Accessibility links

"عيد الغدير" ونقد السياسة في العراق


خلال مظاهرة ضد الحكومة المحلية في البصرة

إياد العنبر/

بعد عام 2003 في العراق بات "عيد الغدير" مناسبة للاحتفال في محافظات والوسط والجنوب، ويتم الإعلان فيه عن تعطيل الدوام الرسمي، مما دفع بأحد أعضاء مجلس النواب العراقي في الدورات السابقة إلى المطالبة بإدراج هذه المناسبة ضمن قانون الأعياد والعطل الرسمية وعده "عيدا وطنيا عراقيا". لكن بعد 16 عاما على تجربة الإسلام السياسي الشيعي في حكم العراق، بات كثير من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي يوجهون انتقادات لاذعة للشخصيات والأحزاب السياسية الشيعية، التي تتخذ من هذه المناسبة فرصة لتبادل التهاني وإعلان تمسكها بـ"الثبات على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب".

وقد أتاحت هذه المناسبة فسحة للمقارنة بين السلوك السياسي للإمام علي في إدارة الدولة، وبين سلوك السياسيين الشيعة، فمنصات التواصل الاجتماعي باتت تضج بمواقف ومقولات الإمام علي لتذكير الساسة بنهجه في التعامل مع الرعية والحفاظ على بيت المال، ومحاسبته أتباعه وعامليه في الأمصار.

من حسنات النظام الديمقراطي في العراق توافر شيء من مساحة الحرية

بمقابل ذلك، وصل العراق على يد من يعلن تمسكه بنهج الإمام علي، إلى صدارة الدول الأكثر فسادا وفشلا، وأمست مدن العراق تعاني الخراب والدمار وتفتقد لأبسط متطلبات الحياة الكريمة. حتى أن السيد مقتدى الصدر انضم إلى خط المنتقدين وغرّد على توتير بمناسبة عيد الغدير قائلا: "عذرا يا إمامي... حكمت فأصلحت وحكم شيعتك فأفسدوا".

ولم يستثنِ الناشطون على فيسبوك وتوتير أحدا من السياسيين الشيعية، فهم جميعا مسؤولون عن انتشار الفساد وتحويل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات حزبية، والوظائف العامة فيها لا ينالها إلا من ذاب في شخص الزعيم أو القائد. وحتى القصور في المنطقة الخضراء وغيرها التي سكونها بعد 2003، أغلبها لم يكونوا هم البناة لها، بل استولوا عليه بعد سقوط النظام المُباد. ولم يكن في الإمام علي أسوة حسنة في رفض السكن في قصر الإمارة في الكوفة، وقوله: "قصر الخبال لا أسكنه أبدا".

واليوم تعمل هذه الأحزاب على تدوير شخصياتها الفاسدة والفاشلة، وتبرر لها سوء الإدارة والفساد من خلال إعلامها وجيوشها الإلكترونية. وتجاهلت تماما سلوك الإمام علي في محاسبة عمّاله على الأمصار الإسلامية وهو القائل لأحدهم: "خيانة المسلمين وتضييع أموالهم مما يسخط ربّك، ومن كان كذلك فليس بأهل لأن يسد به الثغر، ويجبئ به الفيء، ويؤتمن على مال المسلمين".

إذا، تحول عيد الغدير إلى مجرد طقوس احتفالية عند الطبقة السياسية الشيعية، يقابله انتقاد من النخب الثقافية الشيعية ومناسبة للتذكير بانحرافها عن نهج وسيرة الإمام علي في الحكم.

ويبدو أن من حسنات النظام الديمقراطي في العراق توافر شيء من مساحة الحرية، إذ لو كانت المعارضة السياسية الشيعية هي من أسقطت نظام صدام الدكتاتوري وثنيت لها الوسادة في حكم العراق من دون التدخل الأميركي، لما ترددت في معاقبة ومحاسبة من ينشر أو يتحدث بالنقد في عيد الغدير، كما فعل نظام الحكم في إيران في 2013 بسجن الكاتب الإيراني "علي أصغر غروي" ستة أشهر، وإغلاق صحيفته "بهار" بعد نشره لمقال عن تنصيب الإمام علي في يوم الغدير بعنوان: "الإمام زعيم سياسي أم قدوة إيمانية"، حيث أوضح بأن "الغاية من تعيين الخليفة، أو ما يعبَّر عنه بـ"التنصيب" في مهام الأنبياء، بما فيهم نبيّ الإسلام، لم تكن من أجل تشكيل الحكومة وإدارة شؤون النّاس الدنيوية". واعتبار ذلك نقد للأيديولوجية الدينية التي يقوم عليها نظام الحكم الإيراني.

المواقف الناقدة لسلوك لطبقة السياسية الشيعية في الحكم بعد ستة عشر عاما، تحتاج إلى وقفة تأملية، موضوعها ليس تقييم الاحتفال بعيد الغدير ولا الخوض في أصل المناسبة، فهذا موضوع عقائدي وموقف إيماني مرتبط بالخيارات الشخصية التعبدية. وإنما ما يعنينا أكثر، انحراف السلوك السياسي عن نموذج الحكم الذي لطالما كان حاضرا في الخطاب السياسي الشيعي، وغالبا ما يتم تقديمه كنموذج لنظام الحكم الصالح في الفكر الإسلامي.

تطور الوعي السياسي الشيعي بنقد سلوك الطبقة السياسية الحاكمة

وفي الوقت الذي يكون عيد الغدير مناسبة للاحتفال بمنح الشرعية السياسية لخلافة الإمام علي من لدن النبي محمّد، فإنه أصبح مناسبة للتأكيد على انحراف الطبقة السياسية الشيعية الحاكمة عن منهج الإمام في ممارسة الحكم. وباعتقادي إن الانحراف عن منهج الإمام يكون عندما يتم التركيز على أن موضوع شرعيّة السلطة السياسيّة قائم على أساس إعطاء الأولوية لـ"مَن يحكم" على حساب "كيف يتم الحُكم". في حين كان موقف الإمام علي واضحا من القضية، وذلك بقوله لعبد الله ابن عباس: "ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمةَ لها! فقال عليه السلام: والله لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ، إِلاَّ أَنْ أُقِيمَ حَقَّاً، أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً".

لذا يمكن القول بأن الاحتفال بالمناسبات الدينية، تحوّل إلى مناسبة لنقد السلوك السياسي للطبقة السياسية الشيعية الحاكمة، وذلك على خلاف ما تعتقده هذه الطبقة، بأن الاحتفال بهذه المناسبات هو من منجزات حكمها، ويعد فرصة لتذكير الشيعة في العراق بمساحة الحرية التي تحظى بها، مقارنة بفترة حكم النظام الدكتاتوري السابق.

ومن ثم، تطور الوعي السياسي الشيعي (الشعبي والنخبوي) بنقد سلوك الطبقة السياسية الحاكمة لانفصالها عن النموذج الذي تدعي الانتماء إلى مدرسته، صار يتلاءم مع معايير تقييم أنظمة الحكم السياسية المعاصرة، والتي تقوم على أساس أن شرعية الحكم مستمدة من التزام الحكام بالقانون. تتمثّل هذه المعايير بالعدل والمساواة في ممارسة السلطة السياسية، أولا؛ والقبول والرضا الشعبيين الذي يتم التعبير عنه في الانتخابات العامة ثانيا. والإمام علي في تاريخ حكمه السياسي كان يؤكد هذين المبدأين، ومن يتمعن في خطب نهج البلاغة سيجد الكثير من الدلالات التي تؤكد على أن شرعية الحكم لا تقوم على أساس ديني وإنما معيارها تحقيق العدالة وإنصاف الرعية، وهو القائل: "ما حُصِّن الدول بمثل العدل".

اقرأ للكاتب أيضا: العراق: الكل يتساءل، ولا أحد يجيب!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG