Accessibility links

'صداع التغيير أو سرطان الوضع الحالي'.. تحديات تواجه الشرق الأوسط


جانب من مؤتمر إطلاق تقرير مؤسسة كارنيغي

يواجه الشرق الأوسط تحديات اقتصادية وسياسية ومؤسساتية غير مسبوقة، وسط احتدام الصراعات الإقليمية وانعدام الثقة بين الدولة والمواطن.

ويشير تقرير أطلقته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن إلى أن العقود القليلة الماضية شهدت في غالبية الدول العربية ظهور "المساومات الاستبدادية"؛ أي الخدمات الاجتماعية والوظائف الحكومية مقابل السكوت.

ويقول التقرير الذي يتحدث عن التحديات الكبرى التي تواجه المنطقة والحلول الممكنة، إن نظاما قديما ينهار في المنطقة من دون أي تصور حول ما قد يأتي لاحقا.

"باستثناءات قليلة"، تتخذ الحكومات العربية إجراءات لفرض سيطرتها على المواطن، حسبما يذكر التقرير الذي يضيف أن في دول مثل العراق وليبيا وسورية واليمن، الأمور فعليا أصبحت "كارثية"، بينما هناك إشارات في دول أخرى كمصر والسعودية والأردن حول "عدم رضا شعبي" عن الأوضاع.

ويتحدث التقرير عن أربعة تحديات كبرى تواجه المنطقة: الصراعات الإقليمية التي سببت انهيارا تاما لمؤسسات الدولة وموجات هجرة غير مسبوقة، وعدم وجود أنظمة تستند إلى القوانين، وعدم قدرة الاقتصادات العربية على خلق عدد كاف من الوظائف، وتعامل عدد كبير من الدول العربية مع مواطنيها على أنهم "تهديد لها" وليسوا مصدر قوة يمكن الاعتماد عليه.

تقرير "آفاق عربية: العقبات والطريق إلى الإصلاح" الذي أصدرته مؤسسة كارنيغي للسلام مبني على فرضية أن الدولة والمواطن في العالم العربي بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، ويقترح إطارا لسياسات جديدة في خمسة مجالات هي الاقتصاد السياسي، الحوكمة، التعليم، اللاجئين والصراعات الإقليمية.

الاقتصاد السياسي:

بالإضافة إلى الصراعات المتتالية، ونزاعات ما بعد الربيع العربي، يأتي تأثير انخفاض أسعار البترول على اقتصادات عديد البلدان العربية: تواجه هذه البلدان تحديات اقتصادية جذرية تتمثل في انتهاء فاعلية نموذج الدولة الريعية التي تعتمد على الثروات الطبيعية.

بناء نظام اقتصادي جديد يتطلب من الدولة أن تواجه الأنظمة الاقتصادية الرعوية وشبكات المحاسيب التي تهدر المخرجات الاقتصادية وتصعب من خلق الوظائف.

وخلال مشاركته في مؤتمر إطلاق التقرير، ذكر نائب وزير الخارجية الأردني السابق مروان المعشر، أن "النفط سمح للحكومات العربية بالحفاظ على نظام سياسي واقتصادي غير فعال... كما سمح للسلطوية أن تتجذر من دون أي تحديات".

ورغم أن لكل دولة ظروفها، إلا أن أي نظام اقتصاد سياسي جيد سيحتاج إلى إعطاء أولوية للشباب والنساء، وإرساء معايير مساءلة عادلة، حسب التقرير.

الحوكمة:

انتفاضات عام 2011، أدت إلى تغير جذري في العلاقة بين القادة العرب والمواطنين، وبعدما خفتت النشوة الأولية التي صاحبت هذه الانتفاضات، ظل الغضب الذي أدى إليها موجودا.

مواطنو المنطقة أصبحوا غير صبورين على حكوماتهم التي يرون أنها غير فعالة، فاسدة، وغير مسؤولة.

وحسب التقرير، هناك ثلاثة أمور أساسية في ما يخص ضمان الحوكمة الرشيدة: الوصول إلى دوائر صناعة القرار، تقديم خدمات فعالة ومكافحة الفساد.

ويقول المعشر حول الحوكمة، أن انتقال السلطة بين جيل وآخر في الشرق الأوسط لم يؤد إلى بناء مؤسسات حقيقية في المنطقة، مضيفا أن القيادة التي يشهدها الشرق الأوسط حاليا تأتي من المجتمع المدني وليس من النخبة السياسية، "لكن مشكلة المجتمع المدني أنه غير ناضج".

ويضيف أن من الصعب جدا الحديث عن مشاركة السلطة في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن العالم العربي أمامه خياران فقط، "إما صداع التغيير أو سرطان الوضع الحالي".

"معظم الدول العربية تختار سرطان الوضع الحالي"، يقول المعشر.

وتعتقد الناشطة السعودية هالة الدوسري أن الحوكمة هي أهم التحديات التي تواجه الشرق الأوسط.

وتقول الدوسري التي شاركت في المؤتمر لـ"موقع الحرة": "لا يمكن أن يكون لديك تعليم جيد مثلا إذا لم يكن موضوعا في بيئة تشجع حرية الوصول إلى المعلومات".

وترى أن التحدي هو صناعة حوكمة تسمح بوجود حريات مدنية وإعلامية وسياسية.

التعليم:

أنظمة التعليم العربية غير قادرة على تعزيز انخراط المواطن في الشأن العام، بل إنها تهيئ خريجين يملكون شهادات ولا يملكون المهارات اللازمة للتفاعل مع السياسة والاقتصاد والتغيرات الاجتماعية التي تواجه مجتمعاتهم.

الأمير زيد بن رعد (يمين) ومروان المعشر خلال مشاركتهما في مؤتمر إطلاق تقرير مؤسسة كارنيغي
الأمير زيد بن رعد (يمين) ومروان المعشر خلال مشاركتهما في مؤتمر إطلاق تقرير مؤسسة كارنيغي

وذكر مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان السابق زيد بن رعد أنه خلال فترة عمله سفيرا للأردن في واشنطن، طلب لائحة بأسماء الأردنيين الحاصلين على منح فولبرايت الأميركية، وتفاجأ من أن كل هؤلاء الباحثين كانوا متخصصين في مجالات لها علاقة بالأرقام مثل الهندسة والرياضات والإحصاء، ولم يكن بينهم محام أو فيلسوف أو متخصص في التاريخ خلال ثلاث سنوات.

ويضيف بن رعد خلال مشاركته في مؤتمر إطلاق التقرير: "إنهم يعودون إلى بلدهم بشهادات علمية من الدرجة الأولى، لكنني أردت أيضا أن يفهموا أميركا ... أن يفهموا تاريخ هذا البلد".

وأشار إلى أن هناك وفرة في المهارات التقنية، لكن التنوير الذي يجب أن ينتج عن التعليم غير موجود، وأعطى مثالا بوجود مهندسين وأطباء بين أعضاء التنظيمات المتطرفة.

وحسب التقرير، فإن كل الجامعات والمدارس يجب أن يتم تشجيعها على تقديم رؤية للتعليم تعزز من قدرة الأشخاص على التغيير الإيجابي.

اللاجئون

التهجير القسري أصبح سمة مميزة للشرق الأوسط. في سورية أكثر من 11 مليون شخص نزحوا داخل أو خارج البلاد. ملايين أيضا تركوا مدنهم في العراق والسودان واليمن.

في المقابل، تعمل دول عربية على إعادة هؤلاء اللاجئين إلى دولهم الأصلية، وتم إغلاق الحدود ما أدى إلى ازدهار تجارة البشر.

التعامل مع هذه المشكلة حسب ما يقترح التقرير، يحتاج إلى رؤية مختلفة والتزام تام من قبل المانحين الدوليين لتعزيز التضامن مع المهجرين ومساعدة دول تتحمل العبء الأكبر مثل الأردن ولبنان.

ولكي يتم هذا الأمر يجب إشراك صناع قرار محليين وتغيير هيكلة الحوكمة بشكلها الحالي.

الصراعات الإقليمية

النزاعات في الشرق الأوسط، كتلك التي تشهدها ليبيا والعراق واليمن تبدو صعبة المراس، وصراعات القوى الإقليمية مثل التنافس بين السعودية وإيران يبدو أنه يؤجج هذه الصراعات.

زيادة مبيعات الأسلحة إلى المنطقة، وتنامي الخلافات المحلية، وتغيير خريطة توازن القوى بعد انتفاضات 2011، أيضا تلعب دورا في تأجيج الصراعات، وفق التقرير.

ويبدو أن حل هذه المشكلات يجب أن تنخرط فيه أطراف دولية، لكن أيضا هناك لاعبون محليون يستطيعون العمل على التخفيف مع هذه الصراعات.

XS
SM
MD
LG