Accessibility links

في أوروبا والبلاد المتقدمة لا يأكلون الكباب بالطحينة!


قبول الرأي المخالف دون اتهامه بالهرطقة والزندقة أو الردة وإهدار دمه

د. توفيق حميد/

من الصعب أن أنسى أو أن ينسى أحد مشاهدي الأفلام في العالم العربي فيلم "الإرهاب والكباب" للرائع عادل إمام.

ولم أزل أتذكر واحدا من الممثلين في الفيلم، وكان يرى أن الغرب أو أوروبا كما وصفها متقدمة على الشرق والبلدان العربية في أمور كثيرة، وكان دائما يعطي المثل لما هو أفضل بقوله "في أوروبا والبلاد المتقدمة يفعلون كذا وكذا..."، حتى وصل به الأمر في الفيلم أن يقول جملته الشهيرة "في أوروبا والبلاد المتقدمة يأكلون الكباب بالطحينة!".

ويعبّر هذا الموقف ـ أي تفوق الغرب ـ عن شعور عام عند كثيرين في البلدان العربية، نتيجة لتفوق الغرب في الكثير من الأمور التكنولوجية والاجتماعية والمعيشية، فالسيارات، والطائرات، وسفن الفضاء، والإنترنت والهواتف الخلوية، والتطور الطبي الرهيب في الجراحات وعلم الأدوية هي من ثمار الحضارة الغربية الحديثة.

مبدأ "العدل" بين جميع المواطنين ومساواتهم في الحقوق هو أساس الحكم الرشيد

ولا أحد ينكر مثل هذا التفوق والذي دعا كثيرين من الشبان من شمال البحر المتوسط للهجرة غير الشرعية مما يعرض حياتهم للخطر.

والجدير بالذكر هنا أن الغرب قد تقدم ليس لأنهم يأكلون "الكباب بالطحينة" كما ذكر الممثل في فيلم الإرهاب والكباب، بل لأنهم يأخذون بالأسباب الداعية للتقدم وتطور الحضارة الإنسانية.

ومن هذه العوامل ما يلي:

العامل الأول

تشجيع التفكير والمفكرين، فالفكر في الغرب ليس "كفرا" كما تقول الجماعات الإسلامية المتطرفة، وليست كلمة "صاحب فكر" مدعاة لاعتقال شخص ووضعه في السجون، فالفكر في العالم الغربي مرحب به بلا حدود طالما لا يستخدم العنف.

العامل الثاني

معاملة جميع المواطنين بعدل، فلا يوجد فارق بينهم على أساس الدين أو العرق، فهم جميعا لهم نفس الحقوق والواجبات أيا كان دينهم، فإن كان للمسيحي الحق في بناء كنيسته في أوروبا أو أميركا، فإن المسلم في الغرب له نفس الحق تماما، ويتم التعامل مع جميع المواطنين من هذا المنطلق، وسواء سمينا ذلك بالعلمانية أم لا، فإن مبدأ "العدل" بين جميع المواطنين ومساواتهم في الحقوق هو أساس الحكم الرشيد الذي يقود الأمم إلى الأمام.

العامل الثالث

استخدام الأسلوب العلمي في البحث، فلا نجد كثيرا في الغرب يعلق الفشل على سوء الحظ أو "النحس" كما نسميه في عالمنا العربي، فإن حدث فشل في أي موقع من مواقع الدولة، فإن البحث في أسبابه يتم بصورة علمية لا تستخدم كلمة "نحس" وكلمة "سوء حظ" في قاموسها!

العامل الرابع

احترام المحاولة حتى لو فشلت، فمجرد المحاولة لها تقدير في المجتمع، ويتم تشجيع الإنسان على المحاولة مرة أخرى إن فشلت المحاولة أو المحاولات الأولى، وكنتيجة لذلك تستمر المحاولات والإصلاحات ـ دون أن يتم تثبيطها وإحباطها ـ حتى تثمر، ولن أنسى كيف أنه حتى في لعبة التنس تم استخدام كلمة "محاولة جيدة" بدلا من كلمة "حظ سيء" حين يخسر اللاعب نقطة بعد محاولة كسبها.

العامل الخامس

قبول الرأي المخالف دون اتهامه بالهرطقة والزندقة أو الردة وإهدار دمه، فحينما كان من يفكر بصورة مختلفة في أوروبا يتهم بمثل هذه الاتهامات، كانت القارة الأوروبية تعيش في أسوأ عصورها والتي كانت تسمى بـ"عصور الظلام"، ولم يكن لها أي حظ حينذاك في الحضارة والتقدم.

لا يوجد فارق بينهم على أساس الدين أو العرق، فهم جميعا لهم نفس الحقوق والواجبات أيا كان دينهم

وعلى العكس تماما فحين احترموا الرأي المخالف تقدموا في جميع الأصعدة، فلولا قبول الرأي "المخالف" في مرحلة من المراحل لظلت أوروبا تؤمن أن الأرض ليست كروية!

فباختصار لم يتقدم الغرب لأنهم "يأكلون الكباب بالطحينة" كما جاء في فيلم الإرهاب والكباب، وإنما تقدم بإعلاء مبادئ العدل والمساواة وتفعيل القانون واستخدام أسلوب البحث العلمي في التفكير واحترام حق الإنسان في إبداء رأيه.

وللحديث بقية!

اقرأ للكاتب أيضا: فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG