Accessibility links

عالم تحكمه استراتيجية "ما قيل في الكتب"


مشهد من فيلم المسايا (Messiah) من حساب المسلسل على موقع تويتر

مالك العثامنة/

أنت أمام إنتاجين؛ إنتاج تصنعه نتفليكس قد يكون على شاشة ضخمة في غرفة جلوسك أو على شاشة بحجم راحة يدك تحملها حيث تذهب، وهو إنتاج يلعب على ما يعتقده كثيرون، في توليفة تحاول أن تكون حاصل جمع لمعتقدات كانت على الدوام حاصل قسمة، لكن المحتوى كله في مدار الاعتقاد والمعتقد!

وإنتاج، يصنعه مزيج من تاريخ الأديان في جغرافيا الشرق الأوسط، قد تكون بائسا لتعيشه في بث حي ومباشر على أرض الواقع، أو تتابعه من على واحدة من ذات الشاشتين اللتان تعرضان محتوى نتفليكس، لكن على صيغة نشرات أخبار وستوديو تحليل يتحدث فيه محللون بكثير وكثير من الحشو.. والكل يبدأ حديثه غالبا بجملة "أعتقد أنه" مما يجعل الحديث كله في مدارات الاعتقاد والمعتقد!

في الحالتين، في الإنتاجين بالأحرى، فإن الشرق الأوسط كله مسرح "معتقدات" يقدم للعالم كله عرضه التشويقي والأزلي بانتظار الغائب "أيا كان"، ذلك الغائب الذي سيأتي لينهي العالم وصراعاته، بين معسكرين: معسكر الخير ومعسكر الشر.

العالم يحب أن يتعلق بهذا المنقذ القادم من الغيب

لقد أدركت نتفليكس، بذكاء صانع الترفيه والمحتوى عقدة زبائنه ومستهلكيه حول العالم، فوظف فكرة الغائب المنتظر (وهو هنا الميسايا) توظيفا يتماهى مع واقع الفانتازيا الشرق أوسطية، فكان المسلسل ترفيها يطابق أمنيات العقائد ومعتقديها، وقد يصطدم بهم أيضا، وهذا كله في المحصلة عائدات مالية وأرباح ضخمة.

♦♦♦

العالم، ليس القديم وحسب بل كثيرون أيضا خلف الجديد بين المحيطين الأطلسي والهادي، يحب أن يتعلق بهذا المنقذ القادم من الغيب، غالبا هو يأتي من خارج الغلاف الجوي للأرض، أو يغيب ثم يعود من السماء.

له تسميات عديدة، وكل تسمية هي لشخصية تناسب معتقدا ما "أو اعتقادا ما"، هناك من يراه "الميسايا" وهناك من يراه المهدي (وله نسختان: سنية وشيعية)، وهناك من يراه إماما غائبا له وكلاؤه الذين ينوبون عنه حتى يعود بكامل صلاحيات الإنابة، وهناك من يراه مسيحا منتظرا عودته ضرورية للمعركة الأخيرة (صادف أن موقعها في سهل صغير في الشرق الأوسط)، وهناك من كان مترفعا عن الأديان لكنه ابتكر شخصيات وهمية كرتونية مثل السوبرمان القادم من كوكب بعيد في المجرة لينقذ العالم من الأشرار، وهناك في عالم الفلسفة والفكر من تعمق في الحفر في الفكرة حتى حفر قبرا دفن فيه "الإله" وتنبأ بالسوبرمان البشري، فكادت فكرته أن تبيد نصف البشرية (خصوصا تلك التي تنتظر الميسايا ومن ينتظرون المهدي بنسختيه وبقية بشر ملونين لا تنتظر أحدا أصلا!).

♦♦♦

عام 1648، وفي عهد السلطان العثماني محمد الرابع، أعلن حاخام يهودي نفسه "الميسايا" المنتظر، وذلك اعتمادا على "ما قيل في الكتب"، لم يصمد الحاخام كثيرا أمام خطر الإعدام في محاكمة علنية فأعلن إسلامه، لكن فكرته حلقت بعيدا مثل غيرها، فنشأ أتباعه المؤمنين به مخلصا "وقد خلص نفسه بالفعل".

الفكرة نفسها، فكرة المخلص، لا تزال تعيش في الشرق الأوسط حتى في القرن الواحد والعشرين، فتنشر الصفحة الرسمية لأعلى مرجعية سياسية ودينية في الجمهورية الإيرانية صورة متخيلة للحسين بن علي بن أبي طالب على ما يبدو أنه أمام باب الفردوس، وهو يعانق قاسم سليماني المقتول حديثا بطائرات أميركية بلا طيار في عملية استخبارية نوعية. العناق الفردوسي كان محاطا بشخصيات شيعية مثل الإمام الخميني نفسه، ورجل "حزب الله" الشهير عماد مغنية.

عماد مغنية، الذي قضى في انفجار في دمشق عام 2008، كان أيضا وبعد موته جزءا من سياق الفرضيات "الغيبية الميثولوجية" في عالم نزاعات الشرق الأوسط، حيث أن قائد "حزب الله"، حسن نصرالله قد أعلن بنفسه عقب "غياب" مغنية بأنه "وعلى مسؤوليته"، فإن دم عماد مغنية سيخرج إسرائيل من الوجود.

فكرة إخراج إسرائيل من الوجود، فكرة لها أصولها التاريخية في الموروث الديني الإسلامي، وبعض جيوب المسيحية الإنجيلية أيضا، فلا تقوم الساعة (وهي لحظة نهاية العالم في الحقيقة)، إلا ويقاتل المسلمون (كل المسلمين) اليهود (كل اليهود)، فيختبئ اليهودي خلف الحجر الذي ينطق واشيا للمسلم بأن يهوديا خلفه، طبعا مع استثناء نوع من الشجر اسمه الغرقد. (وذلك أيضا كما قيل في الكتب).

في بعض الميثولوجيا المسيحية المتأخرة والمتطرفة، فإن نزول المسيح إلى الأرض واكتمال مملكة الرب، لا يكون إلا بتجميع اليهود في أرض الميعاد، وتلك المعركة الأخيرة والحاسمة في سهل مجيدون والتي تنتهي بنزول المسيح وانتصار مملكة الرب وإبادة معظم اليهود الذين لن يتبعوا المسيح. (وهذا مرتبط جدا بكثير مما قيل في الكتب).

لماذا يجب أن تكون عودة الغائب المنتظر "أيا كان اسمه وتسميته" مقرونة بصراعات بين البشر؟

حتى في الميثولوجيا الإسلامية (بنسخها الشيعية والسنية)، فإن عودة المسيح ضرورة لقيام الساعة (انتهاء العالم) طبعا مع عودة المهدي (بنسختيه الشيعية والسنية) وعودة الإمام الغائب، وكلاهما ينوب عنهما آية الله في طهران! (وبكل النسخ فهذا ما قيل في الكتب).

وفي النسخة السنية، فلا أحد ينوب أو يكون وكيلا مباشرا عن الغائب المنتظر، لكن النصوص الدينية مكنت بالتأويلات الغيبية بعض أنصاف الأميين والمرضى النفسيين أن يكونوا وكلاء عن الله نفسه في مصير البشر وتصنيفهم. (ولك أن تتأكد من ذلك بكل ما قيل في الكتب).

♦♦♦

هناك من تحدث بأن بعض الإدارات الأميركية تؤمن بدورها "الإيماني" بتعجيل عودة المسيح لنصل إلى نهاية العالم، طبعا هذا يقابله إيمان أعمى بعودة كل الغائبين المنتظرين في باقي الأديان التي تسود الشرق الأوسط، وكلهم يجب أن يعودوا لنصل إلى نهاية العالم أيضا.

لا أفهم بصراحة، ومن منطلق إنساني بحت، لم الكل يستعجل نهاية العالم بهذه الطريقة؟ والأكثر استعصاء على الفهم عندي، لماذا يجب أن تكون عودة الغائب المنتظر "أيا كان اسمه وتسميته" مقرونة بصراعات بين البشر، ألا يمكن أن يعود هذا الغائب المنتظر (مع كل احترامي له)، إلى الأرض وقد ساد فيها السلام والوئام؟

لماذا لا يزال العالم (وشرقه الأوسط)، في القرن الواحد والعشرين، تقوم استراتيجيات علاقاته الدولية بكل تفاصيلها وتشابكاتها مرتكزة على كل ما قيل في الكتب؟

اقرأ للكاتب أيضا: ساحات "المربد" الإلكترونية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG