Accessibility links

عن خذلان الأميركيين لثورة أهل السودان


متظاهر سوادني يرفع شعار: "مدنية... مدنية عشان عيون أطفالنا"

منصور الحاج/

حين بدأ الإسلاميون تنفيذ مخططهم لاختطاف الثورة السودانية من أنصار الحقوق والحريات، كانت أولى التهم التي وجهوها إلى الثوار هي "موالاة الكفار" مستشهدين بأن القائم بالأعمال الأميركي في العاصمة السودانية الخرطوم قد شوهد في وسط الثوار أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة، بحسب الكلمة التي ألقاها ناصر رضا رئيس لجنة الاتصالات المركزية لـ"حزب التحرير" في اللقاء الذي عقده المجلس العسكري الانتقالي مع رجال الدين بالسودان.

ومن "المآخذ" التي عددها رجال الدين السلفيين والإسلاميين على الثوار وقياداتهم في تجمع المهنيين والقوى الموقعة على "إعلان الحرية والتغيير" هو أنهم "ملحدون" و"مرتدون" يعشقون الغناء ويدخنون الحشيش ويختلطون مع الإناث ويسعون لفصل الدين عن السياسية وانتهاج العلمانية كنظام لإدارة شؤون البلاد.

عانى الشعب السوداني أشد المعاناة مع نظام الإخوان المسلمين

وفيما بارك الإسلاميون والجهاديون حول العالم والأنظمة الداعمة لهم فكرة الانقلاب على أنصار الديمقراطية حيث بدأ النظام القطري في تسليط الأضواء على الإسلاميين ومن ضمنهم تكفيريون مؤيدون لداعش كمحمد علي الجزولي، وفيما أبدت كل من السعودية والإمارات المعروف عنهما عداءهما للديمقراطية وحقوق الإنسان، ترحيبا بالمجلس العسكري الانتقالي وقدمتا له الدعم المالي وشرعتا في تنفيذ خطة لوأد الثورة السودانية، التزمت الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالصمت وتركوا من يشتركون معهم في القيم والمبادئ فريسة سهلة للإسلاميين من جهة وأنصار الثورة المضادة وداعمي العسكر من جهة أخرى.

الالتزام الغربي بالصمت، يسمح لهذه الدول بأن تتمدد داخل السودان، وتنقل إليه صراعاتها وسياساتها، وهي خطوات تتناقض حكما مع سعي الثوار السودانيين إلى العالة والديمقراطية والحرية.

إن قرار الإدارة الأميركية بعدم تأييد الثورة السودانية وأنصار الديمقراطية علانية ورفضها الضغط على المجلس العسكري بكل الوسائل التي تملكها من أجل التنازل عن السلطة وتسليمها لحكومة مدنية قد تكون له تبعات ونتائج كارثية على السودان ومنطقة القرن الأفريقي ومصالح الولايات المتحدة في أفريقيا بل وحتى على الأمن القومي الأميركي.

وكما أضاع الرئيس السابق باراك أوباما فرصة دعم الثورة الخضراء في إيران عام 2009 وعض نظره عن قمع النظام الإيراني للمتظاهرين السلميين أنصار الديمقراطية وما تمخض عن ذلك من نتائج أبرزها إحكام نظام ولاية الفقيه قبضته على السلطة وتبنيه نهجا أكثر تشددا داخليا وخارجيا ومضاعفة جهوده في عمليات تخصيب اليورانيوم ليشكل تهديدا أكبر مما كان عليه لدول المنطقة وحلفاء أميركا ومصالحها.

بارك الإسلاميون والجهاديون حول العالم والأنظمة الداعمة لهم فكرة الانقلاب على أنصار الديمقراطية

إن إدارة الرئيس ترامب تكرر نفس الخطأ الذي وقع فيه سلفه أوباما وتمنح النظام في السودان الذي تحالف مع ألد أعداء الولايات المتحدة وقدم الدعم لتنظيم "القاعدة" لتنفيذ هجمات على مصالح ومنشآت أميركية الفرصة لإعادة إنتاج نفسه من جديد عبر المجلس العسكري الذي يتآمر مع الإسلاميين لوأد الثورة وحماية رموز النظام المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لقد عانى الشعب السوداني أشد المعاناة مع نظام الإخوان المسلمين وذاق الويلات بسبب سياساتهم العنصرية بحق الأقليات الدينية والعرقية وكل الشرائح التي تحمل فكرا مخالفا لهم، فقتلوا مئات الآلاف في إقليم دارفور وجنوب السودان وشردوا الملايين إلى دول الجوار والآلاف إلى المنافي ومثلهم في المعتقلات، ولذلك يشدد الثوار على تمسكهم بثورتهم التي فقدوا فيها العشرات منذ بدء الحراك في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وهم على استعداد لتقديم المزيد من التضحيات في سبيل إنجاح الثورة وتحقيق أحلامهم في العيش في دولة تسع جميع المواطنين وتكفل لهم الحرية والسلام والعدالة.

إن الشعب السوداني بجميع شرائحه يقف خلف الثوار ويدعم تجمع المهنيين بما فيها الجماعات المسلحة والأحزاب السياسية والأقليات الدينية كالمسيحيين الذين سجلوا حضورا بارزا في الاعتصام إلى جانب العنصر النسائي الذي لعب دورا بارزا في إنجاح الحراك. وهذا يثبت أن الموقف الأميركي من الثورة يتنافى مع القيم والمبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة وتحرص على نشرها حول العالم.

إن الولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى حليف قوي في أفريقيا يشترك معها في الرؤى فيما يتعلق بالحقوق والحريات والديمقراطية لقع الطريق على كل من الصين وروسيا اللتان تسعيان لمد نفوذهما في القارة السمراء وإن كان ذلك على حساب الشعوب.

الالتزام الغربي بالصمت، يسمح لهذه الدول بأن تتمدد داخل السودان

إن التحديات الكبرى التي تواجهها شعوب القارة الأفريقية التي تعاني من ارتفاع نسب البطالة وسيطرة الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة على مقاليد السلطة والحركات المسلحة والجماعات الجهادية المنتشرة في كل من الصومال وكينيا وليبيا ومصر ومالي وتشاد ونيجيريا والكاميرون والنيجر وبوركينا فاسو والكونغو وتونس والجزائر والمغرب وغيرها من الدول، تتطلب حرصا أكبر من القوى الدولية على منع تمدد الجهاديين إلى مناطق جديدة. وفي الحالة السودانية هذا يعني دعم الثورة الشعبية وتسريع عملية انتقال السلطة إلى القوى التي أطاحت بالنظام السابق وذلك لقطع الطريق أمام الإرهابيين ومن يقف خلفهم.

لا تزال الفرصة مواتية للولايات المتحدة والقوى الغربية، لكي تتدارك الخطأ وتعلن تأييدها ووقوفها خلف الثورة الشعبية في السودان والانتصار لأنصار الحقوق والحريات قبل فوات الأوان، كما يجب على الأميركيين من أصول سودانية الضغط على ممثليهم والتواصل مع المسؤولين من أجل إقناعهم بأن دعم الحراك الثوري في السودان يصب في مصلحة الأمن القومي الأميركي ومصالح أميركا في قارة أفريقيا.

اقرأ للكاتب أيضا: مؤامرة الجماعات الجهادية ضد الثورة السودانية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG