Accessibility links

شيخوخة العالم


أحد مرضى ألزهايمر

بقلم كوليت بهنا/

كنت أتابع بين الحين والآخر أخبار السيدة نانسي ريغان (توفيت عام 2016) ومثابرتها في سعيها الدؤوب للحصول على معونات مالية فيدرالية للإنفاق على أبحاث الخلايا الجذعية، وظننت في حينه أن الأمر محض مبالغة تخص عالم الرؤساء، وأنها لو لم تعان شخصيا من إصابة زوجها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان بمرض ألزهايمر ربما لم تكن لتتحرك في هذا المنحى.

لكنني حين تلمست مؤخرا معاناة إحدى صديقاتي مع والدها المصاب بالمرض ذاته، قدرت بأسف معاناة وجهود السيدة ريغان الصعبة وتفهمت خطورة هذا المرض الذي يصيب واحدا من بين كل 85 إنسانا، والمتوقع أن يصل عدد المصابين به في العام 2050 ما يقرب من 135 مليون نسمة.

باتت الشيخوخة تدرس كعلم، وكواحدة من التحولات الاجتماعية الأكثر أهمية في القرن الـ 21

ألزهايمر، هو أحد أمراض الشيخوخة، وتعتبر الوراثة وأمراض التقدم في السن من العوامل الرئيسة المشجعة لظهور هذا المرض الصعب، وأول ضحاياه ليس المريض فحسب، بل أفراد أسرته الذين قد يقضي بعضهم قبل المريض نتيجة الجهد الجسدي أو التلف العصبي الشديد خلال معايشتهم لمريضهم ومحاولة السيطرة على أعراض مرضه، وقد تتخلى بعض الأسر عن مريضها في حال لم تتوفر لديهم المقدرة المالية أو النفسية للتحمل.

اقرأ للكاتبة أيضا: سيدة محجبة شجاعة

وفي الحالة العربية، وبسبب الروابط العائلية والاعتبارات الدينية التي تحث على مراعاة كبار السن، وفي مقدمتهم الوالدين، ستجد أن أغلب هذه الأسر تتكتم على معاناتها أو تخجل من وضع مريضها في أحد دور العجزة المختصة، ناهيك عن أن أغلب دور العجزة الخاصة ترفض استقبال حالات ألزهايمر أو تطلب أموالا خرافية، إضافة إلى سمعتها غير المحمودة في معاملة المسنين. ولا يتوفر البديل الحكومي أو أي دعم مالي أو نفسي، ومهما حاولت بعض الجمعيات الخيرية أو الدينية المنتشرة تقديم المساعدة، تبقى عاجزة عن احتواء هذا المرض.

يحتاج مرض ألزهايمر، مع باقي أمراض التقدم في السن الكثيرة، إلى خطة وطنية شاملة تضع في أولوياتها احترام شيخوخة مواطنيها وتوفير ما يلزم لهم في هذا الوضع المثير للقلق، والذي تنبهت لخطورته وحساسيته دول العالم الكبرى، فاعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1991 مبادئ عامة ضمت 18 حقا لكبار السن تتعلق بالاستقلالية والمشاركة والرعاية وتحقيق الذات والكرامة. كما خصصت الأمم المتحدة يوما عالميا للمسنين، لتذكير العالم بقيمتهم وضرورة احترامهم ومراعاتهم.

يعتبر هاجس الشيخوخة، أحد الأسباب التي دفعت، ولا تزال تدفع، عديدا من الأسر الشابة للهجرة أو اللجوء

وباتت الشيخوخة تدرس كعلم، وكواحدة من التحولات الاجتماعية الأكثر أهمية في القرن الـ 21 التي تؤثر على جميع قطاعات المجتمع، حيث يرتفع عدد كبار السن في سكان العالم بوتيرة غير مسبوقة، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى 2.1 مليار مسن بحلول عام 2050، يعيش أكثر من نصفهم في الدول النامية (تندرج الدول العربية من بينها). وهذا يعني أنهم سيكونون في مهب الريح والإهمال وبلا كرامة مع ازدياد مستوى الفقر وتراجع التعليم والصحة في أغلب هذه الدول المنكوبة بالحروب والسياسات الخرقاء والسرقات الممنهجة لثرواتها الوطنية.

اقرأ للكاتبة أيضا: البرتقالي البائس

ويعتبر هاجس الشيخوخة، أحد الأسباب التي دفعت، ولا تزال تدفع، عديدا من الأسر الشابة للهجرة أو اللجوء إلى واحدة من الدول الغربية، وخاصة الأوروبية، التي وإن كان يطغي على صورتها شيخوخة سكانها، إلا أنها لا شك تتجدد باستمرار مع فتح باب الهجرة واللجوء ضمن سياسة ضخ الدم الشاب في عروق مجتمعاتها؛ مع ما يتركه ذلك من انعكاسات اقتصادية إيجابية لاحقة، لتبقى من البيئات الأفضل التي توفر الحياة الكريمة لمسنيها وتحمي كهولتهم وتحترمها.

الأرقام التي سيقت أعلاه لا شك أنها تبعث الخوف في النفس وتحرض الأسئلة الوجودية عن هذا العالم بسكانه وكواكبه وإن كان قد شاخ حقا. لكنك وأنت في هذه الحالة من القلق الكوني، تتذكر أن رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد، عاد لاستلام السلطة قبل شهرين، وتمكن خلال عشرة أيام من إغلاق فوهات الفساد الرئيسية. هذا الرجل الاستثنائي البالغ من العمر 93 عاما، سيقلب أمامك كل المعادلات ويبدد بعض المخاوف، ويمنح بعض الأمل حول معجزة الحياة وبأن ليست كل شيخوخة هي عطالة بالضرورة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG