Accessibility links

عمالقة الحلم وأقزام الواقع


ألونزو تراير وتوماس ساتورانسكي خلال مباراة فريقيهما مطلع هذا العام

رياض عصمت/

عادت بي الذاكرة مع انطلاق تصفيات بطولة كرة السلة الأميركية NBA إلى مطلع الشباب. منذ ذلك الحين نما عندي شغف بكرة السلة لا يتناسب مع طول قامتي، الذي يقارب طول داستن هوفمان ويزيد قليلا عن طول داني دي فيتو. الآن فقط، بعد مرور كل تلك السنين الطوال على جهلي سبب شغفي الغريب بكرة السلة، صرت أعزو ذلك بعد "الربيع العربي" إلى استبداد زملاء المدرسة الثانوية الذي استبعدني من قائمة فارعي الطول، غير عارفين بإنجازات اللاعب المحترف تايرون بوغوس (الملقب "ماغسي"، والذي لم يكن يتجاوز 160 سم إلا بقليل).

إبان الدراسة الجامعية، حين كان يبلغني صديقي الذي كان يلعب كرة السلة مع ناد محترف بأنه مضطر لقطع دراستنا والذهاب باكرا لتشجيع فريق الفتيات قبل مباراة الشباب، كنت أجاريه متحمسا، وأهرول من بيتي البعيد لأشجع فريقي البنات والشباب معا ما يزيد عن أربع ساعات، و"كرمال عين تكرم مرج عيون".

أما السبب الأخير لعشقي رياضة كرة السلة، فأعزوه إلى جملة دأب أن يرددها أحب أساتذتي إلى قلبي آنذاك، إذ دأب على القول: "يا ابني، السوريون لا يجيدون إلا ألعاب /الجمشنة/، كرفع الأثقال والمصارعة. إنهم لا يحسنون أداء الألعاب الجماعية، لأن روح التعاون تنقصهم".

ما أن بدأنا اللعب حتى "غلب الطبع التطبع" وانحصرت التمريرات بين أبناء طائفة أو أخرى

​للأسف، لم تكن عضلاتي تسمح لي بمزاولة المصارعة أو رفع الأثقال، كما لم يسمح لي طولي لعب كرة السلة. لذا، وجدت من الأجدى أن أتمرن على الجري السريع للهرب من العمالقة وضخام العضلات، ربما لتطبيق المثل الشعبي مستقبلا: "الهريبة ثلثي المراجل".

هكذا، رحت أطرق أبواب الرياضة الأخرى "لأقطف من كل بستان زهرة". انتقلت من محاولة فاشلة لتعلم التنس إلى الاكتفاء بلعب البينغ ـ بونغ، ومن دورة مكثفة في الجودو إلى التطوع كحارس مرمى كرة اليد التي يتهرب منها الجميع لأنها "تفكش" الأصابع. خلال كل تلك المحاولات المتقطعة في مختلف مجالات الرياضة، ظلت عقدتي الكامنة هي توقي الشديد لممارسة كرة السلة، لعبة العمالقة التي حرمت منها رغما عني.

أخيرا، جاءتني الفرصة السانحة إبان التحاقي بالخدمة الإلزامية لممارسة رياضة كرة السلة دون مدرب. هكذا، عشوائيا اقتحمت عالم كرة السلة "بالعافية" ـ حسب تعبير أشقائنا المصريين ـ متعلما من أخطائي وعثراتي عبر ارتجال غير مدروس.

كنا مجموعة شباب يؤدون خدمة العلم يضمون سنة وشيعة وعلويين ومسيحيين من طوائف مختلفة، إضافة لتواجد أفراد في المعسكر من الأكراد والأرمن والشراكسة. كان بين زملائي لاعب ممشوق القوام عاد حديثا من دراسته في باريس، حيث كان يلعب مع فريق فرنسي في الدوري المحترف. الحق يقال، تعلمت شيئا من اللعب عبر تنطعي لمراقبة ذلك الزميل البارع، ومن محاولاتي الفاشلة لمنعه من التسجيل، إذ كان ينسل كالنمر، يقفز كالغزال، ويفلح في تسجيل النقاط من بعيد أو قريب.

ذات يوم، أوصلتني حماستي الزائدة عن الحد إلى أن أصابني مرفق زميل ضخم من فريقي نفسه خلال قفزة مجنونة بجرح غائر على جبيني، نقلت على أثره للمستشفى على عجل حيث قطب لي ممرض مبتدئ الجرح النازف على عجل من دون تخدير.

عندما نزلت إلى دمشق في عطلة الأسبوع التالية، صارت تتردد على ألسنة الناس في الشارع عبارات التعاطف معي والرثاء لي كأحد ضحايا الحرب، دون أن يخطر ببال أحد أنني من ضحايا كرة السلة.

خلال عملي الصحفي في مجلة "جيش الشعب" الأسبوعية أنشأت مع زملائي المحررين فريقا جديدا ضم مرة أخرى شبانا من مختلف الأديان والطوائف والقوميات.

ذات مرة، ألححنا على زميل لنا من جبل العرب تخرج من الولايات المتحدة أن يرينا مهاراته المكتسبة من إقامته خمس سنوات في بلد كرة السلة الأول في العالم. رمى زميلنا الكرة من مسافة بعيدة جدا، فإذا بها تخترق السلة وتحرز ثلاث نقاط. صحنا مبتهجين، وتقافزنا حوله بحماسة، وركضنا نحتضنه معاتبين لأنه اكتفى طوال الفترة الماضية بالوقوف متفرجا بتواضع بدلا من تلقيننا أصول اللعب. خيل إلينا أننا كسبنا لاعبا استثنائيا سيشكل وجوده دعما هائلا لفريقنا الطموح. تنافسنا في إقناعه بأن ينضم لهذه المجموعة أو تلك، لائمين إياه على تواضعه وإنكاره لمهارته المذهلة في التسجيل. صدق زميلنا الإطراء وغرَّه الثناء، فانضم إلينا على مضض.

للأسف، خلال نصف ساعة لم يتمكن من تسجيل رمية واحدة من عشرات المحاولات، لا من بعيد ولا من تحت السلة، فتأكدنا أنه نطق بالصدق وأننا خدعنا بالرمية الأولى التي كانت مجرد ضربة حظ.

خلال تمريننا شبه اليومي بعد انتهاء ساعات عملنا المكتبي، صرنا نقضي ساعتين أو ثلاثا ونحن نمرر الكرة بيننا ونسجل النقاط. سرعان ما خيل لنا أننا نتقن اللعب، لأننا كنا نباري بعضنا بعضا. انسقنا لأوهام الغرور بأننا ماهرون كفاية في اللعب لنخوض غمار المباريات.

اقترح زميلنا المحرر الرياضي للمجلة إقامة مباراة لنا مع ناد من الدرجة الثانية. ذهبنا إلى ملعب الخصوم، وما أن بدأنا اللعب حتى "غلب الطبع التطبع" وانحصرت التمريرات بين أبناء طائفة أو أخرى، وبرزت الأنانية المفرطة بين الرفاق في محاولات تسجيل النقاط، وظهر جليا عدم التعاون مع أبناء الطوائف والقوميات الأخرى. زاد الطين بلة أن اختيارنا وقع على مدرب خلال المباراة لمجرد كونه الأعلى رتبة، لكنه كان شخصا لا يفقه شيئا في كرة السلة ولم يمارسها في حياته قط، فصار يبدل اللاعبين على أساس الانتماء الطائفي، متحيزا لهذا تارة، ومتحاملا على ذاك أخرى، حتى ضاعف وجوده أخطاءنا وأسهم في تخبط أدائنا.

كانت النتيجة الطبيعية أننا منينا بهزيمة شنعاء، وتعرضنا إلى "بهدلة" لا قبلها ولا بعدها. بالطبع، ما أن عدنا خائبين ومحبطين إلى قواعدنا حتى أخذنا نتراشق الاتهامات بنزق وحماقة، وصار كل منا يلقي اللوم على زميله في صراع محتدم أشبه ما يكون بتوهج جمر سياسي كامن تحت الرماد في تلك الحقبة المضطرمة بالتوجس والريبة.

بعد حوالي أسبوع من توقفنا التام عن اللعب وسلامنا الجاف على بعضنا بملامح مكفهرة، عاد شغف ممارسة كرة السلة يلح علينا كالوسواس الخناس، فصالح زميلنا المحرر الرياضي أفراد الفريق، متفلسفا حول درس الهزيمة.

هكذا، عدنا نصول ونجول في ملعبنا كالعمالقة بعيدا عن الحلم بمنافسة لاعبين من جيل الشباب. ما أن مضت فترة وجيزة حتى عاد صديقنا المحرر الرياضي يزين لنا فكرة دعوة فريق "اتحاد العمال" لنباريه على ملعبنا هذه المرة، فربما كان انتقالنا لملعب الفريق المنافس هو سر رداءة أدائنا الكروي. تمنعنا في البدء، ثم صدقنا الوهم وأغرانا الأمل، فوافقنا.

تعلمنا أهمية الأداء الجماعي بعيدا عن الأنانية والتفرد والمحسوبية والشللية

جاء اليوم الموعود، ونزلنا إلى الملعب لنستقبل الفريق المنافس، ففوجنا بأنه يضم لاعبا عملاقا يتجاوز طوله المترين، بحيث بدا أطولنا قامة أمامه أشبه بقزم. لعبنا واضعين نصب أعيننا درس الهزيمة الماضية، فتمكنَّا في تلك المرة بفضل تعاوننا الجماعي وتحملنا المسؤولية من التغلب على منافسينا بالفطنة قبل الطول، وبانسجام الأداء بدلا من الأنانية، وبالأداء الجماعي عوضا عن اللعب الفردي. هكذا، انتابنا شعور مبهج بالنصر في نهاية المباراة كأننا ربحنا كأس الجمهورية.

لا شك أننا تعلمنا خلال ممارستنا كرة السلة في ذلك الماضي الحافل بالسذاجة والغرور، بالجهل والتعنت، كثيرا من الدروس. تعلمنا أنه يجب على المرء أن يتحلى بالواقعية لدى تقدير حجم كفاءته، وأنه ليس منطقيا الخلود إلى الأوهام حول مدى القدرة على إحراز النصر، فالفوز في الختام لا يتم بالادعاء والأوهام.

ثانيا، تعلمنا أن التجرؤ على منافسة شبان أشد لياقة وأكثر استعدادا، بشروطهم وليس بشروطنا، على أرض ملعبهم وبين جمهورهم، هي حماقة ما بعدها حماقة، ولا بد أن تكون نتيجتها الحتمية هزيمة مذلة، وأنه من الأفضل في هذه الحالة تجنب خوض النزال لنحتفظ بالكرامة.

ثالثا، تعلمنا أهمية الأداء الجماعي بعيدا عن الأنانية والتفرد والمحسوبية والشللية، لأن الانتصار الحقيقي لا يصنعه إلا فريق متكامل، متعاون ومنسجم الأداء.

أقترح إقامة دورات مكثفة في كرة السلة لكل أعضاء حكومة جديدة تشكل في العالم العربي قبل استلامها لحقائبها، وذلك بغض النظر عن العمر والطول.

اقرأ للكاتب أيضا: هل ما زال أمل الديمقراطية ممكنا؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG