Accessibility links

عبد الوهاب الإنكليزي يعاين العروبة الثانية


الدمار في جوبر في الغوزطة الشرقية قرب دمشق، بقد تعرضه لحصار طويل من قبل قوات النظام السوري

رستم محمود/

في مثل هذا اليوم بالضبط، قبل مئة وثلاثة أعوام، أعدمت السلطات العثمانية المحامي والإداري والسياسي والناشط العربي عبد الوهاب الإنكليزي، الذي كان ينحدر من بلدة المليحة، في منطقة الغوطة الشرقية من دمشق. كان إعدام الإنكليزي ورفاقه شرارة انقطاع مسيرة العلاقة التاريخية التي جمعت العرب بالأتراك طوال قرون. فهؤلاء القوميون المتنورون العرب في الإمبراطورية العثمانية كانوا يخضون حرب باردة وقاسية في مواجهة حركة الاتحاد والترقي الحاكمة، والتي كانت تتوجه بالتقادم، منذ انقلابها الشهير على السلطان عبد الحميد عام 1908، لأن تكون نزعة سياسية نحو المركزية المطلقة، وأن تكون أيديولوجية قومية تركية من طرف آخر، وهو ما اعترض وناضل الإنكليزي ورفاقه لمناهضته، واعتبروا، بمعنى ما، الآباء الروحيين والمؤسسيين للتيارات القومية العربية.

المليحة، بلدة الإنكليزي، التي صارت بالتقادم العمراني جزء من مدينة دمشق "قلب العروبة النابض"، هي اليوم سهب من الدمار المطلق. فطوال سنوات كثيرة مضت، أمطرها بعثيو النظام السوري، رواد العروبة المطلقة، بعشرات الآلاف من البرميل المتفجرة، وهجروا سكانها المحليين وشتتوهم في كافة بقاع البلاد والدول المحيطة، وصارت تلك البلدة القريبة من منطقة باب شرقي وباقي المناطق الأكثر حيوية من العاصمة دمشق، مرهونة للبيع العقاري للمنظمات والفصائل الإيرانية، لتمارس عبر ذلك أكبر عملية تغيير ديموغرافي في العصر الحديث.

العروبة اليوم، هي القبضة الأكثر وحشية لتأسيس كل ما هو نقيض للتقدمية والحداثة

كما بلدة المليحة، فإن جغرافيا كاملة من البلدات والمدن السورية/العربية المحيطة بدمشق، والتي كانت على الدوام خزانا متدفقا من النزعات والخيارات والتيارات القومية العربية، بالذات الناصرية والبعثية منها، كل تلك الجغرافيا تجد نفسها اليوم ركاما عمرانيا وسياسيا واجتماعيا وإنسانيا، وبأيادي وخيارات أشبال البعث، الذين فتكوا وفعلوا ذلك، عن سابق إصرار ووعي للذات.

♦♦♦

كان عبد الوهاب الإنكليزي، وأمثاله الكثيرون من أبناء الرواد الأوائل للفاعلين والمنظرين للقومية العربية، كانوا ينحدرون من أرفع طبقات السلطة العثمانية مكانة وأكثرها ثراء وسلطة وحيوية. فالإنكليزي كان منحدرا من عائلة دمشقية شبه إقطاعية، ما لبث أن صعد في السلم التعليمي حين درس الحقوق في إسطنبول، عاصمة الإمبراطورية العثمانية. ثم ترفع في المؤسسات الإدارية، ليكون موظفا وقائمقاما مرموقا، مارس مهنة الإدارة والحكم في مختلف ولايات الدولة العثمانية، التركية والكردية والعربية منها على حدٍ سواء. وكان على الدوام محل ثناء وتقدير من السلطات العثمانية، فالإنكليزي كانت له علاقات ودية مع زعماء حزب الاتحاد والترقي الحاكم، وكان هؤلاء يشيدون بمواهبه وقدراته الإدارية الاستثنائية.

بهذا المعنى، فإن أبواب المجد، بالمعايير الأولية، كانت مفتوحة أمام الإنكليزي، وهو الذي لم يكن قد تجاوز العقد الثالث من عمره بعد. فالإنكليزي كان يستطيع أن يغدون مسؤولا عثمانيا مرموقا، ويحظى بثروة مادية ومكانة مجتمعية بالغة الرِفعة.

صارت تلك البلدة القريبة من منطقة باب شرقي مرهونة للبيع العقاري للمنظمات والفصائل الإيرانية

لكن من الواضح، أن الإنكليزي قبل كل ذلك كان ابن وجدانه وعصره معا. فالمرويات المتطابقة عنه، تقول إن أحداث بلدة الكرك عام 1910 قد آلمته تماما؛ فتلك البلدة التي تمردت بشكل ما على السلطة العثمانية، مُحقت عن بكرة أبيها، وحينما رأى الإنكليزي ما حدث بحقها، تأكد أن القطيعة بين العرب والأتراك قد صارت فعلا لا بُد منه، وأنهم يجب أن يعملوا على تحقيق ذلك بأي ثمن.

كذلك كان الإنكليزي ابن عصر التنوير القومي، الذي كان يرى بأن الإمبراطوريات الكبرى قد ولى زمانها، وأنها لم تعد مناسبة لأن تقدم للشعوب التي في ظلالها إلا مزيجا مركبا من الاستغلال والاحتلال المستتر والابتعاد عن الحداثة السياسية والمجتمعية والاقتصادية، وأن الحل معها يكمن في الاستقلال عنها، عبر سيادة كل قوميات تلك الإمبراطوريات على أنفسهم، بالذات العرب منهم.

بالتقادم، صارت تلك الخصائص، الوجدانية والسياسية ديناميكيات تأسيسية في تيارات القومية العربية الأولى، التي كانت تحررية من طرف، تسعى لأن تخرج مستقلة عن عباءة السلطنة العثمانية، أن تصعد إلى منصة التاريخ باعتبارها ذات جمعية واحدة وهوية قومية متمايزة. وكانت تقدمية من طرف آخر، تحارب أنماط الحياة والثقافة والاجتماع التقليدية، التي كانت نماذج الإمبراطورية العثمانية بكل قوتها تعمل على إنتاجها وترسيخها.

♦♦♦

اليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على الشرارة الأولى تلك، تبدو المعايير والأحوال والأدوات القومية العربية منقلبة تماما عما كانت عليه.

فالقوميون العرب، في تجربتهم الشامية بالذات، صاروا قوة احتلال محضة وتدمير عام لمجتمعاتهم وإمكانياتها وحتى مستقبلها. فالعروبة السياسية الراهنة، هي الديناميكية السياسية والخطابية الأكثر قابلية وقدرة على تغطية كل أشكال الإجرام بحق المجتمعات التي قالت بالأساس إنها أُس تحررها الثنائي، من الإمبراطورية العثمانية والاستعمار الأوروبي.

القوميون العرب، في تجربتهم الشامية بالذات، صاروا قوة احتلال محضة وتدمير عام لمجتمعاتهم وإمكانياتها وحتى مستقبلها

كذلك، فإن هذه العروبة اليوم، هي القبضة الأكثر وحشية لتأسيس كل ما هو نقيض للتقدمية والحداثة. فالعروبة السياسية راهنا، بخطابها الفوقي الذي أنتج كل أشكال الزيف، وترهلها الأيديولوجي وكسلها الوجداني، أسست لحروب أهلية هائلة بين مختلف الجماعات والتشكيلات الأولية في المجتمعات التي حكمتها، وساهمت بإصرار على تراجع التنمية الاقتصادية والإنسانية وتحطيم أبناء القوميات الأخرى وكبت الحيوية المجتمعية وتجميد الحياة العامة وقطع علاقة هذه المجتمعات مع العالم.

لا يعرف أحد معاني وآلام ذلك التحول الرهيب مثل السوريين أنفسهم، أبناء بلدة عبد الوهاب الإنكليزي وما شابهها من مئات البلدات في السهوب السورية، ذاقوا مرارة ذلك بطعم دمائهم وأوجاع أحوالهم. وإن كان ثمة بينهم من يصرّ بأن الشيء الذي كان شفاء قبل أكثر من قرن ما زال صالحا اليوم لأن يكون كذلك، فإنه بمعنى ما يزال يطلب المزيد من الإيغال في دماء السوريين، وما أكثر هؤلاء المصرين.

اقرأ للكاتب أيضا: 'السُنة السوريون' والمسألة الأرمنية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG