Accessibility links

عهد التميمي 'نيالك على عدوك'


قيصر، المصور العسكري السوري المنشق، يقدم شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس عن التعذيب في سجون الأسد

بقلم عبد الحفيظ شرف/

ثمانية أشهر قضتها عهد التميمي في سجون إسرائيل تخرجت خلالها من الثانوية العامة وكانت تخشى تأخر تخرجها، بعد دخولها السجن بسبب حكم قضائي بعد أن صفعت جنديا إسرائيليا. إلا أن عهد استطاعت أن تدرس وتتخرج بكل جدارة من الثانوية العامة. كانت تأكل وتشرب وتعامل باحترام كإنسانة وحظيت بتغطية صحفية وإعلامية كبيرة. خرجت بعد ذلك من السجن قبل أيام وهي بكامل أناقتها وتسريحة شعرها المميزة. هذا لا يعني إطلاقا أن لا ظلم في سجون إسرائيل إذ ظلم الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني الذين يدافعون عن أرضهم وحقوقهم بشكل أو بآخر.

في المقابل، اعتقلت الشابة لمى الباشا في أواخر العام 2014. هي من مدينة التل في سورية وهي شابة يافعة جميلة كانت تعمل لمستقبلها فاعتقلها نظام الأسد في سجونه ولم يسمح لأحد من أهلها بزيارتها، ولا يعرف أحد من أهلها أين هي أو في أي سجن تقضي عقوبتها. لم تخضع لأي نوع من المحاكمة أو حق الدفاع، وبدل ذلك، خضعت لعمليات تعذيب ممنهجة.

في سجون الأسد لن تجد طعاما ولا شرابا مراقبا من المنظمات الدولية

أم لمى، المفجوعة باعتقال ببنتها، كتبت يوم ميلادها: "صغيرتي.. ماذا أقول في يوم ميلادك.. وأنا لا أستطيع إشعال شمعة واحدة من شموعك العشرين أنير بها عتمة سرقتك مني.. تخونني الكلمات.. تخونني الأحرف التي طالما كانت طوع بناني.. وأرتجف تحت وطأة الدموع ولا أدري ماذا أكتب في ذكراك يا زهرتي.. ما زالت رنة صوتك تضيع في الأرجاء وصدى ضحكاتك يمزق السكون.. ويمزقني الحنين.. أشتاق لصوتك.. لابتسامة ضائعة.. لهاتف طويل أودعه لهفتي وحنيين وشوقي.. لا تستطيع أختك الكبيرة أن تضمك.. أن تقبل الألم.. أن تقتل الظلمة.. ولا تستطيع كلماتي الوصول إليك.. ولا لقاء لنا إلا في حلم عابر.. في ذكرى ميلادك يا حبيبتي لا أتمنى سوى أن تكوني بخير.. كوني بخير.. يا أيها القدر كن بها رحيما وأهدها في عيد ميلادها حرية".

ومنذ عدة أيام أرسل النظام السوري إلى أهلها خبر وفاتها تحت التعذيب في سجونه التي اعتقل فيها مئات الآلاف من شباب وبنات سورية الأحرار الذين رفضوا الظلم، ومارسوا، بكل براءة، الحق الذي يكفله له الدستور بالتظاهر، فكان مصيرهم السجن.

اقرأ للكاتب أيضا: الأيقونة مي سكاف

لا أستطيع أن أتخيل مشاعر هذه الأم المفجوعة بعد اعتقال ابنتها، ولا عند معرفتها بخير وفاتها تحت التعذيب. فهذه الأم أصيبت بأغلى ما تملك على الإطلاق. لا أستطيع أن أتخيل صرخات هذه الشابة تحت سوط جلادها، الذي لا يملك أي إحساس ولا أي قلب ليشعر بآهات هذه المسكينة.

في سورية، يعتقل من رفع الورود في وجه جيش بلاده، أمثال غياث مطر في داريا في أيام الثورة الأولى. قضى الآلاف تحت التعذيب بعد أن اختاروا السلمية شعارا لهم، إلا أن هذا النظام المجرم يخشى هؤلاء السلميين وأصحاب الورود أكثر بكثير من حملة السلاح.

مجد خولاني، أحد الناشطين السلميين في داريا. كتب قبل اعتقاله بأيام قليلة على صفحته على موقع فيسبوك، "سيتم إيقاف أي شخص يطالب بحمل السلاح على هذه الصفحة فورا ومن دون إنذار.. ثورتنا ثورة سلمية والبعض عن حسن نية أو سوء نية يطالب بحمل السلاح ليعين النظام على قتل الشباب! لا تهاون أبدا مع أي شخص يطالب بهذه الأشياء. دماء السوريين محرمة بلا استثناء لو كانوا من الجيش أو الأمن، نريد دولة حرة مدنية.. والقضاء الحر هو من سيحاسب المجرمين لا نحن". لكن هذا الشاب قضى تحت التعذيب بعد دعوته السلمية تلك وتم إخبار أهله بذلك منذ أيام قليلة.

في سورية، يعتقل من رفع الورود في وجه جيش بلاده، أمثال غياث مطر في داريا في أيام الثورة الأولى

في سجون الأسد لن تجد طعاما ولا شرابا مراقبا من المنظمات الدولية، كما هو الحال في إسرائيل بل ستجد صورا للتجويع القسري. صور مذلة لضحايا هولوكوست هذا الزمن. ستجد كل ما تتخيله من طرق التعذيب الوحشية التي استخدمها النظام ضد شباب وبنات بلده.

تخذلني الكلمات. لا أستطيع أن أتخيل الخوف الذي كان يعيشه المعتقل في سورية.. الخوف من كل شيء.. من الجوع.. من التعذيب.. من الإهانة.. من مشاعر أهله والتفكير بهم.. بل الخوف من الحياة، فكثير من المعتقلين المفرج عنهم، أخبروني أنهم كانوا يتمنون الموت في كل لحظة ليتخلصوا من هذا العذاب.

اقرأ للكاتبة أيضا: الديوك أبطال العالم

سامحيني يا عهد فوالدك الذي أيد الأسد علنا، وقادة "حماس" والسلطة الفلسطينية الذين يفتخرون بك كبطلة قومية لم يسمعوا صراخ طفلة تبكي ألما وترتعد خوفا وتغتصب في سجون الأسد، لذلك خرجوا بمواقفهم المذلة ليقفوا في صف الأسد المجرم الذي اعتقل الكثير من الشابات في سنك وأصغر منك سنا وأذلهم وأهانهم ولم يوفر لهم ما وفرته لك سجون إسرائيل.

ختاما، أحب أن أقول لك يا عهد: نيالك على عدوك.. فالعرب كانوا يفتخرون بأخلاق أعدائهم ويكبرون في أعدائهم أي خلق حسن أو إنسانية. وصدقيني يا عهد لو كنت معتقلة في سجون الأسد بسبب حمل وردة رفضا لسياسات النظام وليس لصفع جندي أو عسكري لما رأيت الشمس مطلقا ولم تكوني لتستعيدي حريتك المسلوبة. حمدا لله على سلامتك، والسلامة والأمان والخير لكل معتقلي سورية وأتمنى أن يروا الشمس قريبا.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG