Accessibility links

التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي: (2) ضياع المرجعية العالمية السياسية


يمكن الإشارة إلى ما أقدمت عليه التنظيمات الجهادية على مدى قرابة العقدين الماضيين لتبين مدى خطورة توظيف التقنيات الرقمية

بقلم حسن منيمنة/

يعتمد كل فرد في استيعابه لذاته ومجتمعه ولوجوده على جملة مرجعيات تشكل مجتمعة الإطار الخاص به للعلم والعمل، فتطبع علاقته بالآخر، وتقدم قدرا من الوضوح حول حياته ومكانته وطبيعة ديمومته.

ورغم أن الأديان الشاملة، ولاسيما الإسلام في صيغته الملتزمة المعاصرة، تحصر المرجعيات نظريا بالأصل الديني المقرر بالنص والمتلقى بالإيمان، دون أن يتحقق الإجماع والتوافق لا داخل الدين الواحد ولا المذهب الواحد ولا حتى داخل المنهج الواحد، على مضمون هذا الأصل. فالواقع العملي لا يخلو من أن تصاحب المرجعية الدينية المعلنة مرجعيات سياسية وعلمية وأخلاقية وفكرية غير مجاهر بها.

الجديد الهائل في القرن العشرين كان أن الإنسانية جمعاء، بحضاراتها ودولها ومجتمعاتها، اتجهت بما لا سابقة له نحو الالتقاء عند مرجعية عالمية سياسية، مبنية بدورها على تصور أخلاقي مبدئي مشترك قائم على أساس الحقوق والقيم، وإن جاء التطبيق متعثرا. والجديد الخطير في القرن الواحد والعشرين هو أن مكاسب القرن الذي سبقه باتجاه تشكيل المرجعية المشتركة تتبدد.

الفكر السياسي في المحيط العربي لم يكن قطعيا في اندراجه في إطار المنظومة العالمية الجديدة

أن تختلف الرأسمالية في تغليبها للحرية الفردية مع الاشتراكية والتي تضع العدالة الاجتماعية في الأولوية لا ينفي أن هذه وتلك مجتمعتان على منظومة قيم واحدة، تبرز الحرية كما العدالة في صدارتها. ورغم أن السلوك السياسي للدول يبقى محكوما بمصالحها، ورغم أن فصول "الحرب الباردة" بين المعسكرين الناشئين بعد الحرب العالمية الثانية كانت ساخنة جدا بالنسبة للمجتمعات التي خاضتها مكرهة بالوساطة والنيابة عن الدول العظمى، فإن إطاحة الفكر المجاهر بقناعات التفوق ودعوات الإبادة، كما كان حال الخطاب السائد في دول المحور خلال الحرب، وضع العالم للمرة الأولى في تاريخه ضمن صيغة مشروعية دولية قائمة على المساواة الإنسانية في الحقوق، وإن نظريا.

اقرأ للكاتب أيضا: التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي: (1) ما هو مصير الكتاب العربي؟

التلقي العالمي الضمني للواقع الجديد كان أقرب إلى افتراض تحصيل الحاصل، بناء على الحس السليم، والجنوح الفطري إلى تغليب الخير والصلح. من وجهة نظر فكرية حداثية، الإنجاز كان خطوة هامة باتجاه تحقيق الرؤية التنويرية. من وجهة نظر إسلامية ملتزمة، كان بالإمكان إدراج المستجد في إطار الخروج من ثنائية "دار الحرب" و"دار الإسلام" والدخول في أحادية مستحدثة ولكن مسوغة، هي "دار العهد" الشامل للدول الإسلامية وغير الإسلامية كافة، والمتصالحة في إطار "منظمة الأمم المتحدة".

واقع الأمر أن الجهات، الحكومية وغيرها، الكفيلة بدفع المؤسسات العلمائية الإسلامية، بوصفها الطرف ذا الصدقية في تقديم القراءات التي يمكن أن يطمئن إليها الجمهور المتدين، لم تكلف نفسها هذا العناء، انطلاقا من قناعات، تبين ارتباكها في ما بعد، أن الاعتبارات الوطنية والقومية والأممية غالبة ومستقرة لدى العموم.

على أن الفكر السياسي في المحيط العربي لم يكن قطعيا في اندراجه في إطار المنظومة العالمية الجديدة. بقي هذا الفكر، وبإطلاقية في معظم أوساطه لا تزال مستمرة إلى اليوم، رافضا لاستيعاب قيام دولة إسرائيل. لا يمكن بالطبع إنكار الظلم اللاحق بالمجتمع الفلسطيني والمعتدى عليه بحياته وحريته وكرامته، والذي تعرض ولا يزال للقمع والتهجير والأسر والاحتلال وهدم الديار. ولكن المسألة المطروحة أمام الفكر العربي ليست فقط في ضرورة أخذ اعتبارات ضمن القضية الفلسطينية تتجاوز المظالم، بل هي بشأن "تسامحه" إزاء ما هو من خامة هذه المظالم في مواقع أخرى. فعلى سبيل المثال وحسب، هذا النظام المجرم في دمشق قد قتل وعذب وأذل وهجر ودمر في أعوام قليلة أضعاف ما ارتكبته إسرائيل منذ قيامها. ولكن التوجه في أوساط الكثير من القادة والمفكرين في المحيط العربي ليس باتجاه القياس على السخط والغضب والإصرار على إحقاق الحق كما يطرح للقضية الفلسطينية، بل نحو تعويم النظام وغض النظر الفعلي عن جرائمه.

الاعتراض على الظلم اللاحق بفلسطين قد يتجاوز بالتالي الانتصار للحق البديهي. ولكنه على أي حال كان مسمار جحا الذي مكن أصحاب التوجه المعادي لطرح "العهد العالمي" الضمني من التجسير مع جمهور مرتبك بقبول تلقائي للمشروعية الدولية واستهجان لتخلف هذه المشروعية عن الإقرار بالحق الفلسطيني.

نجاح هذا الاعتماد التوظيفي للقضية الفلسطينية يتجسد في أن معظم الرأي العام العربي يرى في كل من أرييل شارون وبنيامين نتانياهو قاتلا وجزارا بيدين مخضبتين بالدماء، ولكنه لا يستدعي صورة المجرم المتعطش للدم عند ذكر صدام حسين أو حافظ الأسد أو عمر البشير أو بشار الأسد، بل يكثر حينها الإنكار والتبرير.

ظل رفض فكرة العالم المعاهد والإصرار على البراء من غير المسلمين رابضا خلف الريبة العامة من مرجعية عالمية ممتنعة عن إنصاف الفلسطينيين، مبنيا عليها ومثيرا لها، قبل أن يتوسع باتجاه قضايا أخرى، الشيشان وكشمير والبوسنة وتركستان الشرقية، للدفع باتجاه التخلي عن مقولة العجز العالمي عن مناصرة المظلومين من المسلمين لصالح الطرح الذي يعتبر أن المرجعية الدولية أداة خبيثة لتضليل جميع المسلمين وإخضاعهم.

في حين أنه لا مبرر لتصوير الحركة الجهادية بما ليس لها من التنظيم ووضوح الرؤية واتساع الأفق، فإنه لا يجوز إنكار الجدية التي أبدتها هذه الحركة بتحديها لطرح التوافق العالمي وبسعيها الحثيث للعودة إلى رؤية قائمة على ثنائية الدارين. ليس في هذا الإقرار ثناء، بل الجهادية قد أنزلت بمن تدعي مناصرتهم الموت والدمار، دون أن يكون لها أي أفق للغلبة.

الإعلام المفصل على قياس المتلقي أنتج للتنظيمات الجهادية سيلا متواصلا من المنتسبين، دفع البعض منهم إلى أفعال إرهابية مؤلمة في أصقاع مختلفة

ما كان بوسع هذه الحركة منفردة أن تبدل التوجه المستتب ضمنيا في المحيطين العربي والإسلامي حول صلاحية مفهوم العهد عالميا، أي أن حكم دار الحرب لم يعد في محله في إطار المنظومة الدولية التوافقية. غير أن تزاحم التطورات عالميا جاء ليساند جهودها، مع اتضاح التراجع الخطير في القناعة والسلوك الدوليين إزاء المرجعية العالمية.

يمكن استجماع القرائن والدلائل على هذا التراجع في كل صوب: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تصاعد الحركات الشعبوية المناهضة للمهاجرين، انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة تحت شعار "أميركا أولا"، الانتقائية السافرة في استدعاء مسائل حقوق الإنسان، إعادة تأهيل الخطاب الإقصائي، تأطير رفض استعمال سلاح الدمار الشامل باعتبارات خطر الانتشار مع إهمال الاعتراض عن جرائم مضاعفة يرتكبها الفاعل.

يمكن استشفاف الأسباب البنيوية القائمة خلف هذا التراجع، رغم افتقاد المسافة الزمنية الكفيلة بإضفاء بعض الثبات على التحليل، والإشارة للتو إلى (1) التوتر الحاصل داخل العديد من المجتمعات لاختلاف تبعات العولمة على أوساطها وشرائحها المتعددة، إيجابا بالنسبة للبعض، وسلبا بالنسبة للبعض الآخر، كما إلى (2) نشوء مراكز بديلة تنافس الغرب سكانيا بالتأكيد ثم اقتصاديا بل وبقدرتها الصاعدة على فرض نفوذها وتوسيع دائرة هيمنتها، أو إلى (3) افتقاد الدول الناجحة للأدوات الكفيلة بدرء الهجرة من الدول الفاشلة، والدخول بالتالي بعملية "تصحيح" قسرية من خلال النزوح واللجوء دون ضوابط، ما يمتحن النظم والقدرات في دول الاستقبال من جهة، ويفسخ الحوار السياسي والفكري فيها عبر إدخال مقومات تحبذ البعد الآني والقصير الأمد وتخدم أصحاب الطروحات الشعبوية والانطوائية والتسطيحية.

على أن هذه الأسباب البنيوية تأتي في خضم تحولات معرفية شهدت الإنسانية ما يوازيها في تاريخها المعتبر مرتين، الأولى في ابتكار الكتابة في العراق قبل خمس ألفيات ونيف، والثانية في اختراع الطباعة في أوروبا قبل أكثر من خمسة قرون. دون الاختزال الحاصر، كان لكل من الكتابة والطباعة دور مفصلي في الانتقال التاريخي النوعي والذي تلا استتباب كل منهما، عصر الدول الغازية المترامية الأطراف والضابطة لإدارة ولاياتها بالكتابة، وعصر الاكتشاف والصناعة والاستعمار العالمي القادر على مضاعفة قدراته والبناء عليها من خلال الاعتماد على النص المطبوع.

فالتقنيات الرقمية، في حفظ المادة البيانية والعلمية والمعرفية واسترجاعها وتطويعها، كما في التواصل والمتابعة والتقصي والتخفي، تشكل انتقالا إلى حالة جديدة حافلة بالإمكانيات غير المحسوبة.

قد لا تطلق رصاصة واحدة في الحرب العالمية المقبلة، والتي قد تقتصر على إعطاب واسع النطاق لشبكات التقنيات الرقمية وتطبيقاتها في البلاد المستهدفة، مع ردود موازية تتسبب بآلاف الضحايا نتيجة تعطل النظم، من طيران ومستشفيات ومنشآت توليد الطاقة النووية وغيرها من المرافق.

خطورة استعمال الحركات الجهادية للواقع الجديد، بما في ذلك دور التقنيات الرقمية في تبديل الانتاج المعرفي وكسبه وما يتمخض عنه من نتائج

غير أنه لا ضرورة لانتظار تحقق تصورات الخيال العلمي المتشائم، بل يمكن الإشارة إلى ما أقدمت عليه التنظيمات الجهادية على مدى قرابة العقدين الماضيين لتبين مدى خطورة توظيف التقنيات الرقمية، ضمن إطار الاهتزاز بالثقة بالبناء الدولي، وفي سياق القدرة على الاختراق والإغراق لتحويل التوجهات الإعلامية والعلمية والمعرفية نحو ما يناسب الرؤية القطعية لهذه التنظيمات، لتبين الكارثة الحاصلة.

الإعلام المفصل على قياس المتلقي أنتج لهذه التنظيمات سيلا متواصلا من المنتسبين، دفع البعض منهم إلى أفعال إرهابية مؤلمة في أصقاع مختلفة، ليجري إعادة تدوير الناتج ضمن إصدارات مرئية لتوليد المزيد. نعم، لو أن الرئيس السابق للولايات المتحدة باراك أوباما لم يتخلف عن مساندة الثورة السورية، ربما لما تفاقمت الهجرة إلى أوروبا ولما اشتدت النزعات الشعبوية الانعزالية. ولربما كان العالم بأكمله، بما في ذلك الولايات المتحدة، بحال مختلفة متجنبة لتجاوز المرجعية المشتركة.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة الدرزية في المشرق: الاختبارات، المغامرات، الدروس المستفادة

خطورة استعمال الحركات الجهادية للواقع الجديد، بما في ذلك دور التقنيات الرقمية في تبديل الانتاج المعرفي وكسبه وما يتمخض عنه من نتائج، ليس بأن هذه التنظيمات قادرة على أعمال خارقة، فجل إرهابها يُكشف قبل حصوله ومعظم أفرادها يقتلون قبل أن يتحركوا. بل الخطورة تكمن بأن هذا الواقع الجديد يفتح الباب واسعا أمام استغلال الفجوات للإقدام على أعمال مؤذية، وإن قليلة، من شأنها الاستدراج نحو مواقف تضاعف مقاصد الحركات الجهادية.

والمقصد الأول لهذه الحركات، بل هو المقوّم التأسيسي لتصورها للعالم، والمشترك بينها وبين الشعبويين والإنعزاليين حيثما كانوا، هو في الإطاحة بالمرجعية العالمية السياسية والأخلاقية، بما يسمح بإضفاء قيمة أقل على حياة "الآخر" وحريته وكرامته، وبما يفتح المجال أمام خطوات وتطورات لا يمكن اليوم حسبانها.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG