Accessibility links

عن 'هيومن رايتس ووتش' والنفاق والأوسكار


رامي مالك بعد استلامه جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم "The Bohemian Rhapsody"

نيرڤانا محمود/

نشرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" المدافعة عن حقوق الإنسان حول العالم مقالا بعنوان: "مصر تستحق أوسكار النفاق لاحتفائها برامي مالك". اختارت كاتبة المقال نيلا غوسال، الباحثة في المنظمة، تعبير "النفاق" كتفسير لردة الفعل المصرية الإيجابية لفوز الممثل الأميركي ذي الأصول المصرية رامي مالك بجائزة أوسكار عن دوره في فيلم "الملحمة البوهيمية" بالرغم من أدائه لدور رجل مثلي في الفيلم.

وكأن مصر تدعي الفرحة بفوز رامي مالك وهي في الحقيقة تحتقر الشخصية التي جسدها مالك وهي أسطورة الموسيقى فريدي ميركوري من فرقة "كوين".

من وجهه نظر الكاتبة، فيلم "الملحمة البوهيمية" ليس مجرد فيلم صدف أنه حول شخص مشهور مثلي الجنس، أو على الأرجح ثنائي الميل الجنسي، وإنما يحتفي أداء مالك بميركوري المثلي "بصراحة وجرأة".

العداء ضد المثليين منتشر في المجتمع المصري وسبب هذا العداء هو الإسلاموية الاجتماعية

استرسلت الكاتبة في مقالها موضحة دوافعها لوصف موقف الحكومة المصرية "بالنفاق" ومن ضمنها اقتطاع مشاهد عدة من الفيلم قبل عرضه في مصر، وأيضا قانون "مكافحة الفسق والفجور" الذي بموجبه حوكم 76 شخصا العام الماضي في مصر، إخضاع "المتهمين" للفحص الشرجي القسري لتحديد ما إذا كان المتهم "اعتاد" على ممارسة الجنس الشرجي".

إذا سلمنا برؤيه الكاتبة بأن مثلية المغني كانت لب موضوع الفيلم، مع أنني وكثيرين غيري لا نتفق مع هذه الرؤية، وأيضا إذا سلمنا أن المصريين يحتقرون ثنائيي الميل الجنسي كفريدي ميركوري بنفس درجة رفضهم للمثليين، فإن منطق الكاتبة لا يزال سطحيا ومثيرا للسخرية.

بحسب منطق الكاتبة فإن الحكومة المصرية ليس لها الحق في "حصة من فوز" ممثل جسد المثلية الجنسية إلا إذا كانت الدولة المصرية تعترف بالمثلية الجنسية ولا تحرمها.

بهذا المنطق، فإن الحكومة المصرية يجب أن تحلل الخيانة والعهر والزنا وكل الجرائم والمحرمات في المجتمعات الشرقية لكي تحتفي بأي فيلم يعالج هذه القضايا بأي درجة من الإيجابية.

لعل الكاتبة لم تتابع تاريخ السينما المصرية، التي عالجت تحديات مجتمعية كثيرة، من بينها المثلية، بطريقه غير سلبية علي أقل تقدير. فأفلام كـ"قطة على نار" و"عمارة يعقوبيان" تناولت المثلية، ليس بطريقة علمية صحيحة، ولكن على الأقل، ليس بالصورة السلبية التي تحدث أحيانا في الواقع.

أشاد الجمهور والنقاد بكل من نور الشريف بطل فيلم "قطة على نار"، وخالد الصاوي الذي جسد دور رجل مثلي في فيلم "عمارة يعقوبيان". وبالرغم من اعتراض البعض، عرض الفيلمان في السينما والتلفزيون المصريين.

بجانب المثلية، عالجت السينما المصرية حالات كثيرة أخرى مرفوضة اجتماعيا، كعاملات الجنس مثلا، بل وأظهرتهن في أحيان كثيرة كضحايا. فنجمة النجوم الراحلة شادية مثلت دور عاملة جنس في أفلام عدة، كفيلم اللص والكلاب، وصورته بطريقة إنسانية، تعاطف معها الجميع. وأيضا الراحلة ثناء جميل في رائعة نجيب محفوظ "بداية ونهاية".

على مدى أكثر من مئة عام، تعلم معظم المصريين الفصل بين تقديرهم للمثل أو الممثلة وآرائهم في قصص الأفلام وعلاقتها بالواقع، وهذا ما حدث مع رامي مالك.

أسر مالك قلوب المصريين ببساطته وتواضعه وفخره بأصوله المصرية وحتى بكلماته العربية التي ذكرها في المؤتمر الصحافي بعد فوزه بالأوسكار.

في هذا السياق، من الطبيعي أن تنشر وزارة الهجرة المصرية اقتباسا من خطاب قبول الأوسكار الذي ألقاه مالك.

وزيرة الهجرة الحالية اتخذت، منذ توليها المنصب، أسلوبا منفتحا وعملت مع كل الجاليات المصرية في الخارج، وحتى غير المصريين، كالقبارصة واليونانيين، الذين عاشوا في مصر سابقا. ولهاذا فمن الطبيعي أن تحتفي برامي مالك، بغض النظر عن تعامل النظام مع المثليين داخل مصر.

ليس هذا دفاعا عن النظام، ولكن رفضا للتناول الضحل لتعقيدات المجتمع المصري. بالطبع النظام المصري معروف بقمعه الشديد للمثليين وغيرهم الفئات المهمشة. وقد كتبت من قبل عن الهستيريا ضد المثلية الجنسية في مصر، ولكني أيضا أشرت أن العداء ضد المثليين منتشر في المجتمع المصري، سواء بين أنصار الرئيس السيسي أو خصومه، وأن سبب هذا العداء هو الإسلاموية الاجتماعية التي لا تفرق بين الخطيئة الدينية والجريمة القانونية.

مع الأسف، الأنظمة المصرية منذ مبارك وحتى الآن، لا تحاول الفصل بين المفهومين، بل وتستخدم قمع المثليين كوسيلة لإثبات حرصها على "قيم المجتمع" ورفضها للقيم الغربية المتحررة. على الرغم من أن المثليين هم أقل الفئات خطر على الدولة المصرية، فقد يكونوامذنبين في نظر الدين ولكنهم لم يخونوا ويتآمروا ضد مصر كما فعل عديد ممن يدعون الرجولة والشرف.

ومع ذلك، فان رفض المثلية الجنسية ليس فقط حكرا على مصر ولكنه منتشر حتى بين المجتمعات المسلمة في البلاد الغربية. هنا في بريطانيا، سحبت عائلات مسلمة 600 طفل من مدارسهم احتجاجا على تدريس المثلية الجنسية.

هذه الأسر ليست مصرية، ولا من أنصار السيسي ولكن منظمة "هيومن رايتس ووتش" لم تهاجم الأسر وتتهمها بالنفاق لأنها تعيش في مجتمع منفتح وترفضه في الوقت نفسه.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" لها الحق في رفض اضطهاد المثليين وحبسهم

مشكلة الكاتبة ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" بوجة عام هو الرغبة المستميتة في السيطرة على طريقة سرد الأحداث (control of the narratives) وخصوصا المتعلقة بمصر، ربما لرغبة منهم في إثبات قمعية النظام وتسخير أي حدث كبير أو صغير لخدمه هذا الهدف.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" لها الحق في رفض اضطهاد المثليين وحبسهم وتعرضهم لفحوص مهينه كالفحص الشرجي، ولكن ليس لها الحق في خلط الأوراق وتصوير احتفال مصر الصادق برامي مالك على أنه نفاق. فالاحتفال بشاب من أصل مصري ليس نفاقا، وليس له علاقة بالمثلية الجنسية.

خلط الأمور بهذه الطريقة شيء مؤسف. لو لم تحتفل مصر برامي مالك ورفضته لقيامه بدور رجل مثلي، لقامت نفس المنظمة وربما نفس الكاتبة الدنيا ولم تقعدها انتقادا لمصر وموقفها. هذه الازدواجية والتربص من منظمة المفروض أنها محايدة هو النفاق بعينه.

اقرأ للكاتبة أيضا: ما بعد زيارة البابا لدولة الإمارات

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG