Accessibility links

عام بغداد وبيروت وكارلوس غصن


طالبة عراقية تتظاهر في البصرة جنوبي العراقي في اليوم الأخير من العام 2019 ضد الفساد وسوء إدارة البلاد

حازم الأمين/

هل حقا هذا هو العراق الذي يريده العراقيون؟ أي العراق المعرّف بمشهد الغزوة التي نفذتها فصائل الحشد الشعبي على السفارة الأميركية في بغداد! حين يطرح المرء هذا السؤال على نفسه، تحضر عشرات الأجوبة، لعل أكثرها وضوحا الجواب القادم من ساحة التحرير في العاصمة العراقية. لا، ليس هذا العراق الذي يريده العراقيون. علما أنهم، أي عراقيو ساحة التحرير، لا يريدون للسفارة أن تتمدد إلى خارج أسوار المنطقة الخضراء.

ما جرى في بغداد في اليوم الأخير من السنة المنصرمة خطير جدا. انقضاض النظام على ثورة الشباب. المتظاهرون الحشديون فُتحت لهم الجسور بعد أن كانت مقفلة في وجه المتظاهرين المدنيين! هذا مؤشر ثان على موقع السلطة من الحدثين. لا بل هو مؤشر على هوية السلطة الحقيقية. السلطة التي انتفض عليها أهل المدن الشيعية.

العراق الذي تريده طهران هو عراق المرشد

تُفتح الطرق للحشود وتُقفل في وجه المتظاهرين. أفسحوا لخطى "كتائب حزب الله"، وأقفلوا الجسور لكي يتعثر العابرون من الرصافة إلى الكرخ. وبعد ذلك يسود صمت ما بعده صمت. صمت الحكومة وصمت المرجعية وصمت البرلمان. وحده مسعود البارزاني من لفتته خطورة ما جرى.

غزوة السفارة الأميركية هو إعلان عن انقضاض طهران على ثورة العراقيين. الخطوة تولت تجفيف ما تبقى من ماء في وجه رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي. هُدرت كرامة الرجل مرة أخرى على مذبح النفوذ الإيراني.

المشهد الذي سبق الغزوة والذي سبق الغارة الأخيرة على مواقع "كتائب حزب الله" تمثل في أن ثمة قناعة لدى السلطة العميقة في العراق تقول إن إخماد التظاهرات يتم عبر قصف القواعد الأميركية في العراق. بُذلت جهود جبارة لاستدراج واشنطن إلى الرد، وفي النهاية ردت، فكان للحشد ما يريد، وتدفق أنصاره إلى محيط السفارة. انكفأت ساحة التحرير، واستيقظت ساحة أخرى. هل من نتيجة أوضح من هذا لكي نقول إن الهدف كان إخماد التظاهرة في ساحة التحرير.

غزوة السفارة الأميركية هو إعلان عن انقضاض طهران على ثورة العراقيين

هذا دأب طهران منذ بدأت الموجة الثانية من الانتفاضات العربية. في بيروت أيضا جرى ابتداع ساحات موازية. "شارع في مقابل شارع" هي العبارة التي صدرت عن الصحافة المؤيدة لطهران في بيروت. والغزوة كانت بدورها تقنية تهدف لامتصاص أثر الانتفاضة على السلطة المتصدعة والفاسدة في كل من العاصمتين. وهي فعلا سلطة واحدة تشتغل هنا وهناك، وتتبادل الخبرات وتستعين بالمشاهد والأفعال والشعارات.

التصعيد الذي شهدته العاصمة العراقية في اليوم الأخير من السنة الفائتة، لم يكن تصعيدا في وجه واشنطن، بل في وجه فتية المدن الشيعية المنتفضة على السلطة المُستَتْبعة. حددت طهران وجهة المواجهة، وقالت إن كل من لا يلتزم بها سيكون عميلا للسفارة. إذا كان لا بد من التظاهر، فليكن إلى السفارة الأميركية، وإذا كان لا بد من إحراق للسفارات والقنصليات فلتتوجه النيران إلى هناك. أي حرفٍ لهذه الوجهة ستكون عاقبته التخوين والاختطاف والقتل.

وفي الطريق إلى السفارة عبرت التظاهرات الجسور نفسها، تلك التي كان حُلم المنتفضين عبورها. أي صفاقة هذه! لقد قتل القناصون عشرات الفتية على هذه الجسور، فيما أنشدت فصائل الحشد أراجيز العداء للشيطان الأكبر عليها من دون أن تُستهدف.

العراق الذي تريده طهران هو عراق المرشد. قالها بوضوح المتظاهرون في اليوم الأخير من السنة المنصرمة. الخطوة كانت مذهلة فعلا. وهي لن تكون بمثابة تصعيد في وجه واشنطن، بل رسما لخطوط المواجهة الداخلية. فعل تحشيد في وجهة مختلفة عن التحشيد الذي شهدته أيام الانتفاضة. إعلان عن حرب أهلية، وعن مواجهة داخلية بين أهل الجسور وأهل الساحات.

كانت سنة مليئة بالمتظاهرين وبالسفارات وببغداد وبيروت... وبكارلوس غصن

جرى ذلك في ظل فراغ في السلطة، وهو فراغ سيمتد على الأرجح حتى تتمكن طهران من استعادة قدرتها على المبادرة. فالسلطة الوحيدة التي يملكها رئيس حكومة تصريف الأعمال عادل عبد المهدي هي تلويحه بالتنحي، وهو أصلا متنحٍ، ورئيس الجمهورية نصف مستقيل، والأجهزة الأمنية خارج الضبط السياسي. إذا الحشد هو الحل، والحشد هو البديل، وعبارة "المقاومة" ستتصدر اللغة والخطاب.

الانقضاض على السفارة في بغداد، والانقضاض على ساحة الشهداء في بيروت، وحكومتا تصريف أعمال هنا وهناك، وفساد مستشرٍ على مساحة محور المقاومة، يتخلله مدن مفقرة وأخرى مدمرة، وصفقات نفط وتبادل نفوذ، وفي هذا الوقت تحط طائرة خاصة في مطار بيروت ويخرج منها كارلوس غصن، ويتوجه فورا إلى قصر بعبدا ويعلن انضمامه إلى المحور ومباشرة العمل على خَفْتِ أصوات النشاز في الساحات.

كانت سنة مليئة بالمتظاهرين وبالسفارات وببغداد وبيروت... وبكارلوس غصن.

اقرأ للكاتب أيضا: تنازلات طهران الوشيكة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG