Accessibility links

على نهج زنوبيا.. سوريات يطالبن بالرئاسة ويرفضن الدستور


سوريات خلال ورشة مناقشة الدستور في مدينة الرقة

"يكفي غياب التاء المربوطة عند ذكر كلمة (الحاكم) بين سطور الدستور السوري، لأكون غير مقتنعة به"، بهذه الكلمات تعبّر الشاعرة السورية ماريا عجيلي عن عدم رضاها عن تمثيل المرأة في الدستور، وتضيف "لماذا يشترط الدستور أن يكون رئيس الدولة رجل؟، عند هذه الجملة تحديدا يعلو صوت الحضور بالضحك والهمسات، الحضور الذي من المفترض أنه يجتمع دورياً في مدينة الرقة لمناقشة الدستور السوري.

تحاول الشاعرة الجريئة تجاوز حالة التعجب التي علت جباه الحاضرين من ناشطين وحقوقيين ووجهاء مجتمع محلي، مستشهدة بتاريخ الملكات اللاتي حكمن البلاد العربية، عبر العصور الماضية، فمن بلقيس في سبأ، إلى ماريا في اليمن، وزنوبيا في تدمر، وكليوباترا وحتشبسوت في مصر، تضيف عجيلي "ما أريده فعلا هو الإيمان بقدرة المرأة على القيادة".

حالة جديدة بعد سنوات الحكم الأسود

تعيش عجيلي وهي أم لثلاثة أطفال، هذه الأيام حالة جديدة كانت تجهلها من قبل، تتعرف على تفاصيل دستور بلدها وتناقش تفاصيله عبر (ورشات الدستور) التي ينظمها بيت المواطنة برعاية مشروع وئام، وتضيف "قبل الثورة لم يكن لدي أي اهتمام بمعرفة تفاصيل الدستور، لكن خلال الأزمة تغيرت اهتماماتي وصار الدستور أحدها، يجب سن قوانين رادعة مع عقوبات مشددة بما يخص زواج القاصرت، إضافة إلى ضرورة وضع قوانين تحفظ حق الفتاة في الحياة والتعليم.

إحدى المشاركات في جلسات مناقشة الدستور السوري بمناطق سيطرة قسد
إحدى المشاركات في جلسات مناقشة الدستور السوري بمناطق سيطرة قسد

وعبر جلسات ومبادرات تقودها منظمات المجتمع المدني العاملة في مدينتي الرقة ودير الزور، تجتمع ماريا مع غيرها من المهتمين والمهتمات بالشأن السياسي، في حلقات نقاش موسعة.

فمنذ أواسط ديسمبر الماضي، تعمل منظمات عدة على تنظيم ورشات عمل وجلسات حوار، متعلقة بموضوع صياغة الدستور السوري واللجنة الدستورية التي انطلقت أعمالها في مدينة جنيف.

"أصبح لدينا صوت"

المناطق الشرقية بدأت تتعافى شيئا فشيئا من سنوات حكم داعش، والأحكام الجائرة التي فرضها على حرية الفكر والتعبير والحياة، ولاسيما فيما يتعلق بالمرأة.

اليوم تغيرت المعادلة. تقول وصال الإبراهيم خريجة العلوم الطبيعية التي تبلغ من العمر 30 عاما: "أصبح لدينا صوت، ولكن لايزال الخوف يسيطر على المرأة في التعبير عن آرائها السياسية حالياً نتيجة عدم الاستقرار السياسي".

جانب من جلسات مناقشة الدستور بمناطق سيطرة قسد
جانب من جلسات مناقشة الدستور بمناطق سيطرة قسد

وصال التي عاشت فترة ليست بوجيزة تحت الحكم الأسود لداعش تقول "في ظل داعش انعدمت الحياة السياسية نهائيا بالنسبة للجميع، وليس بالنسبة للمرأة فقط".

وعن رأيها بمشاركة الجنس اللطيف في السياسية تحت حكم قوات سوريا الديموقراطية تقول "المشاركة صورية غالباً بسبب عدم تعوّد المرأة في بلدنا على الاهتمام بالسياسة، البعض منهن قد يدخلن المعترك بحثاً عن مصدر رزق، عدا بعض الحالات القليلة المهتمة والفاعلة".

حماية من التحرش والابتزاز

تتفق ديانا الهويدي (خريجة علم اجتماع 29 سنة)، مع وصال بأن تمثيل المرأة في الحياة السياسية في المناطق التي تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، هي مشاركة شكلية، وتضيف "بعد حكم داعش عادت المرأة إلى الحياة العملية، ولكن فيما يتعلق بالسياسية واتخاذا القرار لا أرى لها دورا حقيقيا".

ومن أبرز الأفكار التي طرحتها الهويدي في نقاشات الدستور، ضمان حقوق المرأة داخل مؤسسات العمل يحميها من التعرض لأي شكل من أشكال الابتزاز أو التحرش، ومشاركتها في صنع القرار بشكل حقيقي وأن لا يكون ذلك مجرد كلام على الورق، إضافة لحق المواطن في محاسبة أي شخص يرتكب الأخطاء، حتى لوكان رئيس جمهورية.

ترفع سعاد الكردي (46 عاما) يدها لطرح مجموعة من التساؤلات التي تدور في بالها، مستفسرة عن فائدة وجود مجتمع مدني في اللجنة الدستورية إذا لم يكن له تأثير على القرارات مستقبلاً، وتقول "هل هو موجود من باب رفع العتب وإعطاء هذه اللجنة الشرعية؟، وتشير إلى أنها لسيت متفائلة كثيرا بقدرة الاجتماعات الحالية على التغيير أو الخروج برؤية جديدة لأن البلاد لم تصل بعد لحالة الاستقرار.

مهمة صعبة

يبدو أن مهمة المجتمع المدني صعبة وطويلة جداً في سوريا، حيث ترى الكردي أن الكثيرات من النساء يعتقدن أن لا دور لهن في الحياة السياسية، فهن غير مقتنعات أصلاً بأهمية مشاركة آرائهن، الأمر الذي يؤكده الناشط أحمد الشيخ وهو ميسر جلسات حيث يقول "هذه الجلسات عبارة عن آراء ترفع إلى اللجنة الدستورية، لكن الناس في هذه المنطقة في شمال شرق سوريا يعتبرون أنفسهم غير ممثلين في هذه اللجنة مع أن هذه المنطقة تشكل ثقلاً سكانياً ومركزاً للثروات".

كلام الناشط يعود إلى التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي عاناه السوريون عموماً، وأبناء المناطق الشرقية خصوصاً منذ عقود، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بمناقشة أي شيء يتعلق بالسياسة "فالحيطان لها آذان".

يستمع المشاركات لشرح حول مواد الدستور ثم تتم مناقشتها في الورشات
يستمع المشاركات لشرح حول مواد الدستور ثم تتم مناقشتها في الورشات

مياه راكدة منذ أربعين عاما

وتضمنت الورشات نقاشات موسعة مع مختصين للتعريف بالدستور وآليات صياغته، وتوضيح الفروق بين الدساتير وبين أنظمة الحكم وأنواعها، كما ركزت بعض الجلسات على وضع المرأة في الدستور، وصلاحيات رئيس الجمهورية ودور الجيش، وعلاقة الدين بالدولة، وحجزت مسألة فصل السلطات مساحة واسعة من النقاش وفي أغلب أوراق التوصيات والمقترحات.

وبينما بدت سعاد الكردي غير متفائلة كثيرا بقدرة هذه الاجتماعات على التغيير، تعوّل الشاعرة المتمردة عجيلي ورفيقاتها الجدد في معترك السياسة على ما طرحنه من أفكار، آملات أن تحرك هذه النقاشات شيئاً في مياه سوريا الراكدة منذ أكثر من أربعين عاما.

وحررت قوات سوريا الديموقراطية مناطق شرق سوريا من سيطرة تنظيم داعش بمساعدة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

XS
SM
MD
LG