Accessibility links

فريق عون وقيادة لبنان إلى الوراء!


البلاد، في ظل فريق رئيس الجمهورية، تعود إلى إحياء روحية الحروب

فارس خشّان/

عندما أسفرت الاتصالات السياسية إلى تسوية أفضت إلى توافق على انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية في لبنان، شعر كثيرون بالهزيمة.

حسب البعض أن مشاعر الهزيمة هذه " أنانية"، على الرغم من أن التدقيق في ظروف التسوية أظهر أن أمكنة رحبة كانت متوافرة لكل من يرضخ لها ويدافع عنها، على اعتبار أن المشاركين فيها كانوا مأزومين شعبيا وبحاجة لأصوات داعمة هنا ودفاعية هناك.

في الواقع، العكس هو الصحيح. فالتعاطي مع التسوية على أساس أنها هزيمة كان عملا غيريا وليس أنانيا، ذلك لاعتقاد راسخ لدى رافضيها بأنها أتت نتاج معطيات سيئة للغاية. فعون أثبت بسيرته الذاتية السياسية أنه رجل إيجابي للغاية تجاه كل من يلبي رغباته ويدعم طموحاته، وهو عكس ذلك تجاه كل من يرتأي ما لا يرتأيه.

فريق رئيس الجمهورية، يفتعل حربا سياسية، لها تداعيات ميدانية، من شأنها أن تنتهي إلى نتائج كارثية

وهذا يعني أن عون يشترط، لحسن العلاقة مع الآخر، أن يكون داعما على "طول الخط"، حتى لو اقتضى ذلك التخلي عن المبادئ والتوجهات والحلفاء، ولسان حاله يقول من كان مع عون ما حاجته إلى حلفاء آخرين؟!

وعون ليس مسارا مكتملا بذاته، بل إنه، ومنذ بداية العام 2006، جزء من رؤية "حزب الله" للبنان، وتاليا فهو في خدمة هذا الحزب وتطلعاته كما أن الحزب في خدمة طموحات عون، وفق ميزان القوى "الطابش" بطبيعة الحال لمصلحة الحزب.

وكانت هذه القراءة المستندة إلى معطيات كثيرة وتجارب عدة، بالنسبة لرافضي "التسوية الرئاسية"، تعني أن وصول عون إلى الرئاسة ستفضي إلى تسليم لبنان استراتيجيا لحزب الله وتكتيكيا لأهواء عون، وتاليا ستلحق هزيمة حقيقية بالذين ينظرون إلى لبنان ومستقبله نظرة مغايرة، وستوقع البلاد في أزمة قد تودي بها إلى الهاوية.

وهذا ما هو حاصل حاليا في لبنان.

من كان يصدّق أن الحكومة التي ذهبت إلى المجلس النيابي بموازنة "ضرائبية" تهدف إلى جذب الاستثمارات المقررة في مؤتمر "سيدر" لإنقاذ اقتصاد مأزوم ومالية "ركيكة"، ستجد نفسها عاجزة عن الالتئام، بسبب مشكلة سهر فريق رئيس الجمهورية على افتعالها مع "الحزب التقدمي الاشتراكي" الذي يترأسه وليد جنبلاط، الشريك في الحكومة؟

وسبب المشكلة المباشر أن فريق عون، وبعدما اتخذ جنبلاط مواقف أغضبت "حزب الله"، وجد الفرصة ملائمة للانقضاض عليه، فرفع هذا الفريق من سقف تحرشه بجنبلاط على كل المستويات، حتى وجد جمهور جنبلاط نفسه في الشارع للتصدي لواجهة هذا التحرش، أي صهر عون ووارث رئاسة تياره السياسي وخليفته الموعودة، جبران باسيل.

عون ليس مسارا مكتملا بذاته، بل إنه، ومنذ بداية العام 2006، جزء من رؤية "حزب الله" للبنان

الدماء التي أنتجها هذا التصدي رفعت وتيرة المواجهة، وتسببت بمأزق سياسي أغلق باب مجلس الوزراء، على اعتبار أن الثنائي عون وحزب الله يريد الانقاض على جنبلاط وحزبه، في مقابل رفض ذلك من مكونات أخرى شريكة في السلطة.

وسقوط الدماء في "قبرشمون" بدا مناسبة ذهبية لخصوم جنبلاط الذين كانوا يتربصون به.

وإذا كانت نظرة النظام السوري و"حزب الله" إلى جنبلاط معروفة، بسبب مواقف معلنة سابقا، فإن عون، كان قد أعرب في لقاءات خاصة، بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، عن امتعاضه من "بقاء إقطاعي واحد، بعدما قضينا على غيره من الإقطاعيين".

وهكذا، وفي ظل تأكيدات رسمية، بمناسبة إقرار موازنة العام 2019، بأن لبنان يواجه مخاطر اقتصادية ومالية كبرى تقتضي تضحيات شعبية وسياسية وتفترض تفعيل الإدارة واستنفار المؤسسات، يتسبب فريق رئيس الجمهورية، المعني الأول بالإنقاذ، بأزمة سياسية كبرى، لأنها تدفع مكوّنا حكوميا ووطنيا، وهو الحزب التقدمي الاشتراكي الممثل الأقوى للطائفة الدرزية وأحد أبرز صنّاع "ثورة الأرز"، إلى خوض معركة مصيرية لمواجهة "حرب إلغاء" حقيقية، من شأن نجاحها أن يغيّر وجه لبنان ووجهته، لأنه، في السياسة والأهداف، تمهيد طبيعي للنيل تباعا، من أبرز المكونات التي كانت يوما تلتئم، في إطار ما يسمى قوى 14 آذار، ففرقتها المصالح الحزبية والتكتيكات، ولكن لا تزال تجمعها، ولو خارج أي إطار تنظيمي، رؤية وطنية واحدة.

في ضوء ذلك، ما الذي ينتظر لبنان؟

طالما أن فريق رئيس الجمهورية لا يتوقف عن قراءة تاريخه السياسي والعسكري، فهذا يعني أنه يقود بلادا تحتاج إلى وثبات عملاقة في اتجاه المستقبل، إلى الوراء.

وفي تاريخ هذا الفريق يبرز التسبب بكثير من المآسي الوطنية، فباسم الشعارات الكبيرة أدخل البلاد في حرب تدميرية وطنية خاسرة سميت بـ"حرب التحرير"(1989)، ومن ثم خاض حربا تدميرية مسيحية سميت بـ"حرب الإلغاء"(1990)، قبل أن يتيح في ما سمي بـ"معركة إنهاء التمرد" لجيش النظام السوري بمد نفوذه على كل البلاد (13 أكتوبر 1990).

وإذا ما تركنا تجارب التاريخ تنبئ بالمستقبل، فإن فريق رئيس الجمهورية، يفتعل حربا سياسية، لها تداعيات ميدانية، من شأنها أن تنتهي إلى نتائج كارثية، هي الأخرى.

سقوط الدماء في "قبرشمون" بدا مناسبة ذهبية لخصوم جنبلاط الذين كانوا يتربصون به

وهذه النتائج بدأت تتجلى في البلاد، فواشنطن رفعت من سقف عقوباتها لتنال من شخصيات نيابية، حتى أنها أدخلت مواجهة "حزب الله"، للمرة الأولى، إلى المؤسسات الدستورية، والقضاء اللبناني أصبح تحت المجهر الدولي على اعتبار أنه باسم العدالة، تجري محاولة تكريسه أداة سياسية، والحكومة التي يفترض بها أن تحقق إنجازات مانعة للانهيار، ممنوعة من الالتئام، والشعب اللبناني الذي ينتظر الإنقاذ، تثقل الضرائب كاهله، فيما يجد نفسه محروما من بيئة مقبولة ومن خدمات معقولة ومن حريات عامة بديهية ومن فرص عمل ملحة.

والأدهى من ذلك كله أن البلاد، في ظل فريق رئيس الجمهورية، تعود إلى إحياء روحية الحروب، فهناك عبث خطر بمصالحة الجبل، كما بما سمي بالمصالحة المسيحية ـ المسيحية، كما بمعادلات اتفاق الطائف التي أنهت الشق الأهلي من الحرب التي عانى منها لبنان بين العامين 1975 و1990.

في كل المدارس السياسية، ثمة درس متفق عليه أن مصلحة السلطة تكمن في تهدئة المكونات السياسية والشعبية والحيلولة دون إحداث أي اضطرابات، لأن ذلك يتيح لهذه السلطة أن تحقق نتائج اقتصادية ومالية واجتماعية ممتازة.

فريق رئيس الجمهورية كان غائبا عن... الصف.

اقرأ للكاتب أيضا: المسيحية في لبنان: من بيت أبي ضربت!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG