يحصل أبناؤهم على أبسط الحقوق، ولا ننسى أن إيران اليوم هي البلد الأول عالميا من ناحية عدد الإعدامات مقارنة مع عدد السكان، وفي تقرير منظمة العفو الدولية أعدمت إيران 507 أشخاص في عام 2017 أي 51 في المئة من الإعدامات المعلنة عالميا في ذلك العام.

تحولت السجون السياسية إلى مزارات ومتاحف تذكّر بعهود سابقة مظلمة، إلا في شرق المتوسط

وفي تركيا، بلغت أعداد المعتقلين السياسيين أرقاما لم تعرفها في تاريخها. فقد صرح قبل أيام وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أن عدد من تم احتجازهم بتهمة العلاقة مع حركة غولن 511 ألف شخص أطلق سراح أغلبهم. وفي نهاية عام 2018 نقلت صحيفة زمان التركية عن وزير العدل عبد المجيد غول قوله إن عدد المعتقلين الجنائيين والسياسيين بلغ 260 ألفا بينهم 202.434 صدرت ضدهم أحكام و57.710 بمذكرة اعتقال، وهذا يتجاوز الطاقة الاستيعابية للسجون التركية. وبدل أن تضع الحكومة خططا لتقليل عدد المعتقلين قررت بناء 228 سجنا جديدا حتى عام 2023! والتهم الجاهزة في تركيا لاعتقال أي إنسان هي الانتماء لحزب العمال الكردي أو جماعة غولن أو المشاركة في المحاولة الإنقلابية.

وحسب منظمة العفو الدولية، تركيا هي البلد الأول في العالم من حيث سجن الصحافيين والإعلاميين، وانتشرت إفادات عن تعذيب وإساءة معاملة على نطاق واسع عام 2017 خصوصا لمن احتجزوا بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

العالم تغير منذ عام 1975 واعترفت أغلب دول العالم بحق كل إنسان بالحياة والحرية والأمن، وتوسعت سلطات المنظمات الدولية والإنسانية وخضعت السجون في العالم لرقابة الأجهزة القضائية والمنظمات الدولية، وتحولت السجون السياسية إلى مزارات ومتاحف تذكّر بعهود سابقة مظلمة، إلا شرق المتوسط الذي وصلت فيه أعداد السجناء السياسيين والمفقودين والمطلوبين والفارين من بلادهم إلى مئات الآلاف بل ملايين الأشخاص، بحيث أصبحت رواية عبد الرحمن منيف شرق المتوسط نبوءة عن الذي ينتظر هذه المنطقة وكيف ستصبح أسوأ مكان في العالم من ناحية احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان.

اقرأ للكاتب أيضا: المزيد من نجاحات إسرائيل وانتكاسات العرب

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG