Accessibility links

"عربات الثورة" تسد جوع فقراء بيروت وسط الاحتجاجات


بائع ذرة يقف بعربته أمام مسجد محمد الأمين في العاصمة اللبنانية بيروت بالتزامن مع الاحتجاجات في البلاد - 3 نوفمبر 2019

بعدما أنهكتهم الأوضاع الاقتصادية، لم يجد الباعة المتجولون في بيروت مصدر رزق جديد إلا في التجمعات الاحتجاجية اليومية في ميادين العاصمة اللبنانية، حيث تفوح روائح الجبن الذائب على الفحم وعرانيس الذرة والفول كل ليلة.

ويتوافد الباعة إلى ساحتي الشهداء ورياض الصلح بدءا من السادسة من بعد ظهر كل يوم، أي في الوقت الذي يبدأ فيه تدفق المشاركين في الاحتجاجات غير المسبوقة المتواصلة في البلاد منذ 17 أكتوبر.

من بين هؤلاء، إبراهيم، 27 عاما، الذي يقول: "الثورة أصبحت بالنسبة إلينا مصدر رزق جديد وفي الوقت نفسه نتظاهر مع الناس"، في إشارة إلى تأييده لمطالب الحراك الشعبي.

ويبيع إبراهيم الكعك يوما والذرة والفول في يوم آخر. يراقب من بعيد المكان الذي خبأ فيه أغراضه خوفا من أن تكتشفها القوى الأمنية وتصادرها، لأن وقوف العربات في المكان ممنوع.

ويروي الشاب الأسمر الملتحي ذو البنية القوية، لفرانس برس أنه يعمل أصلا في تركيب الجبس في ورش البناء، ويقول: "انتقلنا إلى هنا لنعمل مع بدء الاحتجاجات بعدما لاحظنا وجود أعداد كبيرة من الناس. هذا أفضل من البقاء من دون عمل"، مشيرا إلى أن عمله تراجع كثيرا منذ أشهر جراء ركود يشهده قطاع البناء.

بائع آخر يحضر البطاطا المقلية في وسط بيروت - 17 أكتوبر 2019
بائع آخر يحضر البطاطا المقلية في وسط بيروت - 17 أكتوبر 2019

اضطر ابراهيم، المسؤول وحده عن والدته المريضة بعد وفاة والده، إلى ترك الدراسة عندما كان في البكالوريا ليسعى وراء لقمة العيش. ويقول: "ليس لدى والدتي ضمان اجتماعي ولا ضمان شيخوخة وأنا أمضي سنوات عمري أدفع مصاريف طبابة وأدوية".

على بعد عشرات الأمتار، تعلو هتافات "الشعب يريد إسقاط النظام" و"ثورة! ثورة!" ما يُنذر بوصول مجموعات من المتظاهرين. يهرع ابراهيم إلى مخبئه ويخرج البضاعة ويبدأ البيع، موضحا أن القوى الأمنية تتوقف عن تسيير دوريات عندما تزدحم الساحات.

"عربة الثورة"

على مقربة من المكان، يتجمع كثيرون حول "عربة الثورة" كما يسميها صاحبها، فيطلب أحدهم ذرة مع عصير الليمون وفلفل حار فيما يفضل آخر الفول.

ويوافق بائع الذرة والفول عماد حسن سعد، 29 عاما، الذي يوقف عربته عادة على كورنيش عين المريسة في غرب بيروت، على أن الاحتجاجات باتت "مصدر رزق جديد"، مؤكداً أن "المبيع هنا أكثر لأن كثافة الناس أكثر".

ويساعد عماد ثلاثة شبان، لتلبية طلبات الزبائن، فأحدهم يقشر حبات الليمون، ويقوم الثاني بتقطيعها بسرعة على لوح خشبي، أما الثالث فيسحب عرانيس الذرة من ماء مغلي موضوع في قدر كبير على نار قوية، ويحضّر الأطباق ويقدمها إلى الزبائن.

بائع متجول يبيع الذرة في أحد ميادين الاحتجاج بعدما ضاقت به السبل في مناطق أخرى - 3 نوفمبر 2019
بائع متجول يبيع الذرة في أحد ميادين الاحتجاج بعدما ضاقت به السبل في مناطق أخرى - 3 نوفمبر 2019

ويقول إبراهيم إن كل بائع "يجني ما يتراوح بين 50 و60 ألف ليرة يوميا (بين 35 و40 دولارا أميركيا) إذا كان المبيع جيدا"، مشيرا إلى أنه يرضى بهذا الربح القليل ليؤمن مصاريفه.

وتؤكد المتظاهرة فريال شمص، 52 عاما، وقد لفت وشاحا بألوان العلم اللبناني حول رقبتها، لوكالة فرانس برس "أنا أشجعهم لأن أحدا لا يعرف" الظروف المعيشية التي يعانون منها.

تحمل المتظاهرة دانا زيات، 21 عاما، طبق فول بيديها وتقول: "تجمع الناس هو فرصة لهؤلاء الشباب ليتمكنوا من العمل ولو لفترة موقتة".

وتضيف صديقتها جنى خزعل "هذه الثورة فتحت مجالا للعمل للشباب الفقراء الذين لم تُتح لهم فرصة التعلّم أو غير القادرين على استئجار محلّ".

"الفقير يجب أن يموت"

ويكثر خصوصا في الساحة بائعو الكعك، والكعكة طعام الفقير في لبنان. على الرغم من ذلك، لم يكن أحدهم قادرا على بيع ما يكفي لتأمين قوته قبل "الثورة".

ويروي بائع كعك رافضا الكشف عن هويته، لفرانس برس "في اليوم الأول للاحتجاجات كان بحوزتي كعك وتنقلت في مناطق عدة لكنني لم أتمكن من بيعها، فنصحني أصدقائي بأن أحاول بيعها في وسط بيروت وهكذا فعلت والحمدالله لا نزال نعمل".

خلف طاولة بلاستيكية يقف ليلبي طلبات الزبائن. يسأل عن نوع الجبن الذي يريدونه في الكعكة. بالكاد يرد على فريق فرانس برس.

بائع متجول يحضر الخبز في وسط بيروت حيث الاحتجاجات ضد الحكومة اللبنانية - 3 نوفمبر 2019
بائع متجول يحضر الخبز في وسط بيروت حيث الاحتجاجات ضد الحكومة اللبنانية - 3 نوفمبر 2019

ويشكو البائعون من معاملة القوى الأمنية لهم حتى في موقع بيعهم الرئيسي في عين المريسة. ويروي أحد الشباب العاملين على العربة، رفض الكشف عن اسمه، أن السلطات تحظر عملهم لأن العربات غير قانونية.

وقد تم تحرير 270 محضر ضبط بحقه يبلغ قدر كل واحد منها حوالى 450 ألف ليرة لبنانية (300 دولار أميركي) مشيرا إلى أنه يحتاج إلى عشرين يوم عمل متواصلة لدفع مخالفة واحدة.

ويقول بائع نرجيلة يملك محلا لبيع خدمة النرجيلة في منطقة الروشة في غرب بيروت وانتقل مؤخرا إلى ساحة الشهداء، إنه يخرج نراجيله ويبدأ بالعمل في وقت متأخر مساء لتجنّب أن تصادرها القوى الأمنية. ويضيف أنه سيعود إلى محله الرئيسي عندما "ترحل الطبقة السياسية".

واعتاد بعض المتظاهرين المصرين على مواصلة تحركهم حتى تحقيق مطالبهم، بعد الهتافات وإقامة حلقات رقص وغناء للتأكيد على سلمية تحركهم، الجلوس في ساحات الاعتصام وتدخين النرجيلة، وتناول الطعام وأحيانا لعب الورق لتمضية الليل في المكان.

وتجمع عدد من الشباب والشابات حول امرأة مسنة ترتدي حجابا بني اللون، تجلس على الأرض وتضع أمامها ورودا حمراء للبيع. يسألونها عن أسباب وجودها حتى وقت متأخر في وسط العاصمة. تجيب بصوت خافت إن الفقر والعوز دفعاها إلى القدوم إلى هنا آملة في إيجاد مصدر رزق أفضل.

وتخبر السيدة ذات الوجه الشاحب والجسد النحيل، عن ظروفها المعيشية الصعبة ووضع منزلها المتهالك في منطقة الكولا في بيروت، وتمد يديها الضعيفتين لتبيان الجروح التي أصيبت بها جراء غسيل الثياب، إذ إنها لا تملك غسالة.

يتحمس الشباب من حولها لمساعدتها، يعرضون عليها الحلول فيما لا تتمكن متظاهرة من منع دموعها. وتتوجه المرأة للشباب حولها بالقول: "الفقير في هذا البلد يجب أن يموت".

XS
SM
MD
LG