Accessibility links

عطش اللامركزية.. في جنوب العراق


متظاهرون عراقيون أمام أحد المباني الرسمية في البصرة اعتراضا على تردي الخدمات العامة

بقلم صادق علي حسن/

في شهر تموز/يوليو الماضي، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء جنوب العراق نتيجة تردي الخدمات وعدم توفر الكهرباء، وسوء نوعية المياه، وزيادة معدلات البطالة. في حين أن التظاهرات كانت شائعة خلال أشهر الصيف الحارة في جنوب ووسط العراق، إلا أنها أوسع نطاقا من حيث المشاركة هذا العام، حيث امتدت لمدينة البصرة التي تعد العاصمة الاقتصادية للعراق كونها تمثل المصدر الرئيس لموازنته الاتحادية.

وفى حين تزايد قلق المراقبين المحليين والخارجيين من طبيعة الاحتجاجات الشعبية في البصرة، من الضروري أن نتذكر السياسات التي دفعت المنطقة إلى التظاهر في المقام الأول. إن احتواء البصرة على ثروات طبيعية وكونها مقرا لعدد كبير من الشركات المتعددة الجنسيات التي تستثمر في مختلف القطاعات وأهمها النفط والغاز فضلا عن التواجد الدولي من قنصليات وغيرها من ممثليات، يظهر مدى الأهمية التي تتمتع بها تلك المدينة.

ما دام الفقر المنهجي مستمرا، وما لم تنفذ الصناعات المؤيدة للنمو التي تعود بالفائدة على القوى العاملة المحلية في البصرة، فإن معاناة سكانها ستستمر

وفي حين أن الاحتجاجات الحالية قد عبرت عن نفسها من خلال الخطابة السياسية المتزايدة، من الضروري أن نتفهم الجذور الرئيسية لتلك المشكلة، حيث تفتقر البصرة لأهم الموارد الأساسية، وقد تفاقم هذا الوضع على الصعيدين القومي والإقليمي، إذ تعتمد المدينة بشكل رئيسي على مياه شط العرب التي تعاني منذ سنوات من ارتفاع نسبة الملوحة بعد إغلاق إيران نهري الكارون والكرخا وتحويلهما إلى داخل أراضيها بشكل كامل، إضافة إلى انخفاض تدفقات المياه القادمة من نهري دجلة والفرات بسبب بناء سد أليسو التركي. وبلغت نسبة الملوحة في ناحية السيبة 4000 جزء من المليون.

وفي الوقت ذاته، تتعالى أصوات أهالي البصرة العراقية المحتجة، والتي تتهم إيران بتلويث شط العرب من خلال نفايات المصانع والمفاعلات النووية التابعة لها جراء مخلفاتها التي تؤثر على المياه في البصرة؛ ما تسبب في ارتفاع معدلات تلوث المياه.

وتزامن كل هذا مع فرض العقوبات الأميركية على إيران وانهيار عملتها، وتعرض تجارتها للخطر مع العراق لا سيما بعد قرار البنك المركزي العراقي بتوقف التعاملات بالدولار مع طهران والتي بلغ تبادلها التجاري أكثر من 13 مليارا و210 مليون دولار العام الماضي، منها 6.5 مليار دولار تتعلق بالبضائع غير النفطية، حيث احتلت إيران في هذا المجال المركز الأول بين سائر شركاء العراق التجاريين.

وفى حين أن الانخفاض في كمية الواردات الإيرانية إلى العراق قد يساهم في دعم الإنتاج المحلى على المدى الطويل، إلا أن ذلك قد أدى إلى فرض المزيد من الضغوطات على المستهلك المحلي خلال هذا الصيف. علاوة على ذلك، فإن الحكومة العراقية لديها التزامات معينة تجاه الولايات المتحدة فيما يخص مسألة فرض العقوبات على إيران، حيث تحكمها اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وهو ما قد يتسبب في تقليص الخيارات قصيرة المدى المطلوبة لمعالجة الوضع الاقتصادي في البلاد. وقد دفع الإحباط من الضغوط الإقليمية المتظاهرين إلى استهداف المباني الحكومية المحلية والقنصلية الإيرانية.

ولفهم أسباب الإحباط من إيران وضغوطها على البصرة، لا بد من فهم الدور الذي لعبه التصدع الهيكلي الذي حل ببنية الدولة العراقية بتعجل اندلاع الأزمة. فقد تسبب قانون رقم 21 لسنة 2008 وتعديلاته الثلاثة، والذي حول منذ عامين جزءا كبيرا من صلاحيات الحكومة الاتحادية في 8 وزارات خدمية إلى الحكومات المحلية ومجالس المحافظات والمحافظين، في ظهور بعض المشاكل والأخطاء بسبب عدم وجود الخبرة الكافية في إدارة ملفات المشاريع الخدمية والاستثمارية الكبرى من قبل الحكومات المحلية وعدم اتجاهها إلى مشاريع ذات أولوية وأسبقية للمواطنين وضعف القدرة على متابعة تنفيذ المشاريع.

ونتيجة لذلك، تأخر عدد من المشاريع الرئيسية بسبب سوء الإدارة، في حين أن المؤسسات المتخصصة في مجال البنية التحتية والاستثمار والتي أثقلها حجم العمل، باتت مسؤولة عن إيجاد حل للقضايا طويلة المدى التي تمر بها المنطقة.

ومع تواصل التظاهرات وأعمال الشغب ووفاة عدد من المتظاهرين، وجه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أصابع الاتهام إلى مجالس المحافظات وحكوماتها المحلية بالتقصير، حيث قال خلال مؤتمره الصحافي مؤخرا "حذرنا المحافظات من أن نقل الصلاحيات إليها سيسبب مشكلة لها لأنها لا تمتلك الهيكلية الكاملة لإدارة هذه المؤسسات، لكنهم قالوا إنهم يستطيعون إدارتها وهذا ما خلق المشكلة".

ويبدو الآن أن هناك اعترافا من قبل الحكومة المركزية بأن السياسيين المحليين في البصرة قد أصبحوا غير قادرين على التعامل مع إدارة مشاريع الخدمات الحيوية التي يحتاجها سكان البصرة. وقد تعاطت الحكومة بشكل مختلف مع الأزمة وذلك بعقد لقاءات مع ممثلي 9 محافظات، انتهت بإصدار جملة من القرارات التي تتابع من قبل اللجان المحلية وتديرها الجنة العليا للإعمار والخدمات والتي يرأسها رئيس مجلس الوزراء.

لكن المشكلة الأكبر لم تحل بعد، وهي صلاحيات الإطلاقات المالية التي تكون جزءا مهما من إطلاق الوظائف في القطاع الحكومي وتسديد مستحقات المشاريع المتوقفة. إن عدم القدرة على التصرف تجاه تلك الأزمات أصبح يثير الدهشة خاصة أن شركات النفط التي تنشط في عموم المحافظات الجنوبية تعمل حاليا على زيادة إنتاج النفط بنسبة 80 في المئة تقريبا، وبالتالي زيادة الإيرادات.

لقد تركت سنوات من عدم كفاية الخدمات، والفساد المؤسساتي، وتدهور البيئة، وانعدام الأمن ـ لا سيما من قبل الحكومات السابقة التي توالت على قيادة ودفعت البلاد نحو التقاسم المحصاصتي الذي وصل حتى إلى تقاسم مدراء المدارس الثانوية - تركت عددا قليلا من الحلول طويلة الأجل والتي لاقت استياء مبررا في شوارع البصرة. ومن ثم، هناك ضرورة لإشراك الحكومة المركزية في حل الأزمة حيث لا يمكن السماح لتلك الإدارة العامة غير المؤهلة بالاستمرار خاصة أن الضرر الذي لا يمكن إصلاحه قد تم حدث بالفعل.

تتعالى أصوات أهالي البصرة العراقية المحتجة، والتي تتهم إيران بتلويث شط العرب من خلال نفايات المصانع والمفاعلات النووية التابعة لها

إن الإصلاح الفعلي للأزمة ـ التي قد تخف وطأتها مع اقتراب الخريف، والتي من المتوقع ألا تختفي بشكل كامل من مدينة البصرة ـ ستتطلب بذل المزيد من الجهود المستمرة لزيادة الاستثمار في المنطقة، بما في ذلك استمرار العمل بمشاريع تحلية المياه في جنوب العراق، واستكمال مشروع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة في البصرة الذي تم اقتراحه في عام 2013، ونصب مضخات تحلية مياه البحر من جهة الخليج.

كما يجب إعادة تأهيل النظام الهيكلي والمؤسساتي لإدارة اقتصاد المحافظات بإشراك القطاع الخاص في قيادة المؤسسات الاقتصادية لتعظيم الإيرادات، وهو ما تحتاجه كلا من المحافظة والحكومة المركزية العراقية بشدة.

وعوضا عن تحويل مسؤولية البنية التحتية إلى المحافظات، يمكن للحكومة المركزية العمل على تفعيل الصلاحيات اللامركزية النقدية والمالية في المحافظات وتنفيذ الخطط التنموية الخمسية بصورة فعلية وفي وقتها المحدد سيما خطة التنمية الوطنية (2018 ـ 2022).

وختاما، من الواضح أن هناك العديد من المسارات المحتملة التي يجب أن تتبعها الحكومة العراقية وحلفاؤها للتخفيف من حدة الأزمة التي تواجهها البصرة حاليا. ومع ذلك، يكمن التحدي الحقيقي في التنفيذ المثمر لتلك الخطط والالتزام بالعمل على تحسين الأوضاع في المحافظة على المدى البعيد. وما دام الفقر المنهجي مستمرا، وما لم تنفذ الصناعات المؤيدة للنمو التي تعود بالفائدة على القوى العاملة المحلية في البصرة، فإن معاناة سكانها ستستمر وبالتالي اندلاع الاحتجاجات مرة أخرى.

صادق حسن هو صحفي وباحث عراقي.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG