Accessibility links

"طلعنا عالحرية".. يا فيروز


صورة فيروز على أعمدة قلعة بعلبلك احتفالا بعيدها الـ 81 عام 2016

كوليت بهنا/

أتمت المغنية اللبنانية السيدة فيروز قبل يومين عامها الرابع والثمانين، وهي مناسبة تزامنت مع ثورة شعبها الذي يستحضر بعض أغانيها الوطنية في الساحات منذ بداية الثورة قبل 38 يوما.

لكن الملاحظ أن الاحتفاء بصاحبة هذه الأغاني الحماسية لم يلق الاهتمام والحفاوة المعتادين والمتوقعين بصفتها تشكل أحد أجمل الرموز الوطنية و"جارة القمر، وصوت لبنان، وسفيرته إلى النجوم، وأرزته، وعصفورة الشرق"، وهي الألقاب التي رافقتها خلال مسيرتها الفنية الطويلة.

فمرت ذكرى مولدها مرورا عاديا، باستثناء قلة من الأصوات من معجبيها اللبنانيين والسوريين والعرب، الذين تذكروا المناسبة من باب الوفاء، وتمنوا لها أطيب الأمنيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم ذلك لم تلق منشوراتهم الصدى المتوقع أو المشاركة والاحتفاء المطلوبين. فما الذي تغير؟

حين نهض أبناء هذه العواصم و"طلعوا عالحرية" استمر الصمت الفيروزي

إذا كان عذر اللبنانيين أن انهماكهم في ثورتهم يشغلهم عن أي حدث آخر، فكيف يمكن تبرير بعض البرود الذي اكتسى علاقة السوريين بفيروزهم، وهي علاقة متينة ومميزة جدا تعود إلى بدايات مشوارها الفني في إذاعة دمشق في أربعينيات القرن الماضي، وقد حرصوا دوما على الاحتفاء بذكرى مولدها كل عام، وتعاملوا مع هذه المناسبة وكأنها مناسبة وطنية؛ فلأجلها تقام بعض الحفلات وتضاء الشموع واعتبروا مولدها هبة من السماء وحظ مطلق لهم وللأجيال المتعاقبة التي رافقت مسيرتها الطويلة.

منحت أغانيها، التي خصت بها دمشق، عاصمتهم قيمة ومعنى إضافيين. تفاخروا بها ورددوها وتفاخروا بصاحبتها، وحرصوا قبل الجميع على اقتناء اسطواناتها حال الإعلان عنها في بيروت، ووقفوا بصبر في صفوف طويلة لساعات غير معدودة ودفعوا أثمانا مضاعفة في السوق السوداء لأجل الحصول على بطاقة لحضور مسرحياتها وحفلاتها التي كانت تزين ختام الدورات السنوية المتعاقبة لمعرض دمشق الدولي وتعتبر جوهرته وجزء لا يتجزأ من ذاكرة دمشق الحديثة.

فيروز التي شكلت أحد أجمل رموز ذكريات صباحات السوريين، ظلت بشخصها وصوتها ملهمة دائمة لأجيال، فأطلقوا على بناتهم اسمها وبعض الأسماء التي غنتها مثل "يارا وريما ورندلا وميس الريم" وغيرها، واستعاروا بعض عناوين أغانيها لعدد لا يحصى من البرامج التلفزيونية والمسلسلات الدرامية والمحال والمقاهي التي تنتشر فيها صورها والمخصصة لعشاق الرومانس حيث تصدح فيها أغانيها دون ملل أو توقف.

لكن الحال تبدل منذ بضع سنوات، والبرود الذي اكتسى احتفالية ذكرى مولد فيروز، ليس جديدا تماما أو وليد اللحظة، ويمكن إحالته بداية إلى عدم القبول النفسي لـ" فيروز الجديدة" التي ظهرت مع احتكار الفنان والموسيقار زياد الرحباني لصوت والدته منذ أكثر من ربع قرن تقريبا، ومحاولاته المستمرة في التجريب الفني مع صوتها الذي لا شك أن عوامل الزمن قد ترك أثره عليه، وعدم توافق شخصية هذه السيدة مع هذا التجريب الذي هدف بشكل مشروع إلى تطبيق تحديثات العصر دون أن يوفق. إضافة إلى الكلمات غير المؤثرة وأحيانا المبهمة التي طلب من هذه السيدة المبدعة أن تنطق بها، فبدت كلمات غريبة وغير متناسبة مع روحها الأكثر ميلا إلى بساطة الكلمة وعمقها، وهي مفاتيح شخصيتها التي أدركها بذكاء الأخوين رحباني مع باقي الشعراء والملحنين القدامى، وأبدعوا بالمقابل لأجلها وبما يتناسب مع صوتها وألقها.

في السياق، يتوجب الايضاح بأن هذا الجفاء لا يتعلق باحترام شخص هذه السيدة العظيمة أو احترام خصوصيتها ووطنيتها، ولا يتعلق بشكل مباشر بقيمتها الفنية، بل يمكن القول إن المزاج العام هو من تغير، والناس باتت أكثر ميلا إلى ما يمنحهم الطاقة الإيجابية وبعض الفرح والتفاؤل في ظل مصاعبهم المعيشية المضنية، التي لا تتحمل إضافات عاطفية حزينة أو مغرقة في رومنطيقية متخيلة وغير واقعية.

عبرت الكثير من الآراء عن هذا الأمر، واعتبرت أن أغاني فيروز (وليس صوتها بالتأكيد) باتت تولد لديهم مشاعر حزن وإحباط وكآبة تذكرهم بخيباتهم العاطفية الفردية وخيباتهم العامة، وبأن مرحلة فيروز كانت أشبه بالوهم الجميل المخدر؛ فلا الضيعة البسيطة والعفوية وجميع مفرداتها وعصافيرها وتنورها وخفر بناتها ذات الجدائل الطويلة كانت موجودة في الواقع الذي بحثوا عنه كبديل، ولا رئيس البلدية أو المختار طيبا ونقيا ويعقد يده بأيادي "الدبيكة" (راقصو الدبكة)، ويصلح أحوال وشجارات أهالي ضيعته بموال أو بيت زجل.

يعتبر صمت زياد الرحباني تجاه ثورة مواطنيه بعد طول هذه المدة غير مبرر

لكن الأمر الذي بدا متفق عليه بشكل بديهي، هو أن العلاقة مع فيروز ومرحلة الرحابنة تظل شديدة الحميمية فيما يتعلق بالأفكار العظيمة التي تضمنتها العديد من أغانيهم ومسرحياتهم السياسية والوطنية، وعلى سبيل المثال كانت وستبقى أغنية "طلعنا عالحرية" واحدة من أيقونات الفن الرحباني الخالدة في كل زمان ومكان.

ولعل هذا البرود أو بعض الجفاء الذي اكتسى العلاقة مع فيروز وذكرى مولدها، يشبه العتب غير المعلن، ويرتبط تماما في عمقه مع رغبة الشارع بالاستماع إلى كلمة ولو واحدة من السيدة تعبر عن موقفها من ثورات العواصم العربية التي غنت لها ولأمجادها طويلا، واليوم.

وحين نهض أبناء هذه العواصم و"طلعوا عالحرية" استمر الصمت الفيروزي حتى تجاه ثورة شعبها. وهو موقف قد يعوض معنويا عن مواقف ولدها، الفنان القدير زياد الرحباني السابقة، والذي يعتبر صمته تجاه ثورة مواطنيه بعد طول هذه المدة غير مبرر.

اقرأ للكاتبة أيضا: رياح التغيير.. أمامها أم خلفها؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG