Accessibility links

فرصة 'العمال الكردستاني' الاستثنائية


أكراد يرتدون الزي الكردي التقليدي، يحتفلون بعيد النوروز في مقدنة القامشلي شمالي سوريا

رستم محمود/

تدل كل المؤشرات على أن استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية في منطقة شرق الفرات ستبقى على الوتيرة الحالية طوال العامين المقبلين، حتى قدوم إدارة أميركية جديدة. فما حققته الإدارة الحالية من إنجازات عسكرية وسياسية في كل من سوريا والعراق، من خلال القضاء على تنظيم داعش الإرهابي، وخلق توازن ما مع النفوذ الإيراني في هذين البلدين، ستسعى للحفاظ عليه خلال العامين القادمين، بأي ثمن.

سيعني ذلك فعليا بأن منطقة شرق الفرات ستحافظ على وضعها الراهن خلال العامين القادمين، دون أية ضغوط عسكرية أو سياسية حقيقية من تركيا والنظام السوري. أي أنه ستكون ثمة مساحة تُقدر بثلث مساحة سوريا، خارج عن سلطة النظام السوري، ودون أن تتعرض لضغوط وقلاقل عسكرية مدمرة، مثلما يحدث في منطقة إدلب ومحيطها راهنا.

ليحافظ العمال الكردستاني على تجربته الاستثنائية فإنه مجبر على تقديم ما هو مغاير لما ناهضه لعقود

يشكل هذان العامان في تلك المنطقة فرصة لتقديم نموذجٍ لحُكم مغاير ومختلف عما يمارسه النظام السوري من شمولية واستبداد منذ نصف قرن وحتى الآن، وأيضا فرصة كبرى لأن يقدم الحكام الحقيقيون لتلك المنطقة أنفسهم بطريقة مختلفة تماما، يحوّلون بها فرصة حكمهم الراهنة، المتأتية من توازنات قلقة ومُتحولة من ظروف وتعقيدات الحرب الأهلية السورية، يحولوا هذه الفرصة لمناسبة ربما يتم عبرها اجتراح تجربة للحكم الديمقراطي. واجتراح تجربة مستدامة ومستقرة، هو لصالح هؤلاء الحكام الفعليين على المستوى الاستراتيجي، وإن كان ذلك يتطلب منهم راهنا التنازل عن بعض من سلطتهم المطلقة.

♦♦♦

تُحكم هذه المنطقة فعليا من قبل جهازين: سياسي هو حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، الذي هو التيار الكردي المرتبط عضويا وأيديولوجيا وسياسيا بأيديولوجية واستراتيجية حزب العمال الكردستاني وزعيمه المعتقل عبدالله أوجلان. وجهاز آخر عسكري/أمني، هو قوات سوريا الديمقراطية، المكونة رسميا من تشكيلات مختلفة من الفصائل العسكرية، لكنها فعليا بقيادة وحدات حماية الشعب "الكردية"، التي تعتبر فصيلا مسلحا مرتبطا بحزب الاتحاد الديمقراطي، وموالية ومرتبطة بحزب العمال الكردستاني. أي أن العمال الكردستاني هو صاحب السلطة والهيمنة العليا في حكم تلك المنطقة.

تأسس العمال الكردستاني في نهايات السبعينيات من القرن المنصرم، وخاض منذ أوائل الثمانينيات كفاحا مسلحا مضادا لمحق الجيش والأجهزة الأمنية التركية للقوى والتنظيمات والتطلعات السياسية الكردية في تركيا، ذهب ضحيته عشرات الآلاف من الضحايا، حرق الجيش التركي خلالها آلاف القرى الكردية، وهجّر الملايين من سكانها الأكراد نحو المدن الداخلية التركية.

طوال السنوات الأربعين الماضية، لم يحقق العمال الكردستاني منجزا عسكريا وسياسيا ذي مضمون في مواجهة آلة المحق العسكرية التركية. إذ لم يُحرر أية منطقة جغرافية من تركيا، ولم تستطع عملياته العسكرية أن تخلق ضغطا وتأثيرا واضحا على سياسات وتوجهات النظام السياسي التركي، حتى حينما وصل العشرات من البرلمانيين الأكراد إلى البرلمان التركي، فإنهم وصلوا بشروط القوانين التركية القومية للغاية، واستطاعت السلطة التركية الالتفاف حول نجاحاتهم تلك وتحطيمها سياسيا، عبر تغيير قوانين البلاد، ليكون من السهل للغاية اتهام أي برلماني أو سياسي كردي بدعم "إرهاب" حزب العمال الكردستاني، وبالتالي اعتقاله، مثلما يحدث مع الزعيم صلاح الدين دميرتاش منذ أعوام، ومثله المئات من السياسيين الكرد الآخرين.

منذ أواخر التسعينيات، ومع إلقاء القبض على زعيم الحزب عبدالله أوجلان، عبر صفقة استخباراتية/سياسية إقليمية ودولية، دخل العمال الكردستاني في منطقة سوء توازن رهيبة، صار فيها عدوا مشتركا للقوى الإقليمية، حتى المتناقضة والمتصارعة فيما بينها.

♦♦♦

أنتجت تحولات الربيع العربي، وما أحدثه من شروخ عميقة بين القوى الإقليمية، أنتجت مناسبة للعمال الكردستاني، لأن يستعيد حيويته وينشط على محور التناقضات والصراعات الإقليمية.

شكلت تجربة العمال الكردستاني السورية أبرز نجاحات هذا التيار: فقد خلقت شعبية واسعة لهذا الحزب ضمن القواعد الاجتماعية الكردية السورية، وقدمته لمختلف أكراد المنطقة كتيار محارب من أجل الحقوق القومي الكردية. على نفس المستوى، فإنها سمحت له بحكم منطقة مدنية شاسعة لأول مرة في تاريخ تجربته، الطويلة والمريرة، منطقة تضم ملايين السكان وذات موارد وموقع جغرافي استراتيجي مثل منطقة شرق الفرات.

لكن قبل كل ذلك، فإن هذه التجربة سمحت لهذا الحزب بأن يدخل في شبكة من العلاقات والتداخلات مع القوى العالمية، بالذات الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي صارت تعتبر الجناح السوري للحزب حليفا سياسيا وشريكا عسكريا في ملف حيوي مثل محاربة الإرهاب. هذه القوى العالمية التي بقيت لعقود تعتبر العمال الكردستاني حزبا إرهابيا، لمراضاة تركيا.

يتعرض العمال الكردستاني، وأولا لأجل هذا التحول العميق الذي حققه، يتعرض لضغوط هائلة من قبل تركيا، التي ستسعى لمحق تجربته ونجاحها بأي ثمن، لأنها تعتقد بأن استمرارية هذه التجربة إنما تعني إجبار تركيا في المستقبل المنظور على تغيير سياساتها واستراتيجيتها تجاه الحزب، وبالتالي تجاه المسألة الكردية في تركيا والمنطقة. فديمومة هذه التجربة تعني تبدلا موازين القوة بين الطرفين.

♦♦♦

ليحافظ العمال الكردستاني على تجربته السورية الاستثنائية هذه، من عدويها الموضوعيين، تركيا والنظام السوري، وأن يحولها إلى مساحة دائمة لنفوذه، ومثالا عن صلاح نموذجه وأحقية وعدالة قضيته التي يدافع عنها منذ أربعة عقود وحتى الآن، فإنه مجبر على تقديم ما هو مغاير لما ناهضه لعقود من أنظمة، أيديولوجية شمولية واحتكارية، وأولا عنيفة وقمعية.

ثمة عامان كاملان لأن يتدارك الحكام الحقيقيون لمنطقة شرق الفرات ما فاتهم طوال السنوات الماضية. أن يقروا بأنهم لا يمثلون كامل الطيف السياسي والاجتماعي والطبقي الكردي السوري، وأن إقصائهم للقوى السياسية والطبقية الكردية السورية إنما عملية دون أية أفق، وأن محاولاتهم لخلق أحزاب كردية سورية رديفة لهم، إنما هو مجرد اختراع بائس للدولاب، جربته وفشلت به كافة الأنظمة الشمولية، الأقوى والأمتن.

أنتجت تحولات الربيع العربي مناسبة للعمال الكردستاني لأن يستعيد حيويته

وينطبق على عرب وسريان شرق الفرات أضعاف ما ينطبق على أكرادها. إذ لا يمثل هؤلاء في السلطة الحقيقية لحكم تلك المنطقة بأي شكل، وهم مقصيون عن نواة الحكم الصلبة، وغير مسموح لهم بتشييد تنظيماتهم ونزعاتهم السياسية بأية استقلالية. فوق ذلك، فإن نظام حكم منطقة شرق الفرات يتلهف لصناعة تنظيمات وقوى سياسية سريانية وعربية موالية ومرتبطة بها هي، لا بمصالح وتطلعات وخيارات القوى الاجتماعية السريانية والعربية في منطقة شرق الفرات.

خلق نموذج سياسي مختلف، قائم على أساس التمثيل الحقيقي لكافة القوى الاجتماعية، وموفر وملتزم بطيف من منظومة القيم، مثل الديمقراطية التمثيلية والحريات المدنية ومنظومة حقوق الإنسان والمساواة أمام القانون، هو وحده القادر على خلق مظلة حماية لاستمرار تجربة شرق الفرات، وتكون محمية من سكانها المحليين أولا، الذين لا يملكون أية مصلحة في الخضوع لكل من تركيا والنظام السوري.

ليس ثمة وقت كثير للبدء بذلك، لكن دماء الآلاف من الضحايا من أبناء تلك المنطقة، من كرد وعرب وسريان، تستحق أن يكون ذلك جزء بسيطا من رد الجميل لها.

اقرأ للكاتب أيضا: الجنرال مظلوم يتذكر الجنرال مصطفى البارزاني

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG