Accessibility links

عقد اجتماعي جديد لاستقرار سورية ـ نموذج منطقة الجزيرة


مقاتلات كرديات في شمال شرق سوريا

بقلم بسام بربندي ونضال بيطاري/

يعيش في منطقة الجزيرة السورية مكونين لديهما شعور تاريخي بالغبن والظلم، وهما الكرد والعرب. وبدون معالجة الظروف التاريخية المرتبطة بسكان هذه المنطقة فلن يكون هناك استقرار.

وجود الولايات المتحدة في المنطقة قد يشكل ظرفا تاريخيا لمعالجة المشاكل العالقة عن طريق التوصل إلى عقد اجتماعي عادل يمثل نموذجا لسوريا الجديدة.

أول عمل قام به حزب البعث بعد استلائه على السلطة عام 1963 في سوريا هو اعتبار الأكراد عدوا له. بدأ السياسيون بانتهاج سياسات تهدف تغيير ديمغرافية المنطقة الكُردية بإنشاء ما سمي "الشريط الأخضر" على الحدود مع تركيا بطول 375 كيلومتر وعرض من 10 إلى 15 كيلومتر، بحيث يستبدل السكان الكُرد في هذه المنطقة بسكان عرب من محافظات أخرى لتشكيل حاجز بشري بين الكُرد في سوريا والأكراد في تركيا والعراق. وفي عام 1966 تم التصديق على نتائج الإحصاء الاستثنائي التي أجرته محافظة الحسكة عام 1962، وبموجبه سحبت الجنسية من 120 ألف مواطن كردي وسحب الاعتراف بالهوية الكردية، وحظرت اللغة والثقافة الكردية، وباتت المناطق الكردية مهمشة من الناحية التنموية والخدمية.

من المهم عقد اجتماعات كردية ـ عربية للتوصل إلى عقد اجتماعي يضمن للجميع حقوقهم السياسية والثقافية والاقتصادية

استمرت هذه السياسة بعد استلاء حافظ الأسد على السلطة. أضاف إليها حمايته لحزب العمال الكردستاني الماركسي الذي يطالب بحقوق الأكراد في تركيا، ولكنه استمر بسياسة البعث ضد الأكراد السوريين مما ضاعف الشعور بالغبن والظلم.

في الوقت عينه، قام حزب البعث بتأميم الأراضي الزراعية في منطقة الجزيرة للقضاء على التركيبة الاجتماعية والاقتصادية الموجودة هناك بهدف القضاء على الشعور بالهوية وبالانتماء إلى القبائل العربية؛ وقضى على الزعامات التقليدية ودفع زعماء جدد إلى الواجهة ضمن القالب السياسي البعثي. وقام بتحريض العرب والأكراد ضد بعضهم البعض على أسس الخلافات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أوجدها ليكون الحكم بينهم، وبالتالي يضمن سيطرته ونفوذه على الجميع.

مع بداية الثورة السورية، كان شعور الأكراد بوجود فرصة تاريخية للتحرر من القوانين الظالمة المفروضة عليهم، محفزا لهم للمشاركة بالثورة منذ اليوم الأول. ثم بدأ حزب العمال الكردستاني ببسط نفوذه على المناطق الكردية والعربية مستفيدا من قوة التنظيم الإداري والمؤسساتي والعسكري. وقام بطرد السكان العرب من مناطقهم وانتظر الفرصة لإنشاء الدول الكردية بدلا من دعم الثورة السورية لتحقيق العدل للجميع، وهو ما أدى إلى تضاءل الثقة، الضعيفة أصلا، بين الأكراد والعرب، الذين يفتقدون لقيادة سياسية أو لمشروع سياسي واضح المعالم أو حتى حزب سياسي يجارون فيه الطموح الكردي. وساعد النظام السوري، حزب العمال الكردستاني، عبر قصفه المناطق العربية فقط وفتح طريق الامدادات له في خطوة هدفت إلى منع أي تلاق عربي ـ كردي.

كانت حرب التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" الفرصة التي تنتظرها الأحزاب الكردية للحصول على الشرعية الدولية التي تبحث عنها. تحولت هذه الأحزاب إلى القوة الضاربة للتحالف على الأرض، وتم إقصاء العرب من هذه المعركة، رغم أنهم عانوا من احتلال "داعش" لأراضيهم ومن سياسات القتل اليومي الذي قام به التنظيم ضد العرب.

واستمرت سياسات الأحزاب الكردية تجاه العرب بعد تحرير المناطق العربية من "داعش" وتحكموا بكل مفاصل الحياة اليومية دون إبداء أي بادرة حسن نية تجاه جيرانهم العرب، مما زاد حدة التوتر العربي ـ الكردي في كل المناطق المحررة من "داعش". كما قامت الأحزاب الأكراد بتوظيف بعض قادة "داعش" المنشقين عن التنظيم في مراكز مهمة للتعامل مع العرب مما سبب عدم ثقة كبيرة بكل ما يجري على الأرض.

يعتمد "داعش" اليوم على الخلايا النائمة المنتشرة بكثرة في منطقة الجزيرة، بانتظار اللحظة المناسبة للعودة. تستفيد هذه الخلايا من ازدياد التوتر العربي ـ الكردي، في تكرار لما جرى في العراق مرات عدة، بهدف إعادة إنتاج "داعش" وتقديم نفسه كحامٍ للسنة أو العرب.

كذلك الأمر بالنسبة لإيران، التي تقوم بنشر التشيع بكل مكان تصل إليه. أما النظام السوري فيقدم نفسه كقوة ستنصف الجميع في منطقة الجزيرة.. وروسيا تعمل لتثبيت قوتها السياسية بعد أن انتهت من بناء قواعدها العسكرية.. الجميع يراهن على الفشل الأميركي في فهم عمق الخلاف الاجتماعي والتاريخي والثقافي بين مكونات المنطقة بتركيزه فقط على الجانب الاقتصاد.

يعتمد "داعش" اليوم على الخلايا النائمة المنتشرة بكثرة في منطقة الجزيرة، بانتظار اللحظة المناسبة للعودة

بالتالي، على الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي لمحاربة "داعش" اتخاذ خطوات سياسية سريعة وعملية لمنع عودة التنظيم الإرهابي، ومنع تكرار ما حدث بعد هزيمته في العراق وسد الثغرات التي يمكن أن تستفيد منها القوى الأخرى الموجودة.

يمكن لهذه الخطوات أن تساهم بإعادة تشكيل هوية المنطقة بحيث تعكس الواقع بشكل متوازن ما يساعد على بناء الثقة والاستقرار وإنتاج عقد اجتماعي جديد بين كل مكونات المجتمع.

من الخطوات التي يمكن القيام بها: التأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض أي فكر انفصالي؛ عقد اجتماعات كردية ـ عربية للتوصل إلى عقد اجتماعي جديد يضمن للجميع حقوقهم السياسية والثقافية والاقتصادية واحترام الخصوصية الثقافية لمكونات المجتمع؛ المحافظة على البنية الإدارية التي أوجدها الأكراد والتأكيد على التمثيل المتوازي لكل مكونات المجتمع بأشخاص لديهم كفاءات ويمثلون الثقل الحقيقي ويكون لهم دور حقيقي في اقتراح المشاريع التي تحتاجها مناطقهم وليس الدول المانحة؛ إقامة مشاريع بنى تحتية تخدم جميع مكونات المنطقة بشكل يومي وبدون تفرقة، مثل بناء مستشفيات مركزية ومحطات توليد كهرباء؛ إبعاد القيادات التي انشقت عن "داعش" من المراكز الإدارية والأمنية والاقتصادية المهمة؛ تطوير آلية انتقاء عناصر القوات العسكرية بحيث يكون هناك تمثيل متوازن في كل الرتب والمسؤوليات العسكرية وكذلك الأمر الشرطة المدنية ووضع ضوابط قانونية لتنفيذ ذلك؛ الاهتمام بالنازحين الذين يشكلون نسبة عالية من السكان والعمل على إعادتهم لقراهم وللدورة الاقتصادية؛ الاهتمام بالتعليم وحل مشاكل المتعلقة بالثأر.

إن استقرار هذه المنطقة يتطلب من جميع المكونات أن تقدم تنازلات والتعامل بحكمة وتبصر مع التحديات التي يواجهونها وإلا فالجميع سيخرج خاسرا.

بسام بربندي مؤسس "الشعب يريد التغيير"، يمكن متابعته عبر موقع تويتر @bbarabandi

نضال بيطاري المدير العام لـ"الشعب يريد التغيير".

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG