Accessibility links

صواريخ في يد العشائر!


رجال عشائر يتحضرون لتسليم أسلحة يمتلكونها للحكومة العراقية عام 2010 في البصرة

مشرق عباس/

مفارقة حزينة أن يتدحرج النظام الاجتماعي في العراق من محاولة الدولة تفكيك البنى القبلية التقليدية، ومنها قرار طبق لوقت قصير في السبعينيات بإلغاء استخدام أسماء العشائر كمعرفات للعراقيين، لا سيما الموظفون والمسؤولون منهم، إلى تغول غير مسبوق للقبائل في بنى الدولة وعلى أنقاضها وصولا إلى استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة في نزاعاتها المستمرة.

لكنها مفارقة ممكنة، فالدولة هي من ترعى نظامها وهي من تحدد خطوطها الحمر، وهي من تحمي وجودها أمام محاولات المكونات ما قبلها تهديد هذا الوجود، والمشكلة أن الدولة العراقية منذ تأسيسها لم تُقدم على خطوات جادة لمعالجة المشكلة القبلية، وحتى عندما حاولت في السبعينيات ذلك، عادت مع الحرب العراقية ـ الإيرانية لإحياء الدور العشائري وتمكينه ليكون داعما لأنظمة التجنيد، تماما كما فعلت الدولة العثمانية، وتماما كما اختارت بريطانيا أن تفعل مع احتلالها العراق بداية القرن الماضي، بل إن ذلك كان الخيار الأميركي أيضا بعد 2003.

أن يرتعد الجميع خوفا من مصطلحات مثل "الكوامة" و"العطوة" و"المقاضاة العشائرية" فإنه أمر لا يستدعي الدهشة

والمشكلة المتلازمة أن ثمة نظرية مضللة في العراق تنظر إلى المد الديني والمد القبلي باعتبارهما سياقين متعارضين، وأن دعم زعيم القبيلة سيخفف من سطوة رجل الدين، ولاحقا تم الحديث، حتى في الأوساط الثقافية العراقية، عن ضرورة إحياء دور القبائل، باعتبارها الداعم الأساسي للدولة القطرية، أمام حركات الإسلام السياسي العابرة للحدود!

الواقع أنه من باب الوهم فقط، تخيل نهوض دولة كالعراق من مستنقع صراع الهويات الذي سقطت فيه من خلال تمكين النظام القبلي، بتقاليده وثاراته وأنظمة التهديد والعصيان الممنهجة فيه، أو بمعونته.

إن صراعات العشائر المتكررة أخيرا جنوبي العراق ليست صدفة، كما أنها ليست ثارات تقليدية قديمة، ولا حالة خاصة بالبصرة أو ميسان مثلا، بل هي امتداد طبيعي لصراع القوة بين أصحاب النفوذ داخل الدولة نفسها، وانعكاس واقعي لسياق الدولة أيا كان حكامها في الاعتماد على النظام العشائري لاستمرارها.

وكمثال، فإن الصراع العشائري كان قد تركز في الثمانينيات والتسعينيات في محيط بغداد، في شمالي بابل، وغربي ديالى، وجنوبي صلاح الدين، وشرقي الأنبار، وكل تلك المناطق كان النظام السابق قد نظر إليها كمفتاح لأي تهديد يستهدف نظام الحكم في العاصمة، فعوملت معاملة خاصة في أنظمة القبول للجيش والقوى الأمنية، وكان لزعمائها نفوذ في الدولة، ولهذا تحديدا تصدرت واجهة المعارك العشائرية واستخدمت في معاركها مع بعضها ومع جيرانها حينها الأسلحة الثقيلة، وما زالت المجالس العشائرية تتغنى بمآثر تلك الحروب الطاحنة، كما تفتخر بـ"عجز أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية أمامها!"، وربما هذا تحديدا ما جعلها صيدا ثمينا للتنظيمات المسلحة بعد 2003.

هذه لمحة مقطعية فقط وليست سياقا مطلقا، لكنه مشهد يبرر لماذا تمتلك عشائر في البصرة والعمارة والناصرية اليوم أسلحة ثقيلة لم تعد عشائر محيط بغداد وغربها وشمالها تمتلكها؟ ولماذا باتت الدولة في سعيها التاريخي المحموم لاجتذاب زعماء العشائر، تخشى عشائر الجنوب اليوم بعد أن كانت تخشى عشائر الوسط والغربية أمس، وبعد أن كانت تخشى عشائر كردستان في مراحل زمنية أبعد؟

المشكلة المتلازمة أن ثمة نظرية مضللة في العراق تنظر أن دعم زعيم القبيلة سيخفف من سطوة رجل الدين

إنها دائرة مغلقة إذا، ترتبط بخيوط تاريخية سرية من اعتياش الدولة خلال نموها المضطرب والصعب، على الهويات الأولية للمجتمع، القبلية منها والمذهبية والدينية، وهي دائرة قاتلة من التخادم التاريخي المتبادل بين هذه الهويات نفسها وبما يسمح دائما بتعطيل مشروع الدولة العراقية الذي ما زال اقتراحا يعاني منذ عقود ليتمظهر إلى نظرية راسخة.

أن يخشى وزير ورئيس وزراء وقائد عسكري القانون العشائري، مثلما يخشى المدني، وأن يرتعد الجميع خوفا من مصطلحات مثل "الكوامة" و"العطوة" و"التهديد بالدم" و"المقاضاة العشائرية" و"سلاح القبائل"، فإنه أمر لا يستدعي الدهشة.

ربما في لمحات تاريخية فقط تمكنت الدولة من تحقيق بعض التقدم، فأخيرا كان قانون معاملة التهديد العشائري معاملة التهديد الإرهابي خطوة شجاعة، لكنه قد يكون أيضا قفزة في الهواء في ضوء انكشاف الانتقائية من جديد في تطبيقه. كما أنه وهو يخفف من انتشار عبارة "مطلوب عشائريا" مرسومة على منازل الأبرياء في بعض المدن، يفشل في اختبار مواجهة صواريخ العشائر ودباباتها وطائراتها المسيرة، كامتداد طبيعي لأسلحة المجموعات المسلحة والقوى النافذة سياسيا وطائراتها ودباباتها، كما كانت قبل عقود امتدادا للأجهزة الأمنية الخاصة وأسلحتها ونفوذها!

اقرأ للمقال أيضا: العراق .. من "الدولة العميقة" إلى الأكثر عمقاً!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG