Accessibility links

ظهور 'الروبرت' وأفول عصر الصحافيين المحترفين


صورة للحائزين على جائزة الصحافة العربية لعام 2018 التي يقدمها المنتدى الإعلام العربي في دبي

نضال منصور/

حرصت على متابعة أعمال منتدى الإعلام العربي الذي ينعقد سنويا في دبي مع مرور 18 عاما على انطلاقه.

وإذا ما استبعدنا الاستقطابات والصراعات السياسية في العالم العربي، فيمكن القول إن المنتدى نجح في أن يكون منصة لإثارة حوارات حول الإعلام ومستقبله والتحديات التي يواجهها كل يوم.

كل عام يختار منتدى الإعلام قضية إشكالية يناقشها، ويدعو خبراء من العالم للحديث والتصدي للإجابة على أسئلة مقلقة، وتطورات متسارعة تجهد وسائل الإعلام للتعامل معها.

هذا العام اختار المنتدى "الإعلام العربي... الواقع والمستقبل" عنوانا رئيسيا له، وهو عنوان مفتوح على الماضي بتداعياته وإشكالياته، والمستقبل الذي يجري وتشعر وسائل الإعلام أنه يفلت منها، ولم تعد قادرة على مجاراته، وأحيانا التأثير به، وصناعته مثلما كانت تتصور.

عام 2020 ستحصل السوشيل ميديا على 50% من موازنات الإعلان في العالم

النقطة الجوهرية في المعادلة بالعالم العربي هو القدرة على السيطرة على الرسالة الإعلامية. ففي العقود الماضية، وحتى وقت قريب جدا، كانت الصحافة المكتوبة مهما تعددت وتنوعت وارتفع سقفها بالمعارضة والحرية في النقد وتمرير المعلومات، خاضعة لقدرة السلطة الحاكمة قادرة على احتوائها وتوظيفها، وفي نهاية المطاف إسكاتها إن لزم الأمر.

وما ينطبق على الصحافة المكتوبة حكما ينطبق على التلفزيون والإذاعة، وإن كانت في غالب الأحيان مملوكة للدولة حتى عهد قريب جدا.

تغير الحال، وما كان سائدا ومعروفا لم يعد من يقود المشهد، ففي العقد الماضي حدثت تحولات أفقدت الحكومات سلطتها وسيطرتها على تدفق المعلومات، وأصبح "الإعلام الرقمي"، المواقع الإلكترونية أولا، ثم ثورة وسائل التواصل الاجتماعي هي من يقود الرأي العام بغض النظر عن صحة المعلومات ومصداقيتها.

توقف منتدى عام 2019 كثيرا عند هذه الهواجس وهو يؤشر على المستقبل، والتدقيق في عناوين الجلسات يقدم دلالات واضحة جدا. فالكلام عن خطاب الكراهية يتصدر العناوين، وهذا مرتبط عند أغلب المتحدثين بالمحتوى الذي تقدمه منصات وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، دون أي إدانات أو أشارات إلى أن وسائل الإعلام التقليدية كثيرا ما تورطت بهذا الخطاب إما عن طيب خاطر، أو تحت الأمر والضغط.

وتحت هذا العنوان "خطاب الكراهية" راج الحديث عن الأخبار الكاذبة والزائفة والتضليل، وانعقدت مقارنات ومقاربات عديدة بين "إعلام السوشيل ميديا" ـ إن جاز التعبير ـ والإعلام المحترف.

"مستقبل الصحف، مستقبل التلفزيونات، مستقبل وكالات الأنباء" ثلاث عناوين تختزل الأزمة والمخاوف، وهو ما دفع أحد المتحدثين للقول صراحة "وسائل الإعلام إما أن تتجدد أو تتبدد".

بالتأكيد فإن وسائل التواصل الاجتماعي أخذت الكثير من الإعلام المحترف، والأمر ليس مقتصرا على الجمهور، وإنما يمتد أيضا الى الإعلانات، فوفق إحصائيات عرضت في المنتدى فإن العام المقبل 2020 ستحظى السوشيل ميديا بـ 50% من موازنات الإعلان في العالم، بعد أن كانت تحصل فقط 13% من حصة السوق قبل 6 سنوات.

ليس مطلوبا من السوشيل ميديا أن تصبح إعلاما محترفا، حتى وإن كانت منتجة للمحتوى ومقدمة للمعلومات؛ وليس مطلوبا في الاتجاه الاخر أن يصبح الإعلام المحترف منصات للتواصل الاجتماعي، وإن كان قد تحرر من تشدده المهني، وصنع مقاربات تؤهله ليكون حاضرا في السوشيل ميديا؛ لكن ما هو مهم وواضح أن شتم وتوجيه اللعنات لمنصات التواصل الاجتماعي التي احتلت وسيطرت على عقول الجمهور لن ينقذ وسائل الإعلام.

الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس دولة الإمارات وحاكم دبي راعي المنتدى لخّص خلال لقائه مع قيادات الإعلام على هامش جلسات المنتدى الأزمة بالقول "رسالة الإعلام لا تكتمل إلا بانحيازه للناس"، منوها بأن الإعلام يتحمل مسؤولية أساسية في تعزيز قدرات المنطقة في التعاطي بشكل إيجابي مع التحديات الراهنة، واكتشاف الحلول التي يمكن من خلالها تخطي التحديات التي عرقلت مسيرة التطور والتنمية.

حضر في المنتدى الحديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام، وكان مثيرا وملفتا للانتباه ظهور "روبوت" ـ رجل آلي ـ يعتلي المنصة بدلا من الإعلامي مصطفى الآغا مدير البرامج الرياضية في محطة MBC ليتحدث في جلسة حملت عنوان "إعلامي المستقبل".

جمهور المنتدى فوجئوا بصوت الآغا يصدر عن "الروبوت" معلنا أن نسخته "الروبوتية" تتفوق عليه شخصيا، لأنها باختصار لا تتعب، ولا تغضب، ويمكنها العمل دون توقف، كما أنها لا تتقدم بالعمر، وليست بحاجة إلى أزياء، فما يحتاجه "الروبوت" هو الصيانة والتحديثات.

إذن، هل يعني ظهور "الروبوت" أفول عصر الصحافيين وليس وسائل الإعلام المحترفة وحدها؟

لم أستطع متابعة كافة جلسات المنتدى وخاصة جلسات العصف الذهني السريع، حيث يقدم المتحدث خلاصة ما يريد قوله خلال 20 دقيقة، بدلا من المحاضرات والكلام المعاد والممل.

لكن، استوقفتني جلسة حملت عنوان "ثمانية اتجاهات ترسم مشهد الإعلام عام 2019" تحدث بها الإعلامي والباحث ياسر عبد العزيز عن مفارقات وحقائق لافتة أولا أن "حادثة نيوزيلندا" أول بث حي لعلمية إرهابية على فيسبوك ولمدة 17 دقيقة، مشيرا إلى أنها بقيت 24 ساعة على فيسبوك قبل حذفها، وشوهدت مليون ونصف المليون مرة، مستذكرا ما قالته رئيسة وزراء بريطانيا السابقة تاتشر "الإعلام أوكسجين الإرهاب".

وينوه المحاضر إلى أن زعيم القاعدة أيمن الظواهري خاطب أبو مصعب الزرقاوي بالقول "تذكر أن نصف معركتنا بالإعلام"، وانتهى عبد العزيز إلى اعتقاده أن الاتجاه الأول في المرحلة القادمة سيشهد تشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي.

أما الاتجاه الاخر فهو يرى ازدهارا لما سماه "آليات تزييف الواقع وتهديد الخصوصية"، منبها إلى أن الذكاء الاصطناعي يتيح التلاعب وتجسيد صورتك وصوتك وإيماءاتك، وهذا في نهاية المطاف يهدد المصداقية وينسفها، رابطا هذا الأمر باتجاه سبق ذلك باعتماد 75% من وسائل الإعلام الغربية الآن على الذكاء الاصطناعي.

تطرق الباحث إلى استحواذ السوشيل ميديا على عائدات الإعلان خلال السنوات القادمة، وإلى أن المحتوى سيصبح مصنوعا من المستخدمين وليس المحترفين، مدللا على تصاعد دور الهواة في "يوتيوب" في إنتاج المحتوى.

وانتقل الى الإشارة لاتجاه آخر هام وهو أن السوشيل ميديا أصبحت أداة الاتصال الحكومي والسياسي والتجاري، مذكرا بأن الشيخ محمد بن راشد أعلن استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة عبر "تويتر"، وهو ما فعله وزير الخارجية الإيراني حين أعلن استقالته.

ومن الجلسات المثيرة للجدل كانت الجلسة التي تحدث بها مدير عام MBC علي الجابر تحت عنوان "ما نوع الإعلام الذي نريد؟".

الجلسة التي استقطبت حضورا واسعا وجه خلالها الجابر اتهامات وانتقادات قاسية لمنصات التواصل الاجتماعي، تركزت على فيسبوك وغوغل، ولم يتردد الجابر من القول "فيسبوك أصبح بيتا للإرهابيين"، وأكمل "فيسبوك وغوغل كانا وراء قتل الآلاف في سوريا وليبيا واليمن".

شتم وتوجيه اللعنات لمنصات التواصل الاجتماعي لن ينقذ وسائل الإعلام

وأشار الجابر إلى أننا نعيش في "عالم غوغل" وليس على الكرة الأرضية، وأن غوغل يعرف كل شيء عنا، وأنه تحول إلى وسيلة مراقبة".

وقال الجابر "ليس عندي ثقة 1% بأن ما تقوله المنصات صحيح، لقد وعدونا بالأحلام، وأخذنا منهم الكوابيس".

كثيرة هي المواقف والمعلومات التي يمكن أن تسمعها في منتدى الإعلام العربي، والجدل واسع حول المحتوى الذي يقدمه، والقيمة المضافة للمتحدثين، والصورة النمطية التي ترسخت عن المدعوين، واستحواذ "النجوم" وتصدرهم للمشهد حتى إن كانوا لا يملكون المعرفة، ولكن رغم ما يقال فإن هذه التظاهرة، وجائزة الصحافة العربية، التي ارتبطت بالمنتدى تُحدث هزات في فضاء الإعلام العربي الذي تتقاذفه الأزمات.

اقرأ للكاتب أيضا: تونس تبحث عن زعيم ومنقذ

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG