Accessibility links

فتش عن الوعي.. لا عن المرأة


بقلم مالك العثامنة

هناك مقولة للعالم اللاهوتي ماثيو هنري تقول: (خلق الله المرأة من ضلع الرجل، لا من رأسه حتى لا تسيطر عليه، ولا من قدميه حتى لا يدوس عليها، لكن من جنبه الأيسر حتى تساويه، تحت ذراعه حتى يحميها، وبقرب قلبه حتى يحبها.).

هذه العبارة – والتي نسبت كثيرا أيضا إلى شاعر الهند الكبير طاغور- فات قائلها أيا كان، أنه وبعيدا عن الرومانسية المدججة فيها، فإن المرأة حسب العلم الذي لا يمكن مجادلته، لم تخلق من ضلع الرجل، بل هي محصلة "زيجوتية" طبيعية لأي تزاوج طبيعي بين رجل وامرأة، والنوع الجنسي "والحال كذلك" يصبح لا تفوق فيه، بل مساواة كاملة في النشوء.. أما الارتقاء فتلك حالة متفاوتة على المستوى الإنساني بين كل شخص وآخر بغض النظر عن جنسه.

تلك العبارة، انطلقت من أساس ترسخ في ذهن البشرية وبروايات متعددة ومختلفة، جعلت الرجل أساس خلق المرأة، وجعلت الأنثى فرعا لهذا الذكر، ومع تراكم العصور وتقلباتها وتطور البشرية العلمي، إلا ان الفكرة بقيت في العقل الباطن للقبيلة الذكورية الكامنة في غالبية المجتمعات، خصوصا الشرقية منها، ومن كل ذلك توالدت العادات والموروثات الاجتماعية وكثير منها حمل صفة الديني والمقدس!!

في المشرق العربي تحديدا، لا تزال المرأة تخوض صراعها لاستعادة مساواتها البشرية في أدغال كثيفة من الموروثات الدينية والاجتماعية والعادات والتقاليد التي شكلت جدران فولاذية عصية على الاختراق باسم مفهوم فضفاض ومبهم اسمه "الشرف"!! وهو مفهوم بات أكثر من مقدس بحد ذاته، ومرتبط دوما بالمرأة مثل حجر كبير معلق بعنقها منذ الولادة حتى الموت.

--

القصة أيضا لا تكمن في جغرافيا هذا المشرق نفسه، بل في العقل والأفكار التي يحملها المرء، لتصنع عالما بشعا وموازيا أينما حل وارتحل.

في المشرق العربي تحديدا، لا تزال المرأة تخوض صراعها لاستعادة مساواتها البشرية في أدغال كثيفة من الموروثات الدينية والاجتماعية والعادات والتقاليد

في بلجيكا، أول وصولي إليها مهاجرا قبل عشر سنوات، شهدت بنفسي قصة صادمة أثرت فيما بعد على تحديد علاقاتي في "المجتمعات" الانشطارية من حولي في المهجر.

فتاة بلجيكية من أصول عربية مشرقية لعائلة مهاجرة، تفوقت في دراستها المدرسية وبدعم شرس من والدتها وتحفظ دائم على مدار سنوات من والدها الذي يرفض مبدأ التعليم للبنات. الفتاة تفوقت وتم قبولها لدراسة تخصص طبي في الجامعة، وهنا كانت الغلبة لسطوة الأب وذكر القبيلة الكامن فيه، فرفض التحاقها بالجامعة، وبدأ يخطط لعودتها لتدرس في معهد ديني في بلاده، على أمل منه أن تجد نصيبها بعريس هناك!! الأم، استخدمت آخر أوراقها واستطاعت إقناع الأب ببقاء الفتاة في بلجيكا وبدون إكمال تعليمها، وملمحة إلى وجود "عرسان مناسبين" من "ناس بخافوا الله زينا" كما نُقل لي نصا في الحكاية.

اقرأ أيضا للكاتب: مصافحة تمنع الجنسية أم أمراض تطرف جنسية؟

تقدم للفتاة عريس مهاجر من عائلة مهاجرة ويحمل جنسيتها، لكن يوم الخطبة "غير المختلطة" في بيت أهل الفتاة، لاحظ الأب "الذي يخاف الله، ثم ينسى شريعته في حانات الليل التي يرتادها في العطل" أن والدة الخاطب غير محجبة وقامت بتقبيل شقيق زوجها عم الخاطب على وجنتيه، وهو من عظائم الأمور في وجدانه، فأنهى القصة وحسم الأمر ورفض العريس.

بعد فترة بسيطة، تمت خطبة الفتاة بطريقة أخرى، حين تقدم والدها نفسه بالطلب من عامل شبه أمي في معمل ملابس مستعملة لا يحمل أوراق إقامة شرعية أن يتزوج من ابنته، وتفسير هذا الرجل غير المحترم كان في جلسات "رجال" وبوضوح، انه "اشترى" رجلا..يضمن أنه سيبقى تحت أمره وقد صنع له معروفا.

أنت هنا، أمام أكثر تجليات تعنيف المرأة في العقل العربي وضوحا.. هي هكذا، سقط متاع وبضاعة مباح التصرف بها ضمن العادات أو الموروث او حتى باسم المقدس..ما دام هناك نص يخدم القضية، او موروث فولاذي البنية لا يمكن اختراقه او تفتيته بسهولة.

--

وفي عالم جعلته ثورة تكنولوجيا المعلومات بكل هذا الدفق المعلوماتي قرية صغيرة، تتناقل فيه المعلومات والأخبار بكل صيغها بسهولة ويسر، لا تزال تجد في الفضاء الإلكتروني العربي ملامح تعكس اضطهاد المرأة، سواء في فيديوهات ينتجها مشايخ "يحملون اسم علماء، ولحومهم مسمومة حسب الفقه" أو عبر صفحات تواصل اجتماعي ربما هي النوافذ الوحيدة للتنفس تتبع لفتيات ونساء لا يستطعن وضع أسمائهن أو صورهن على تلك الصفحات الشخصية، لأن اسمها في عرف التقاليد عورة، وصورتها – لو وضعتها- انفلات أخلاقي فادح وفاضح.

اقرأ أيضا للكاتب: احتقار نون النسوة وتاء التأنيث في العالم العربي

في تلك الفيديوهات، يطل "العلماء ذوي اللحوم المسمومة" بفتاوي مغلفة بكل ما يمكن حشده من نصوص مقدسة، للوضع من شأن المرأة، حتى أن أحدهم من كبار هؤلاء وأشهرهم تحدث مرة عن غدة نَسِي هو اسمها تجعل المرأة ناقصة عقل!! وغيره ممن وضع من يسمح لزوجته أو أخته أو ابنته أن تعمل في التمريض أو الطبابة موضعا وضيعا حسب ألفاظه، والكارثة هو هذا الكم الهائل من المريدين لهؤلاء على تلك الوسائل يؤمنون بخشوع أعمى على كل ما يفتون به، أما الكارثة الأكبر فهي في جموع النساء اللواتي يتبعن كلام هؤلاء المشايخ في أكبر عملية تعذيب واضطهاد ذاتي في عصر تكنولوجيا المعلومات.

أمام هذه المفارقات بين فكر الكهوف الحجرية المقذوفة إلينا عبر شاشات ذكية، وزماننا الذي وصلت إليه ثورة المعرفة حدودها الخيالية، أستذكر مقولة أحتفظ بها في ذاكرتي من قراءات قديمة، يقول فيها الكاتب الراحل غالب هلسا: بين الرجل والمرأة في عالمنا العربي تاريخ سيادة عمره ثلاث آلاف سنة، لا يمكن تجاوزه بسهولة.

______________________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG