Accessibility links

عن قضية اختفاء جمال خاشقجي


لافتة تقول: "أين جمال خاشقجي" خلال اعتصام أمام القنصلية السعودية في اسطنبول

بقلم نيرڤانا محمود/

تصريحات، تسريبات، نظريات، واتهامات. كثر الحديث عن لغز اختفاء جمال خاشقجي، وبالرغم من كل هذا اللغط مازلنا لا نعرف الحقيقه.

اختلفت كثيرا مع كتابات جمال خاشقجي ودفاعه عن الإسلام السياسي، وخصوصا بعد ان استمر على هذا النهج، حتى بعد أن غير عباءته وقدم نفسه على أنه "ليبرالي إصلاحي".

ولكن في الوقت نفسه، يقشعر بدني من مجرد التفكير أن إنسانا أيا كانت توجهاته وآراؤه يخطف ويعذب أو يدفع حياته ثمنا لقلمه. فسياسة القمع والقهر وتكميم الآراء والدكتاتوريات هي ما أوصلت منطقتنا إلى الوضع البائس الذي نعاني منه جميعا منذ عقود. وأدعو الله أن يكذب الظنون بخصوص حياة جمال، وأن يعود لأسرته وأحبائه.

الاستبداد في منطقتنا موضوع معقد وشائك لم يبدأ ببن سلمان ولن ينتهي بانتهاء حكمه

قضية اختفاء جمال خاشقجي تشكل امتحانا صعبا لكل أطرافها؛ السعودية وتركيا وحلفائها والولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وحتى النشطاء والكتاب العرب والغربيين.

أفقدت القضية الجميع توازنه. ساد الغضب والانفعال مواقف الجميع، مما أضاع الحقيقة بين الأطراف المتناحرة المستمرة بتصويب سهامها إلى بعضها الآخر.

فعلى الصعيد التركي، اختار الرئيس التركي كلماته بعناية قصوى، وحرص الموقع الرسمي لوكالة الأناضول التركية على استخدام مصطلحات كـ"اختفاء أو إخفاء" بدلا من كلمه "قتل".

وبالرغم من حالة العداء بين المسؤولين الأتراك والإعلام الغربي منذ القبض على القس الأميركي أندرو برانسون وتداعيات ذلك، والتي طالت فيما طالت الليرة التركية وأدت إلى هبوط قيمتها مقابل الدولار، إلا أن المسؤولين الأتراك لم يجدوا غضاضة في الحديث للإعلام الغربي وتسريب معلومات حساسة عن ملابسات الحادث.

اقرأ للكاتبة أيضا: أوكازيون الجنسية التركية

فتح الإعلام التركي الباب على مصراعيه لبرلمانيين ومسؤولين وصحافيين أتراك كي يدلوا بتصريحات، معظمها متخبطة، عما حدث لجمال خاشقجي. وهذا مما بدد، بحسب وصف صحيفة "أحوال" المعارضة، جانب المهنية المتوخاة للوصول إلى الحقيقة ووسع من مساحة التضارب في الآراء والتكهنات.

لم يكتف بعض المسؤولين الأتراك بتأكيد احتمال مقتل خاشقجي داخل القنصلية السعودية، بل سربوا أيضا أسماء من يدعون أنهم 15 عنصرا أمنيا سعوديا واتهموهم بقتل خاشقجي.

بعض هذه التسريبات تم تفنيدها. فبينما زعمت صحيفة تركية أن ساعة "آبل ووتش" كان يرتديها خاشقجي سجلت مقاطع صوتية للحظات التحقيق معه وتعذيبه وقتله داخل القنصلية السعودية وأرسلتها إلى هاتفه الجوال الذي كان بحوزة خطيبته، نشر موقع CNN تقارير عن خبراء يؤكدون عدم إمكانيه حدوث هذا الربط بين ساعة آبل والهاتف في تركيا.

يعكس الفارق الكبير بين الخط الرسمي والأداء الصحافي التركيين سياسة تعتمدها مرات كثيرة القيادة التركية، وهي اللعب على الحبلين. تهدف هذه السياسة إلى إدانة المملكة العربية السعودية أمام المجتمع الدولي، ولكن من دون تصعيد دبلوماسي رسمي ضد المملكة.

تهدف الازدواجية للضغط على السعودية لتغيير سياستها العدائية ضد محور الإسلام السياسي في المنطقة، والذي تقوده تركيا وقطر. يتماشى هذا الهدف مع السياسة التركية منذ بداية الأزمة القطرية، والتي اتسمت بالعداء تجاه دولة الإمارات في مقابل الحفاظ على "شعرة معاوية" في علاقتها مع السعودية. ربما حان وقت الضغط على المملكة لكي تمتثل للخط التركي في المنطقة.

ومع ذلك أتوقع أن هذا الهدوء الرسمي لن يطول، وأن المواجهة التركية ـ السعودية آتية لا محالة؛ لأن الوصول إلى حل وسط بعد التسريبات التركية الدرامية بات أمرا صعبا للغاية.

ليست هذه المواجهة المحتملة مع تركيا التحدي الوحيد الذي يواجه السعودية. فكما يقول المثل الشعبي "العيار الذي لا يصيب يدوش". فعلى الرغم من التناقضات العديدة في الروايات التركية المتتالية، إلا أنها نجحت في إقناع العديد حول العالم بأن السعودية تقف وراء اختفاء جمال خاشقجي.

الاستجابة السعودية للتسليط الإعلامي الغربي والتركي على القضية جاءت، للأسف، بطيئة. فبينما توقع البعض أنها "زوبعة ستنتهي بفاشوش" كما كتب محمد آل الشيخ، فضل البعض الآخر نظرية المؤامرة لتفسير ما يحدث، بل وإنحاء اللوم على المحور القطري.

أتفق مع الكاتب فارس خشان في قوله "كثيرون ممن يحملون في هذه الأيام قضية الاختفاء الدراماتيكي للصحافي جمال خاشقجي، لا يفعلون ذلك، حبا بالحرية، بل كرها بالسعودية".

وكذلك اتفق أن الدور القطري وقنواتها الإعلامية، وعلى رأسها الجزيرة، واضح ضد المملكة.

ولكن الإنكار وتسليط الضوء على دور أعداء السعودية والتهديد بعقوبات اقتصادية مضادة لن يوقفوا الحملة على المملكة، التي تواجه الآن عاصفة قد تكون الأعنف في تاريخها.

وعلى صعيد آخر، ما زال البعض في الأوساط الغربية يعتقد، بشيء من الغرور، أن الغرب هو مفتاح الحل لإنهاء الدكتاتورية في الشرق الأوسط، وأن لغز اختفاء جمال خاشقجي يمثل فرصة ثمينة للتخلص من حكم آل سعود، أو على الأقل التخلص من ولي العهد محمد بن سلمان.

يرى هؤلاء أن الاستبداد في الشرق الأوسط كالأفعى، إن قطعت رأسها زال سمها؛ وأن انهيار حكم آل سعود، الداعم للعديد من الأنظمة الشمولية العربية الأخرى، سيقضي تماما على الديكتاتورية في الشرق الأوسط ويؤدي إلى ربيع عربي جديد وناجح.

وكأن رحيل القذافي وصدام لم يؤت بعشرات من المستبدين والقتلة يستبيحون الحرمات ويقتلون الأبرياء. وكأن قتل نساء وأطفال العراق كالطفل حمودي المطيري
جاء علي يد الحاكم المستبد.

الحق والعدل لجمال خاشقجي هو السبيل الوحيد للخلاص من الفتنة

مع الأسف، إن الاستبداد في منطقتنا هو نتاج موروثات ثقافية واجتماعية وسياسية أدت إلى انتشار الانتقائية، حتى بين الإصلاحيين، حيث يتقبل بعضهم استبداد الصديق، ويرفضون استبداد العدو.

لنرجع إلى كتابات خاشقجي؛ فلن تراه كتب سطرا واحدا عن استبداد صديقه أردوغان أو عن مئات من زملائه الصحفيين والكتاب والسياسيين المعتقلين ـ بغير حق ـ في السجون التركية. بالطبع هذا لا يبرر، بأي حال من الأحوال، إيذاء جمال. فخطفه أو قتله جريمة شنعاء لا يمكن التغاضي عنها.

ولكن يجب أيضا الاعتراف بأن الاستبداد في منطقتنا موضوع معقد وشائك لم يبدأ ببن سلمان ولن ينتهي بانتهاء حكمه. وأن تسطيح قضية خاشقجي وتصويره كأنه كامل الأوصاف هو تبسيط خاطئ قد يؤدي إلى رد فعل معاكس بين أوساط السعوديين ويجعل كثير منهم يلتفون حول ملكهم، ضد ما يرونه من تجمع الأحزاب الإيرانية، والقطرية، والغربية ضدهم.

اقرأ للكاتبة أيضا: المقامرة القطرية في تركيا

وفي النهاية أعلم أن الأقلام لن ترفع وأن الصحف لن تجف حتى يحل لغز اختفاء جمال خاشقجي وستستخدم قضيته كـ"قميص عثمان"، لتصفية العديد من الحسابات بين مختلف الأطراف في المنطقة وخارجها.

لذلك، أرجو من السعودية التعامل مع هذا التحدي بحنكة وشفافية. الحق والعدل لجمال خاشقجي هو السبيل الوحيد للخلاص من الفتنة.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG