Accessibility links

ظمأ الكرامة والارتواء الأيديولوجي


أما "الوعد الطوباوي" فهو ظاهر جدا في خطابهم. ففي كل محاضرة أو كتابة لهم عن المرأة، تجد أنهم لا يملّون من التأكيد على أن الفقر والتخلف والهزيمة...إلخ إنما هي بسبب الانحلال

محمد المحمود/

يعيش العربي منذ قرنين حالة ظمأ شديد، ظمأ قاتل، ظمأ للكرامة القومية؛ بعد أن أدرك ـ في لحظة التماس مع العالم الأوروبي المتقدم ـ أنه لم يعد شيئا مذكورا في هذا العالم الذي تصور نفسه ـ من خلال مدوناته التراثية المتخمة بالأوهام النرجسية ـ وكأنه قطب رحاه، أو قمة هرمه المعرفي والاجتماعي والسياسي.

ومن هنا جاءت الصدمة الهائلة التي أفقدته توازنه؛ متناسبة مع حجم المسافة الهائلة التي تفصل بين انحطاط وتخلف وضعف وفقر الأنا من جهة، وتقدم وتطور وقوة وغنى الآخر من جهة أخرى، ثم بين هذا وذاك؛ مقارنة بالتصور النرجسي الكاذب/ الموهوم عن "عصور ذهبية" و "مجد حضاري عظيم!".

كيف يمكن ردم هذه الهُوّة بين الواقع والخيال، بين الواقع والوهم، وهي الهوة التي تتفاعل ـ جدليا ـ مع خواء الذات الذي يصل حدّ الإحساس الحارق بالتفاهة المتناهية؛ جرّاء هذه المقارنات السيكولوجية التي يُغَذِّيها ويُعَمِّقها الفقرُ المعرفي المدقع؛ دون أن تكون ضرورية في واقع الحال، أي دون أن تكون ضرورية في حال البراءة من الأوهام التي يصنعها تصوّرٌ بدائي طفولي عن كيف يجب أن يكون حضور الذات/ اتساقها كهُويّة بإزاء الآخرين.

في موضوع المرأة يكون استثمار البعد "العاطفي" من قبل المتأسلمين واضحا

للأسف، بدل أن يواجه العربيُ هذا الواقعَ الأليم بسلاح الإرادة والمعرفة؛ فيتجاوز واقعه إلى مراحل متقدمة، تحفظ له شيئا من الإحساس بالكرامة ـ على أرضية منجز حقيقي ـ، وجدناه يُواجه هذا الواقع الأليم بخطاب أيديولوجي متهافت. بدل أن يبدأ الخطوات الأولى للتقدم المنشود بخطاب علمي يقرأ من خلاله الذات والآخر قراءة موضوعية/ علمية؛ ـ حتى لو جاءت بعكس ما تهواه الأنفس المتنرجسة ـ؛ وجدناه يهرب إلى صناعة خطاب أيديولوجي يتدثّر به، ويتوهم أنه سيعيد له شيئا من توازنه النفسي المفقود.

بمرور الوقت، وتكرار الخداع/ تكرار الخطاب الأيديولوجي لأوهامه؛ صدّق صانعُ هذا الخطاب نفسه، أي صدّق أكاذيبه، واستيقن أن أوهامه الأيديولوجية حقائق علمية؛ بعد أن اسْتَدْمجها ـ تدريجيا ـ في سياق يمنحها الطابع/ الطلاء العلمي. وخداع النفس هنا لا يتمّ ـ في كل الأحوال ـ على نحو واعٍ، بل نجد أن اللاوعي (الفردي والجمعي)، يدخل كلاعب رئيس في هذا الميدان.

العلم ـ بشروطه الموضوعية ـ مسارٌ شاق ومرهق، وطويل؛ من حيث هو بعيد الأثر، ومؤلم بحقائقه التي قد لا تَسرُّ ولا تُبْهِجُ. بينما الأيديولوجية هي مسار الفعل الأسهل، المباشر والسريع في نتائجه، وهو مسار مبهج في نتائج مقولاته، إذ النتائج تأتي ـ حتما ـ وِفْقَ ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، النتائج مُقَرَّرة سلفا وفق أجمل الأماني وأفضل التطلعات، وما على البحوث (البحوث المُحايثة لمسار الأدلجة هنا) إلا التصديق بمقولات اليقين السابق، والمصادقة عليها بدعاوى المنهجية التي تتوسل خرائط العلم الحديث.

من المُتقرّر أن كل خطاب أيديولوجي يدّعي لنفسه "العلمية" بكل لوازمها واشتراطاتها؛ فلماذا نحكم على المُنتَج الخطابي لرافعي الشعارات العروبوية أو الإسلاموية، وحاملي راية الأصالة التراثية، بأنها محض خطاب أيديولوجي زائف؟!. لماذا ننفي صفة "العلمية" عنها؛ مع أنها تتقدّم بما تَعُدّه "أبحاثا علمية" لتقرير ما تراه حقا في الواقع، أو في التاريخ، أو في منظومة التراث؟!.

للإجابة على هذا الإشكال، لا بد من توضيح: ماذا أقصد بـ"الأيديولوجية"، خاصة وأني أضعها هنا بالتقابل الضدّي مع العلمي. فإذا كانت الأيديولوجية تعني في الأصل الاصطلاحي: "علم الأفكار"، فإنها دخلت بعد ذلك في تَمَرحل اصطلاحي/ دلالي؛ أبعدها قليلا أو كثيرا عن هذا الأصل، وتلونت بمعاني "قدحية" في كثير من الأحيان. وعلى أي حال، ما أقصده هنا (وهو السائد الآن في السياق الثقافي)، ليس المنحى الماركسي المرتبط بالتصور الطبقي الذي يُحيل إلى "الوعي الزائف"، وإن كان فيه شيء منه، ولا ترجمة بعضهم له بـ"العقائدية الفكرية" أو "الفكرويّة"، حتى وإن تقاطع كل هذا مع السائد الثقافي.

الأيديولوجية بإطلاق المصطلح، ليست مجرد أفكار أو عقائد، كما أنها ليست الأفكار/ العقائد اليقينية فحسب، فهذه دوغما، وإنما الأيديولوجية هي الأفكار/ المعتقدات/ المقولات التي توفّرت فيها جُملة من الصفات التي ـ بمجموعها ـ تُكْسِبُ الأفكارَ صفة: الأدلجة. ولا يغيب عنا أن هذه الصفات لا تتوفر بدرجة واحدة في كل خطاب أيديولوجي، لا في مجموعها، ولا في حدود كل صفة بذاتها، ما يعني أن صفة الأدلجة في النهاية تبقى صفة نسبيّة، فقد يكون خطاب ما، أشد أدلجة من خطاب آخر، وقد تكون صفة ما ـ دونما غِيابٍ كاملٍ لبقية الصفات ـ هي التي تضخَّمت؛ فرشَّحته ليكون جديرا بصفة "خطاب أيديولوجي".

يُكْتَب التاريخ لدينا، ليس كعلم، وإنما كأيديولوجيا

وكي تتضح جناية التزييف المستمر منذ قرنين تقريبا، سأستعرض هنا أهم هذه الصفات التي إن توفرت في خطاب ما؛ فإنه يستحق ـ في تصوري ـ صفة "الخطاب الأيديولوجي"، ومن خلالها ومن خلال الأمثلة المصاحبة يتضح الفرق بين الخطاب العلمي من جهة، والخطاب الأيديولوجي/ اللاّعلمي من جهة أخرى (وهو الخطاب الذي توسّلته الذات العربية لإرواء ظمأ الكرامة).

إن أهم صفات الخطاب الأيديولوجي تتحدد ـ وفق تصوري ـ فيما يلي:

1ـ الأفكار. فالخطاب الأيديولوجي لا بد أن يتوفر على أفكار وتصورات لها امتداداتها الشمولية: في التاريخ، وفي الواقع، وفي التصوّر، وفي المُدْرَك العيني، وأن تبدو وكأنها تتمتع بنوع من الاتساق النظري الذي يُفسّر ويُبرّر ويُعلِّل تفاصيل النشاط: القولي والفعلي، المنتسب لمعتنقي الخطاب.

2ـ اليقين: الأفكار هنا يقينية، وليست حوارية. أي لها طابع اليقين الجازم، فهي "دوغما" بدرجة ما، من حيث هي "معتقدات" لم تتحَصَّل في الأذهان بالمعرفة/ بالبحث، وإنما بـ"الإيمان المطلق" السابق على البحث. وإذا جاء البحث بعد ذلك، فإنما ليؤكدها، وليصادق على صوابيتها، التي هي صوابية مُقرّرة سلفا، ولا تقبل النقاش أصلا.

3ـ الخيال/ الوهم. الخطاب الأيديولوجي متخم بالخيال/ بالوهم، والخيال/ الوهم فيه يتحول بواسطة اليقين الجازم، وبواسطة الزخم العاطفي المتوهج إلى حقائق. فالمؤدلجون يتخيلون الماضي على صورة ما، فيقدمونه كحقائق، يتخيلون الغرب على صورة ما، فيقدمون خيالهم عنه كحقائق، يتوهمون الواقع على صورة ما، فيقدمون أوهامهم كحقائق.

4ـ العاطفة. فالمنحى العاطفي شرط أساسي للخطاب الأيديولوجي من حيث هو خطاب يتغيّا الحشد. والعاطفة والخيال بمقدر ما يتضخّما؛ فإنهما يأخذان من رصيد الممارسة العلمية التي يدعيها هذا الخطاب.

5ـ مغالطات منطقية/ مغالطات علمية. فالاتكاء على الخيال والعاطفة، ينتج عنه ـ بالضرورة ـ مغالطة منطقية أو مغالطة علمية، أو كلاهما. فالحقيقة هنا لا تهم، وليست هي الهدف، وإن حضرت فإنما لتأكيد العقائد/ الأفكار، ولتُمَوضِعها في الواقع بما يتوافق مع مصالح منتجي الخطاب.

5ـ الوعد الطوباوي. لا بد لكل خطاب أيديولوجي من وعد طوباوي، صريح أو مضمر. لسان حال المؤدلج يقول لك: إن آمنت بأفكاري، إن فعلت هذا وذاك، فإنك ستحصل على كذا وكذا، إنه يحمل أعظم وأجمل الوعود التبشيرية. حتى عندما يتحدث عن الماضي، عن "العصور الذهبية" للأسلاف، فهو يحمل ـ ضمنا ـ وعودا بـ"عصور ذهبية" في المستقبل؛ عندما نتبع خطى الأسلاف.

6ـ إرادة الحشد. الخطاب الأيديولوجي هو بالدرجة الأولى تحشيدي. إنه يؤكد اليقين، وينفخ في الأوهام، ويؤجج العواطف، ويقدم أعظم الوعود وأحبها إلى النفوس؛ ليصنع حشدا جماهيريا يستطيع به تغيير الواقع لصالحه، وأحيانا، تثبيت الواقع لصالحه!.

7ـ التغيير أو التثبيت. هو خطاب تغييري/ تثبيتي، هو خطاب فعل، وليس مجرد مقولات/ عقائد نظرية. ومن هنا، فهو ـ في العمق ـ خطة عمل مصلحية. إن كان الواقع لصالحه تماما؛ حشد القوة الجماهيرية لتثبيته كما هو، وإن كان لغير صالحه؛ حشد هذه القوة لتغييره، أو لتحويره؛ حتى يتوافق مع مصالحه تماما.

إذن، اجتماع كل، أو معظم، هذه العناصر (أفكار+ يقين + خيال/وهم + عاطفة + مغالطات منطقية/ مغالطات علمية + وعد طوباوي + إرادة حشد+ إرادة التغيير/ التثبيت) هو ما يمنح الخطاب طابعه الأيديولوجي.

لا بد لكل خطاب أيديولوجي من وعد طوباوي، صريح أو مضمر

مثلا، لنأخذ مقولات الخطاب الإسلاموي حول المرأة، ونقاربها من خلال هذه العناصر. سنجد أن ثمة "أفكارا" للإسلامويين عن المرأة، تتعلق بنقصان المرأة الطبيعي ـ جسدا وعقلا وعاطفة ـ، وضعفها الفطري، وإغوائها الحتمي، وعجزها عن كثير من المهام، ووجوب سترها، ووجوب اختصار حراكها في الفضاءات العامة، وتحديد دورها بالأمومة وبالاستجابة لاحتياجات الذكر الجنسية، وبالعمل/ الخدمة في المنزل.

هذه الأفكار ـ لو افترضناها مجردة ـ لا تكون أيديولوجية. الصفات الملحقة بها، والحيثيات المصاحبة، هي ما تجعلها كذلك. فتلاحظ أن الإسلامويين لا يطرحون هذه الأفكار بوصفها مقترحات للحوار، ولا يطرحونها بوصفها نسبية، وبالتالي؛ يكون الحوار حولها للخروج بمقولات أخرى أقرب للكمال، وإنما يطرحونها بوصفها "يقينا" مطلقا، بوصفها تعبيرا عن إرادة إلهية عليا لا يجوز الاعتراض عليها بحال.

أيضا، نجد أنهم ـ في صدد تأكيد هذه الأفكار ـ يستعينون بـ"الخيال/ بالوهم"، يتخيّلون وقائع لم تحدث، ويتوهمون مآلات يُثْبتونها كحقائق. إنهم يكذبون صراحة في الدراسات والإحصائيات أو يُدَلِّسون فيها. ومن هنا، الصورة المغلوطة عن واقع المرأة المأساوي في الغرب، وهي الصورة التي روّجها الإسلامويّون ـ بكثير من التزييف والتدليس ـ ليؤكدوا مقولاتهم بضرورة امتثال المرأة في العالم الإسلامي لأفكارهم.

أما "الوعد الطوباوي" فهو ظاهر جدا في خطابهم. ففي كل محاضرة أو كتابة لهم عن المرأة، تجد أنهم لا يملّون من التأكيد على أن الفقر والتخلف والهزيمة...إلخ إنما هي بسبب الانحلال، وأن التزام المرأة بما يقولون، سيعيد مجد الإسلام، وستعود الأمة قوية، وغنية، بل ستقود أمتّهم العالمَ؛ متى ما رجعت النساء للبيوت، وتركت الميادين العامة للرجال.

وفي موضوع المرأة يكون استثمار البعد "العاطفي" من قبل المتأسلمين واضحا. تجدهم يستثيرون عواطف الرجال، ويستفزون رجولتهم بمثل قولهم: هل أنت عاجز عن تحقيق متطلباتها لتتركها تعمل خارج المنزل، أو: كيف ترضى أن تعمل زوجتك أو أختك مع الرجال، أو: سيكثر اللقطاء إن خرجت المرأة...إلخ طرائق الاستنفار العاطفي. فأنت هنا أمام مقولات عاطفية، لا علاقة لها بالعلم، بل هي تغالط العلم، وتقفز على الإحصائيات البحثية؛ لأنها مندغمة في خطاب أيديولوجي.

وكما هو الحال في موضوع المرأة، نجد أنهم يعالجون بقية المواضيع بذات الخطاب الأيديولوجي، لا بخطاب علمي. وبالعودة إلى ما بدأنا به المقال، من حيث "ظمأ الكرامة" الذي يقود إلى الاحتماء بالأيديولوجيا كمصدر وهمي للارتواء، نجد أن مناقشة التاريخ برموزه، ومناقشة الواقع برموزه، لا تخرج في الغالب عن هذا المستوى من الطرح الأيديولوجي.

المنحى العاطفي شرط أساسي للخطاب الأيديولوجي من حيث هو خطاب يتغيّا الحشد

لهذا، يُكْتَب التاريخ لدينا، ليس كعلم، وإنما كأيديولوجية. يغضب المؤدلجون إن كشفت عن أعطاب تاريخ الأنـا، يغضبون إن تحدثت ـ بعلم ـ عن الخطاب التجهيلي أو العنفي الذي راج على لسان كثير من رموز تاريخنا، يغضبون لأنهم ينظرون للمسألة من زاوية أيديولوجية، لا من زاوية علمية، فالحقائق لا تهم، وإنما المهم لديهم هو "مجدنا الحضاري"، "عظمة أسلافنا"، "عراقتنا الحضارية"، المهم أن يكون لدينا "مفاخر" نفاخر بها الآخر، الغربي خاصة، المهم أن نُضمِّد هذا الجرحَ النرجسي النازف؛ بصرف النظر عن نتائج فحص هذا التاريخ فحصا علميا محايدا متجردا من علاقة الذات بالموضوع.

أخيرا، يمكن أن تكون مقولة الشيخ الإخواني المؤسس لأشهر الخطابات الأيديولوجية في العصر الحديث/ محمد قطب، التي أسس عليها كتابه "كيف نكتب التاريخ؟"، معيارا للفصل بين الأيديولوجي والعلمي، إذ أكّد قطب على أننا يجب أن نكتب التاريخ كما كان يجب أن يكون، نكتبه بأن نبرز الجميل منه؛ حتى نستطيع أن نستثمره في تربية الأجيال.

هكذا يُكْتَب التاريخ في تصوّر الشيخ المؤدلج، وما أكثر السائرين ـ علموا أم لم يعلموا ـ على درب قطب، حيث لا يصبح التاريخ علما، بل مجرد صراخ أيديولوجي يتغيا إرواء ظمأ الكرامة وتدعيم الذات ضد خطر الانهيار، وهو الانهيار المتمثل ـ وفق تصورهم ـ بتحوّل الغرب/ الخصم التقليدي إلى موضوع للانبهار.

اقرأ للكاتب أيضا: ابن تيمية والتوجهات الانغلاقية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG