Accessibility links

عملية تدوير المربع


الخطة التي أعلن عنها الرئيس وبجانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو سرعان ما واجهت غضبا شعبيا عربيا

مالك العثامنة/

إذا كان الجميع في الشرق الأوسط محظوظا بما فيه الكفاية، فإن خطة السلام الأميركية التي عرضها الرئيس دونالد ترامب في احتفال "ترفيهي" ضخم، لن يخرج منها شيء حقيقي، على الأقل فهي لن تنتج سلاما شاملا وعادلا في المنطقة كما يتصور واضعوها.

الخطة التي طبخها ويتوكل بالدفاع عنها كبير مستشاري الرئيس "وصهره" السيد جاريد كوشنر يبدو أنها صيغت أيضا بإشراف عدد من اليمينيين المتطرفين المؤيدين لإسرائيل، ومن الواضح أن هناك غيابا كاملا للبيروقراطية الدبلوماسية الأميركية من طواقم وزارة الخارجية وهم الملمون والعارفون عن خبرات طويلة بالشرق الأوسط وتفاصيله، وبالتواصل مع بعضهم من سابقين وعاملين لمست رفضا واضحا للخطة برمتها، فالخطة كما يبدو غاب عنها كل تفاصيل ذلك الشرق أوسط بواقعه ووقائعه وتعقيداته ولم يكن فيها إلا حشوة إسناد انتخابي للسيد نتانياهو وبعض الإبهار الترفيهي الكافي للفت الأنظار.. أو صرف الأنظار.

الخطة التي أعلن عنها الرئيس وبجانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو سرعان ما واجهت غضبا شعبيا عربيا عاصفا وكلمة نارية "ثورية" غير مسبوقة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أعادت إلى الذاكرة "زمن الكفاح الفلسطيني المسلح"، وموقف أردني لافت برفض للخطة الأميركية من خلال تكرار الحديث والتمسك بحل الدولتين (وهو ما أشارت إليه الخطة لكن بشروط جديدة)، على عكس الموقف الرسمي المصري الذي دعا إلى قبول الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني للخطة والبناء عليها، وهي وجهة نظر لا يمكن إغفالها بعد التمعن في نقاط الخطة الغامضة والمبهمة رغم كل التوضيحات المرافقة لها.

كثيرون في إسرائيل نفسها ينتقدون الخطة، كثيرون في واشنطن يرون فيها عبثا لا معنى له

أهم بنود الخطة، كان فيها صعود وهبوط، نقاط يمكن فهمها (أو تفهمها والبناء عليها) ونقاط أكثر لا يمكن بأي حال إلا الوقوف بحيرة أمامها ومفتوحة على كل تأويل ممكن.

في الخطة مثلا:

- تتحدث الخطة عن "دولتين" مع ضمان "أمن إسرائيل"، الحديث عن دولتين لا يزال يراوح مكانه أصلا منذ عقدين بلا نتيجة، وأمن إسرائيل هو الأكثر وضوحا في باقي بنود الخطة لكن هل هي فعلا خطوات حقيقية تحقق أمن إسرائيل فعلا؟

- حسب "هآرتس" فإن الخطة تنص على (تشكيل لجنة تضع "أو ترسم" خارطة مفصلة كأساس للمفاوضات)، وهو نص مبهم جدا، لم يحدد أطراف اللجنة، هل الفلسطينيون جزء منها؟ هل هي إقليمية تشمل الأطراف الأخرى؟ هل رسم الخارطة يعني خارطة حقيقية (كالتي نشرها الرئيس ترامب بعد الإعلان) أم المقصود مجازا "خارطة طريق"؟ ألم يكن هناك خارطة طريق برعاية أميركية تم الاتفاق عليها في سنوات سابقة؟ وأي مفاوضات وبين من ومن بالضبط؟

تلك أسئلة أكبر حجما من نص البند نفسه.

- القدس (أورشليم) هي عاصمة إسرائيل، بدون أي تقسيم للمدينة! وهذا يعارض كل ما قامت عليه اتفاقيات أوسلو ومدريد بل وحتى القرارات الدولية طوال سنوات الصراع. لكن المفارقة والغموض تكمن في البند الذي يتعلق بعاصمة (الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح ذات السيادة والحكم الذاتي ـ وهذا وحده لغز بلا حل على الإطلاق).

- (العاصمة الفلسطينية ستكون في شرق القدس في الأحياء التي ما بعد "الحواجز")، ونحن هنا أمام تأويلات عديدة، فهل المقصود القدس الشرقية التي يطالب بها الفلسطينيون أنفسهم؟ وهذا مستبعد لأن الخطة قررت "من طرف أميركي واحد" أن القدس كاملة عاصمة لإسرائيل ولن يتم تقسيمها! فهل المقصود أي مناطق شرق المدينة مما يعيدنا إلى "مشروع أبوديس" في عهد إدارة كلنتون، أو ربما أي حي آخر، خلف الحواجز، ثم أي حواجز بالضبط؟

- (دولة فلسطينية متصلة الأراضي مع مضاعفة المساحة)، وهذا بترجمته الواقعية على الأرض يعني تخلص إسرائيل من أراضي وقرى عربية في الخط الأخضر، مقابل توسيع مستوطناتها القائمة أساسا، لتكريس يهودية الدولة.

- (الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل)، وهي خطوة يجب الانتباه إليها جيدا وبحذر، لأنها ستعزز صراع الهويات الدينية في إقليم متفجر عرقيا ودينيا، وقد تكون تمهيدا شرعيا لدول دينية أو قومية جديدة في المنطقة مما يهدد السلام من جديد ويقضي على أي مشاريع ديمقراطية.

- (لن يقتلع فلسطيني أو إسرائيلي من بيته) وعلى أرض الواقع فعليا فلا يوجد إسرائيلي يقتلع من بيته إلا بأمر إسرائيلي في حال إزالة مستوطنات، لكن ماذا لو كان قرار إزالة بيت فلسطيني أو إخراجه من بيته محمي بقرار محكمة إسرائيلية، هل يتفوق هذا البند على قرار "محكمة" إسرائيلية؟ ومن يمكن له حسم الجدل في حال نشوء نزاع حول تلك النقطة؟

- (ستعمل إسرائيل مع ملك الأردن بشأن المقدسات في القدس)، لكن هذا متفق عليه وبالتواقيع والحضور والشهود الدوليين وبرعاية أميركية وأممية في معاهدات واتفاقيات موقعة مسبقا. مما يضعنا أمام سؤال مصيري مهم: هل خطة السلام الأميركية تعني إلغاء كافة الاتفاقيات السابقة والبدء من جديد؟

- (إنهاء اعتماد الفلسطينيين على المساعدات) ثم (شق اقتصادي من الخطة يتضمن استثمارات بـ 50 مليار دولار وإيجاد أكثر من مليون وظيفة في الاقتصاد الفلسطيني وكذلك مضاعفة الناتج المحلي الاجمالي للاقتصاد الفلسطيني وأيضا خفض معدلات البطالة لتصبح أقل من 10 في المئة مع الحد من الفقر إلى النصف)! كيف يمكن فهم ذلك ضمن مصفوفة واحدة في خطة واحدة وهضمه بالمنطق؛ بمعنى آخر: كيف يمكن وقف الاعتماد على المساعدات ثم الاستناد إلى المساعدات لتحسين الوضع الاقتصادي؟

الحديث عن دولتين لا يزال يراوح مكانه أصلا منذ عقدين بلا نتيجة

- (الولايات المتحدة ستعترف بالأراضي التي تراها تابعة لإسرائيل)، وهذا قرار يصادر حق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم، وكذلك ومن زاوية أكثر عمقا، يصادر حتى حق الإسرائيليين.

- (سيتم منح اللاجئين الفلسطينيين خيارات إما "العيش" في حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية، أو الاندماج في الدول التي يعيشون بها، أو إعادة توطينهم في بلدان "طرف ثالث"). وهذا ربما أكثر البنود إبهاما وخطورة، فمن الذي سيمنح بداية؟ وهل سيتم استثناء الدول المضيفة للاجئين من إبداء الرأي على الأقل وهو حق سيادي بما يتعلق بتوطين هؤلاء اللاجئين؟

في المحصلة:

كان الملك الأردني قد تحدث سابقا عن "النصف المليء من الكأس"، وربما هذا دلالة على علمه المسبق ببنود الخطة وهو ما ذهبت إليه الخارجية المصرية في بيانها الذي دعا إلى تأمل الخطة ووضعها موضع القراءة والدرس من كل الأطراف.

ربما أهم ما في تلك الخطة الغامضة ومستحيلة التحقق بكامل بنودها مجتمعة، أنها ألقت حجرا كبيرا جدا في مياه الشرق الأوسط الراكدة، والله وحده يعلم أين سيصل الحجر في القاع، وأين سيصل مدى الأثر من سقوطه، لكنها حركة كبيرة في مياه راكدة منذ مدة طويلة.

هي خطة، كما يقول البيت الأبيض، وتحقيقها واقعيا لن يتم ولا يمكن إتمامه بدون أطرافها الأصليين مهما رقص السيد نتانياهو محتفلا ببهجة الحفل الاستعراضي في واشنطن.

كثيرون في إسرائيل نفسها ينتقدون الخطة، كثيرون في واشنطن يرون فيها عبثا لا معنى له.

ربما سيكون الرهان الفلسطيني على كل هذا الغموض مستحيل التحقق، وعلى معارضة داخلية من واشنطن وتل أبيب تضع الخطة على الرف، تماما إلى جانب مبادرات سابقة، ربما إلى جانب مبادرة "ريغان" الشبيهة جدا للخطة والتي ولدت ميتة عام 1982.

اقرأ للكاتب أيضا: "ماذا لو" حلمنا بسلام واقعي؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG