Accessibility links

"صفقة القرن": معيار النجاح


ترامب ونتانياهو خلال إعلان خطة السلام الأميركية

حسن منيمنة/

من الوهم البديهي محاولة استشفاف تصور يتقصّى في "صفقة القرن" سبيلا لحل عادل أو منصف للقضية الفلسطينية، أو حتى لنهاية وإن بصيغة القهر والإكراه للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فالمقومات المتوفرة، كما النوايا والإمكانيات، لا تنبئ بذلك، وطريقة صياغة الصفقة المزعومة تبدو جليا على النقيض من السعي الصادق إلى إقناع طرفي النزاع، وإن على تفاوت، بالحاجة إلى تنازلات ما من أجل بلوغ الهدف المنشود، أي التسوية التي من شأنها وضع نهاية للصراع القائم.

المعطى الأساسي، والذي لا بد من مواجهته من أجل التفاعل الواقعي مع هذه "الصفقة"، هو التباين الخطير في موقعها وتأثيرها بين الجانبين. فعلى الرغم من الإغراق الخطابي والإعلامي من جانب محور "المقاومة" حول "التخبط الأميركي" و "الارتباك الإسرائيلي" و "القلق والهلع في الكيان الصهيوني" وما شابه من العبارات التعبوية المنقطعة عن الواقع، فإن موقع المسألة الفلسطينية بالنسبة لإسرائيل، وبطبيعة الحال بالنسبة للولايات المتحدة، لم يعد يشغل الحيز الكبير المنسوب إليه ضمن جدول الاهتمامات السياسية أو حتى الأمنية، وإن بدا خلاف ذلك من المنظور الفلسطيني، حيث يلتهم هذا الموضوع الحياة اليومية والشأن العام.

معيار النجاح لـ "صفقة القرن" ليس بتنفيذ بنودها بل في أنها تشكل نقلا للحوار إلى ما يتعدى التصور الجديد

على مدى عقود عدة، تدرجّت إسرائيل نحو الاطمئنان على بقائها، مع تعزيز نظمها الأمنية ومقوماتها السكانية والاقتصادية، ومع اتضاح عقم مزاعم الإزالة والإلغاء التي واجهها بها حكام الجوار. وإذا كان قد ظهر في أمس غابر ثمة توجه في الأوساط اليسارية والتقدمية ضمن المجتمع الإسرائيلي إلى تحقيق قدر من الاندماج مع المحيط، وإن بالصيغة الفوقية، فإن موجات العمليات الانتحارية في التسعينيات، وما صاحبها من تأييد دون منازع في الجوار للقتل المفجع في الشوارع والمقاهي والحافلات، ثم ما تبعها من اعتماد منطق "إسرائيل القلعة" بنجاح، قد أوصل إلى تبديد الرغبة بالاندماج، ودفع المجتمع الإسرائيلي باتجاه الانكفاء عن جواره، والسعي بديلا عنه إلى التشديد على الدور العالمي لإسرائيل كدولة طليعية قادرة على الابتكار والإبداع والإنتاج.

فالواقع اليوم، وإن أزعج من استثمر عاطفيا وماديا في العداء لإسرائيل وفي ترجي زوالها، هي أن إسرائيل دولة ناجحة قادرة على حماية مجتمعها وتوفير فرص التقدم له.

لا تنفي هذه الحقيقة مسألتين هامتين.

الأولى أن إسرائيل تواجه تحديات أمنية، داخلية وخارجية على حد سواء، وأن لهذه التحديات ثمن، وأنه بالتأكيد تجتهد الأجهزة المولجة لتبديد المخاطر، وتخصّص لذلك الموارد. غير أن إسرائيل قد حقّقت في هذا الصدد، على الغالب، التوازن المطلوب. أي أنها قادرة على النمو والازدهار والتقدم رغم الأعباء الأمنية، وإن كانت تفضّل زوالها وتعمل له.

الثانية هي أن إسرائيل دولة محتلة، وأن المجتمعات الفلسطينية الرازحة تحت الاحتلال تعاني من تجاوز فاضح لحقوق الإنسان، ومن انتهاكات متواصلة للقيم العالمية والتي يريدها المجتمع الإسرائيلي لنفسه. وإذا كان إلقاء اللوم على الضحية، واتهام الفلسطينيين بالتطرف والإرهاب يخدّر بعض الشعور بالذنب الوطني، فإن ثمنه هو استنزاف الأسس المعنوية التي قامت عليها دولة إسرائيل، وإن بالتباس، بل يطال عمق التحول الانفتاحي للفكر اليهودي، والذي انتقل به من القبلية إلى الإنسانية ومن الذاتية إلى العالمية على مدى أكثر من قرنين.

وعلى الرغم من هاتين المسألتين، ما لا بد من التشديد عليه هو أن إسرائيل ليست بحاجة ماسة إلى حل للقضية الفلسطينية، بل هي قادرة على التعايش معها، كما فعلت على مدى العقود الماضية. الحاجة إلى الحل أضعاف مضاعفة فلسطينيا، وإن غابت الحلول الإقدامية. بل ما يشترك به الفلسطينيون والإسرائيليون هو التعويل على أن عامل الوقت لصالحهم. الفلسطينيون كانوا إلى أمس قريب يتوقعون أن يؤدي تزايدهم السكاني إلى تبديل قواعد المواجهة، غير أن أعداد التزايد تكاد أن تصبح متكافئة بين الجانبين، لبعض الانخفاض في نسبة النمو فلسطينيا، ولانفجار سكاني في الأوساط المتدينة يهوديا.

لا حاجة لـ "صفقة القرن" على مستوى المجتمع الإسرائيلي ككل. على أنه ثمة رغبة بهذه "الصفقة" في الأوساط اليمينية في إسرائيل. والهدف هنا ليس حل المسألة الفلسطينية ولا إقناع الفلسطينيين بأن التقدم الاقتصادي ثم الإصلاح السياسي هما السبيل إلى شكل من أشكال الحكم الذاتي، بل تحقيق المزيد من المكاسب، ولا سيما في تثبيت التصور والرؤيا. "الصفقة" لن تنهي الصراع القائم، بل سوف تعيد تعريفه وحسب.

فالمتوافق عليه عالميا إلى اليوم عند الحد الأدنى، رغم اعتراض من اليمين الإسرائيلي، لم يكن يحظى بالاهتمام، هو أن الضفة والقطاع أراضٍ محتلة، وأن الحق الفلسطيني بإقامة الدولة السيدة المستقلة قابل للتحقق في هذه الأراضي، بما فيها القدس الشرقية، مع تبادل بعض النواحي، على أن تكون عودة اللاجئين إلى هذه الدولة العتيدة. يمحي هذا التوافق العالمي المطالبة الفلسطينية بكامل التراب، من النهر إلى البحر، وينفي إمكانية عودة اللاجئين إلى ديارهم الأصلية، ويطرح بدلا من هذا وذاك حلا وسطا. العقبة الأساسية كانت المستوطنات.

قبل "الصفقة"، الضفة أرض فلسطينية مأزومة بسبب وجود مستوطنات إسرائيلية. بعد "الصفقة"، الضفة، أي يهودا والسامرة، أرض إسرائيلية مأزومة بسبب وجود تجمعات سكانية فلسطينية فيها. معيار نجاح "الصفقة" هو في الانتقال من التصور القديم إلى التصور الجديد.

تشكيل التصور لم ينتظر إعلان "الصفقة". فالقدس الشرقية أخرجت من جدول النقاش من خلال مناورة نقل السفارة والإقرار الرسمي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهي خطوات بحد ذاتها قابلة للدعم الموضوعي، قبل توسيع معناها لتصبح ضمنيا الإقرار بسيادة إسرائيلية على كامل القدس وإسقاط الحق الفلسطيني في شطرها الشرقي.

واستهداف حق العودة، من خلال إنكار صفة اللاجئ عن الفلسطينيين خارج ديارهم، أو تقليصها لإقصارها على بضعة آلاف، متواصل مع السعي إلى تقويض منظمة الغوث واعتبار توطين الفلسطينيين في أماكن إقامتهم تحصيل حاصل.

والتفصيل الأخطر في دعم التصور الجديد هو تخلي الإدارة الأميركية الحالية عن اعتبار الضفة أرضا محتلة، والانتقال السلس إلى القبول بالمستوطنات، على أنها لا تخالف القانون الدولي. ثم الإقرار بضم إسرائيل للجولان السوري، والتلميح إلى موافقة تلقائية على ضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية، بما فيها غور الأردن.

إسرائيل ليست بحاجة ماسة إلى حل للقضية الفلسطينية.. الحاجة إلى الحل أضعاف مضاعفة فلسطينيا

التدرج في طرح هذه المقومات، واستيعاب ردود الفعل الباهتة إزاءها، سواء منها، في الشرق الأوسط، الغارقة في التصدي للمؤامرات الخرافية أو الداعية نفاقا وضعفا إلى إحسان الظن وانتظار "صفقة القرن"، أو حتى العاجزة والمتخلفة عن التقدم بما يتجانس مع قيمها المعلنة، كما في أوروبا، قد حقّق للتو قبولا أوسع لها في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.

"صفقة القرن"، وما سوف يتبعها حتما من رفض فلسطيني ومن اعتراض عربي ومن امتعاض دولي، قد تتيح المجال أمام اليمين الإسرائيلي لتحقيق المكاسب الانتخابية، بل قد تسهّل خطواته التنفيذية بضمّ أجزاء إضافية من الضفة وغيرها من المنافع الملموسة. غير أن هذه زيادات محمودة وحسب.

معيار النجاح لـ "صفقة القرن" ليس بتنفيذ بنودها، والتي تتراوح من الوهم إلى التعجيز، بل في أنها تشكل نقلا للحوار إلى ما يتعدى التصور الجديد. الأمر الواقع المتحقق بفعل القوة القاهرة هو أن إسرائيل تسيطر على الضفة، ولها بالتالي أن تؤطرها، تاريخيا وحقوقيا بل ودينيا وفق ما تراه. هذا ما توافق عليه وتدعمه الإدارة الأميركية الحالية علنا وصراحة.

القوة القاهرة والأمر الواقع أولا، ثم التأطير والتصور.

ماذا عن قرن كامل من التأسيس والممارسة لمبدأ العدالة الدولية القائمة على الحق وعلى القيم العالمية، كماليات الحرية والمساواة والكرامة هذه؟

جواب الرئيس الأميركي، بأفعاله بالتأكيد، كما بفحوى أقواله: فلتذهب إلى الجحيم.

مغامرة وامتحان. هي مغامرة بالنسبة لهذا الرئيس، وإن كان مرتاحا إلى موقف قاعدته الشعبية المتحمسة لهذه المواقف الفئوية بحكم قناعاتها المبدئية. على أنه في الولايات المتحدة كثر من شأنهم أن يروا "صفقة القرن" على ما هي عليه من ظلم وفجور. الامتحان لهؤلاء.

اقرأ للكاتب أيضا: محاكمة الخلع الدستورية في الولايات المتحدة: دروس مستفادة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG