Accessibility links

صديقي "نينوس": أنت مجرد شبح غير موجود


نازحة من الأعمال العسكرية التركية في الشمال السوري

مالك العثامنة/

في الأسبوع الماضي، كان مقالي عن "الأكراد"، وختمته بأبيات لمحمود درويش ربط فيها الهوية باللغة التي تحميها من الغياب.

طبعا، تبع المقال ما تبعه من ردود أفعال وتعليقات، بين مادح ومؤيد، وشاتم بإساءات تلفت انتباهي وتغريني بقراءتها لا لمازوشية ما عندي، بل لمحاولة فهم عقلية "الإقصاء" عند المتطرف، خصوصا ذلك الذي يجهل أنه يقف على طرف أصابع قدميه وفوق حافة التطرف تحديدا.

غالبية من شتموا وسبوا (وغالبا سيشتمون هنا أيضا بلا تردد)، ينطلقون من منصة قراءة دينية يغلفونها بالمقدس، وأي مساس بما يرونه مقدسا وقد نشأوا عليه مشبعين به، هو كفر، ويعني بالضرورة والحال كذلك عندهم، أنه استهداف للأمة "التي يفترضون أنهم منها مع افتراض أنها واقع حقيقي"، وأن الرد ليس فقط دفاعا عن تلك الأمة، ولا ذلك المقدس، بل قد يكون أحيانا سعيا للثواب والأجر!

الوعي الإنساني لا يعني التعصب لهوية أو قومية أو دين

وتصبح الحالة "طريفة حد الوجع" بامتياز، حين يكون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه، حالة مقدسة لا تمس، وقراراته ـ التي قد تجد من يعارضها من بين الأتراك أنفسهم ـ تصبح نصا مقدسا ممنوع الاقتراب منه بالنقد ولا بالسؤال.

ومن بين ثنايا تلك التعليقات وبعيدا عن التكفير والوعيد بجهنم لكاتب المقال "الماسوني الصفوي الصهيوني الإمبريالي الشيوعي العلماني الكافر"، فإن اللافت هو ذلك الجهل بالتاريخ الشخصي للشعوب والجغرافيا والسكان.

فتكتشف أن عبارة "الجاهلية" التي درسناها جميعا في مناهج التاريخ "الإسلامي" في عالمنا العربي، كانت أكبر وأخطر وأخبث حيلة لمسح التاريخ نفسه، ووضع مساحة شاسعة من بياض معتم لا يوجد فيه إلا الفراغ قبل الدعوة الإسلامية، مما يجعل مفهوم وجود أي حضارات ثقافية وإنسانية قبل القرن السابع الميلادي لغوا وعبثا لا معنى له.

♦♦♦

أتفهم أن تكون ضد الأجندة السياسية الكردية بدولة مستقلة لهم، على أن تكون مسببات رفضك سياسية منطقية ومقنعة حتى لو كانت ضمن سياقات المصالح، لكن أن تنفي وجود الشعب الكردي على جغرافيا عاش فيها منذ كان، وتلغيه بالكامل. وحين يستعصي عليك إثبات "فرضيتك المضللة" تعود إلى الاحتماء بالمقدس، وقاعدة "الإسلام يجب ما قبله" ثم تمزجها بخبث في قاعدة "لغة أهل الجنة هي العربية" فيكون الحاصل أن "خير أمة أخرجت للناس" محددة بإطار ضيق لا يتجاوز فكرة السلف "المتوهمة" لتقصي كل ما هو غير عربي، فتلك تركيبة "إبادة جماعية" وشيكة الحدوث دوما.

الأكراد شعب له ثقافته ولغته وتراثه القديم، تماما مثل الأتراك "الذين يسامحهم هؤلاء على تغليبهم لغتهم على اللغة العربية"، ولكن الشرق الأوسط، ليس أكرادا وعربا وأتراك وحسب، هناك أيضا شعوب أخرى وديانات أخرى وطوائف أخرى لا يمكن أن تلغيها "بمقدسك" ولا أن تمحوها من الوجود فقط لأنك تعتقد بذلك.

ولك أن تتخيل أن الشعب الكردي بملايينه التي تزيد عن الخمسة والعشرين وكل تلك الثروات التي لديهم والصفقات السياسية والدعم والوعود "والخيبات طبعا" كانوا دوما هدف إبادة تامة، فإن مصير الأقليات الأخرى الأقل عددا والأكثر فقرا بالموارد والدعم مثل السريان والكلدان حتى النوبيين بين مصر والسودان، أو الأمازيغ في شمال أفريقيا سيكون دوما مثل مصير "النمر الأبيض"، خبرا يصاغ على عجل وينسى كحالة انقراض وشيكة.

إن أسوأ ما قرأت في تلك التعليقات على مقالي، كان حوارا بدأه تعليق في صفحة في موقع فيسبوك ثم توالت الردود بعد التعليق لتصل إلى العشرات، حين طرح صاحب التعليق فكرة "هو مقتنع جدا بها فعلا" أن لا وجود للسريان والكلدان والآراميين واليهود اللذين انقرضوا كشعوب منذ "دخل" الإسلام بلاد الشام والعراق.

الردود كانت فاضحة لكمية الجهل، وفيها من كان يدعم رده بمراجع أمهات الكتب التي لا أعرف مصادرها، وخطاب ديني يؤكد فيه آخرون أن السريان والكلدان والآشوريين اختفوا مع الفراعنة مثلا.

خجلت، وأنا أتذكر مثلا، صديقي بالغ التهذيب والوعي "نينوس" كيف سأشرح له فكرة "عدم وجوده" وهو أمامي يتحدث بسريانيته الفصيحة مع عائلته على الهاتف!! ليعود ويحدثني بعربيته الطليقة التي تشبه طلاقته بالفرنسية والهولندية والإنكليزية.

لا أعرف كيف يمكن أن أوضح لصديقي الكلداني السوري المحب للشعر العربي الحديث والذي كنت أسهر عنده أسبوعيا أنني ـ حسب التعليقات ومراجعها ـ كنت أسهر مع أشباح لا وجود لها.

وأتذكر حالا، السيدة الأيزيدية الموقرة التي التقيتها في بروكسل وقد نجت "بما تبقى من روحها المنكسرة" من تنظيم الأبالسة الداعشي وقد كانت محقة حين قالت للصحافة حينها: "هم لا يتعاملون معنا كبشر، بل كأشياء ماتت بالفعل".

الآن وأنا أقرأ كل هذا الإقصاء، أفهم تماما ماذا قصدت تلك السيدة العظيمة.

♦♦♦

وعودا على بدء..

في عبارة محمود درويش التي يمكن القياس عليها على غير الأكراد من شعوب نبيلة وعريقة وحية لا تزال في عالمنا الشرق أوسطي، فإن اللغة التي تتحدث بها تلك الشعوب "على أقليتها" انتصرت فيها لهويتها، وانتقموا من الغياب كمصير محتوم أمام فكر متوحش يحاول تذويب الآخر حد تلاشيه.

هناك أيضا شعوب وديانات وطوائف أخرى لا يمكن أن تلغيها "بمقدسك"

الصحراء عند درويش وهو يخاطب – كما قيل- الأديب العربي- الكردي سليم بركات، ليست جغرافيا بقدر ما هي رمز للقحط الفكري والخواء الثقافي الذي "يتمدد" فعلا في غياب الوعي، فالوعي "الإنساني" عدو هذا التوحش.

والوعي الإنساني لا يعني التعصب لهوية أو قومية أو دين، لكنه بأرقى معانيه يعني أن وعاء الإنسان يتحمل كل تلك الهويات التي تشكل ثروة الإنسان في مسيرته منذ كان في كهفه الأول.

وحين تتعصب لهويتك العرقية او الدينية أو الفكرية أو الجنسية أو أيا كان ما تتوهمه في نفسك، فأنت بالضبط وجه آخر مطابق طبق الأصل لهذا الداعشي البغيض، فتصل إلى فانتازيا تاريخية هزلية بإقصاء "الدروز" أنفسهم وإباحة فكرة تلاشيهم عن الوجود وهم "عرب سوريا الكبرى الأقحاح".

وحين أتذكر هذا الربط بين الهوية واللغة التي تحميها عند الأقليات "المضطهدة غالبا" فإنني أستذكر فورا، جدتي لأمي القوقازية – الشيشانية التي تواتر عنها أحفادها قصصا عن الإبادة الروسية لشعوب القوقاز بلغتها الأم، فحفظناها لنحفظ الهوية من الغياب، وبنفس الوقت لنقدمها حكايا حية للعالم الذي نعيش فيه.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا يُترك الأكراد وحيدين؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG