Accessibility links

'عصابة سوسورلوك' التي ستحكم سوريا


صف طويل من السوريين في انتظار الحصول على قارورات غاز للاستخدام المنزلي

رستم محمود/

في أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1996، كشف حادث سير وقع بالقرب من بلدة سوسورلوك التركية واحدة من أعقد أسرار الديناميكية التي كانت تدير بها الدولة التركية حربها الشرسة ضد البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية الكردية في البلاد.

فالسيارة التي تعرضت للحادث، كانت تحمل ثلاثة أشخاص: عبدالله جاتلي، الزعيم العصاباتي اليميني المتطرف، المتهم بارتكاب أفظع الجرائم بحق قادة النقابات والطلاب والتنظيمات اليسارية في سبعينيات القرن المنصرم، والمطلوب من قِبل الإنتربول لأنه حاول تهريب المتهم بمحاولة اغتيال البابا يوحنا بولس الثاني. وإلى جانبه سادات بوجاق، عضو البرلمان التركي، والزعيم العشائري الكردي المعروف، ومعهما نائب قائد شرطة إسطنبول.

كان الاجتماع والتعاون بين هؤلاء الثلاثة مثالا ونموذجا، انكشف مصادفة، لشكل علاقات التحالف التشاركي بين أجهزة الدولة/النظام السياسي الأمني مع الزعماء المحليين التقليديين ومع قادة التنظيمات المتطرفة العصاباتية.

تحقق العلاقة بين قادة تنظيمات الشبيحة وزعماء العشائر وضباط الأجهزة الأمنية الحاجات الراهنة للنظام السوري

كانت تركيا في ذلك الوقت تعاني من ثلاث أزمات حادة، تهدد بتحطيم البنية الصلبة للدولة ونُخب الحكم التركية: فالنظام السياسي كان يغرق في عدم قدرته على تأليف حكومات مستقرة، بسبب صراع الزعماء السياسيين الثلاثة على رئاسة الحكومة، تانسو تشيلر ومسعود يلماظ ونجم الدين أربكان. كذلك فإن الاقتصاد التركي كان يعاني من أثار ركود وتضخم شديدة، بعد سنوات إعادة الهيكلة الليبرالية على يد الرئيس السابق تورغوت أوزال. فوق ذلك، فإن حزب العمال الكردستاني كان قد وصل إلى أوج قوته، مستقطبا الغالبية المطلقة من المجتمع الكردي، ويخوض حرب عصابات "ناجحة" في كامل المناطق الكردية من تركيا.

كانت نواة الحكم الصلبة، العسكرية القومية المالية، ترى في تآلف تشكيلة مثل "عصابة سوسورلك" الأداة الأكثر فاعلية لمواجهة كل أزمات البلاد، ولصالحها هي، أي نواة الحكم الصلبة وغير الظاهرة.

فهذه التشكيلة تستطيع أن تتجاوز تعقيدات بيروقراطية الجيش في مواجهة الحركة القومية الكردية. بأمثال سادات بوجاق تستطيع تأمين الآلاف من الميليشيات المحلية الموالية "حراس القرى" في تلك الحرب، كذلك فإنها بأمثال عبدالله جاتلي تستطيع أن تنفذ عمليات اغتيالات من خارج القانون، حتى لمثقفين ونشطاء مدنيين.

على نفس المنوال، فإن هذه التشكيلة، ومثلها العشرات من العُصب الأخرى، كانت بمثابة أداة بيد نواة الحكم الصلبة في وجه النخبة البيروقراطية المدنية، من وزراء ومدراء عامين وقضاة وزعماء الأحزاب، فيما لو حاول واحد منهم تجاوز الخطوط العريضة لتوجهات تلك النواة.

فيما بعد، كشفت المعطيات مدى انخراط العشرات من مثل تلك العصابات في عمليات تهريب وتجارة المخدرات، التي كانت تدر عوائد استثنائية على أعضاء نواة الحكم الصلبة أضعاف ما تحصله بشكل نظامي من مخصصات الدولة، التي كانت شبه مفلسة.

♦♦♦

في سوريا "الأسد" الراهنة شيء كثير من ذلك، متأت من تطابق شديد في المناخات والديناميكيات وشرعة الحكم وطريقة التفكير.

إذ يرى النظام السياسي السوري نفسه متخبطا في طيف كامل من الأزمات المتراكبة المُعقدة. فحتى وإن كان قد "انتصر" عسكريا على الثورة السورية، فإن القطاعات الأوسع من المجتمع السوري مناهضة لهذا النظام السياسي، كذلك فإن مناطق واسعة من البلاد لا تزال خارج سيطرته العسكرية والبيروقراطية.

فوق ذلك، فإن هذا النظام يعرف أن بقاءه مرهون بالتدخل المباشر من قبل "حلفائه" الإقليميين والدوليين، وأن القوى الداخلية السورية تستطيع الإطاحة به في أي وقت، فيما لو تخلى عنه هؤلاء الحلفاء.

كما يواجه النظام السوري سلسلة من الأزمات الاقتصادية في قلب المناطق الموالية له، التي لم يشهد مثلها حتى في أكثر أوقاته ضعفا؛ أزمات يبدو النظام السوري عاجزا عن التعامل معها. فنصف الثروة الوطنية التي كان يعتمد عليها النظام في استراتيجيته الاقتصادية التقليدية، صارت خارج هيمنته في مناطق شرق الفرات إلى وقت غير معلوم، كذلك فإن النظام الإيراني لم يعد قادرا على منحه مساعدات مالية مفتوحة، بعد أن صار يواجه أزمات اقتصادية داخلية لا تقل تعقيدا عن أزمات النظام السوري.

لكن قبل كل ذلك، فإن هذا النظام يكاد يفتقد لأية شرعية كانت. إذ أظهرته سنوات الثورة السورية عاريا من كل خُطبه وادعاءاته السابقة. فهذا النظام لم يخض حربا إلا في مواجهة المدنيين السوريين، حيث قتل مئات الآلاف منهم وشرد قرابة نصف سكان البلاد، وهو لا يرى نفسه يتحمل مسؤولية تلك الجرائم الفظيعة التي ارتكبها. كذلك فإن كامل المنظومة الإقليمية والدولية تجد نفسها في حرج وسوء قدرة بالغة لإعادة تعوميه وقبوله، حتى لو رغبة بذلك في وقت ما.

في ظلال هذه الأوضاع، لا تلجئ الأنظمة المشابهة للنظام الأسدي إلا لنموذج "عصابة سوسورلوك"، وإن بتغيير طفيف بين واحد من التفاصيل أو آخر.

فكل ما يأمله النظام السوري راهنا هو الإمساك المطلق بالسكان المحليين في مناطق سيطرته، وتأمين موارد مالية للشبكة الهائلة من المتعاونين معه، مع القبول بما يتيسر من الولاء من قبل الطبقات التقليدية من هذه المجتمعات، من رجال دين وزعماء عشائر ووجهاء مناطق محلية.

يعرف النظام أن بقاءه مرهون بالتدخل المباشر من قبل "حلفائه" الإقليميين والدوليين

تشكل العلاقة بين قادة تنظيمات الشبيحة وزعماء العشائر وضباط الأجهزة الأمنية الخلطة المثالية لتلك الوصفة، فهي تستطيع أن تحقق كامل الحاجات المباشرة الراهنة للنظام السوري.

تاريخيا، كان النظام السوري يطبق تلك الوصفة على الدوام، لكن مع فارقين جوهريين: فهي لم تكن ثابتة، بمعنى أن النظام كان يستبدل زعيما عشائريا بشيخ دين في منطقة ما، ويستبدل مهربا بآخر، وهكذا، فالنظام لم يكن يريد لأحد في تلك التشكيلة أن يبقى في موقعه لفترة طويلة، حتى لا يشكل استقطابا. كذلك فإن تلك الوصفة كان يتحكم بها ضباط أجهزة الاستخبارات على الدوام، وكانوا على رأس قيادتها؛ فموقع وقوة ودور أعضاء الوصفة لم يكن متساويا ومتوازنا، بل كان ضباط أجهزة الاستخبارات يشكلون جوهره ونواته الصلبة الثابتة.

راهنا لم يعد النظام السوري قادر على التحكم والتبديل بين أعضاء هذه التشكيلة، كذلك لم يعد قادة أجهزته الأمنية أكثر قوة من الزعماء المحليين وقادة الميليشيات، أي أن تلك التشكيلة قد صارت ثابتا محكما في حيوات السوريين، وقدرا محتوما، هذا فيما لو استمر النظام السوري حاكما.

اقرأ للكاتب أيضا: قرن على الهبات المحلية في منطقتنا؛ النقطة صفر

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG