Accessibility links

في الاتحاد 'كوة'، ولا تزال!


متظاهرون ضد الفساد في مدينة صور جنوب لبنان في العام 2016 (أرشيف)

منى فياض/

تسخر نكتة رائجة على موقع فيسبوك في لبنان من التهديدات الإسرائيلية بإعادة لبنان إلى العصر الحجري، لأن طبقته السياسية قد سبقتها إلى ذلك. وهذا ما بينته عاصفة متوسطة القوة ضربت لبنان في الأيام الماضية وكشفت عن الحضيض الذي بلغه المتعهدون المعتمدون من الدولة لإنجاز البنى التحتية.

وتسخر نكتة ثانية من المستوطن الإسرائيلي الذي دخل خلسة إلى لبنان "والبحث جار للقبض عليه"؛ استهجنت التعليقات من رغبة أي إسرائيلي بالمجيء إلى لبنان؛ ووجدت أن لا حاجة للقبض عليه، إذ أنه هالك لا محالة لمجرد تواجده على الأراضي اللبنانية، دون مساعدة من أحد.

أما عن الوضع الاقتصادي فأجمل تعليق قرأته يتوجه إلى رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان، لتصريحاته المتتابعة في أن لا خوف على الليرة: "سعادتك، نحنا مش خايفين إلا على حالنا، أصلا ما بقى (لم يعد) معنا ولا ليرة".

إلى هذا الحد بلغ تدهور الوضع في لبنان وعجز المواطن اللبناني، الذي لم يعد أمامه سوى اللجوء لما يسميه جايمس سكوت "المقاومة بالحيلة".

اقرأ للكاتبة أيضا: بعد كارلوس غصن، هل تتغير النظرة إلى اليابان؟

لكن في الآونة الأخيرة تكاثرت التحركات المطلبية. وكان ملفتا أنها طالت يوم الأحد الماضي مختلف المناطق اللبنانية من الشمال إلى الجنوب والبقاع، وصولا إلى جونية، وقبلها "عرين حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أن كانت تقتصر على وسط المدينة.

انطلقت التحركات بداية في محاولة لتقليد السترات الصفراء كما في التحرك الفرنسي. لكنها يبدو استعادت محليتها لاحقا؛ فالتحقت بها شرائح المواطنين بسبب الاحتقان الشعبي الذي لا يجد متنفسا له، على الرغم من الظاهرة اللافتة لجهة كثرة المنتمين إلى أحزاب السلطة في التظاهرات، وهي الأحزاب ذاتها التي يشكو منها المشاركون. وهي خطوة تهدف لاستغلال التظاهرات أو التأثير عليها أو إعاقتها. ولقد نجحت أحزاب السلطة حتى الآن في تمييعها. لذا لا يكف البعض من أطراف السلطة عن العمل على تحريفها لتبرئة القطاعات أو الوزارات العائدة لهم، مقابل التصويب على وزارات طرف خصم. فنحن نعيش في جمهوريات متقاتلة. ربما هذا ما يجعل المطالب في غالبها مبهمة وغائمة ومرتبكة.

راوحت التحركات المطلبية مكانها منذ نحو ثلاث سنوات دون أن تتمكن من الضغط لتحقيق أي تقدم على مستوى تحقيق المطالب. ذلك أنها لا تواجه مصدر الخلل، فالبعض يطالب بوضوح "بعدم المساس بأحد" أو يكتفي بمطالب هامشية. وإذا ظلت المطالب دون هدف واضح والطرف المقصود مجهولا فكيف سينجح الضغط؟

لو افترضنا أن المعترضين سيعيّنون طرفا محددا في السلطة كمسؤول، لتعرّض الحراك للانقسام على قاعدة الولاءات السياسية المتطابقة مع الولاء الطائفي والمذهبي، كما عاينا في الحراك الذي أجهض في 2015.

ففي مجتمعنا الذي يعاني من البطالة والركود الاقتصادي والتفكك الاجتماعي، نجد أن العمل النقابي يعاني من مشكلتين أساسيتين: فمبدأ التضامن النقابي يضعف بينما تقوى الانقسامات العمودية ـ الانقسام المذهبي على سبيل المثال؛ والمشكلة الثانية أن الانتخابات النقابية تجري ضمن الأطر السياسية، فغالبا ما تغفل مصالح العمال أو الفئات المعنية لتغليب المصالح والانتماءات السياسية القائمة على الانقسام الطائفي الحاد بالرغم من ظاهرة التحالفات المصلحية الكاذبة العابرة للطوائف.

في ظل هذا الوضع المشتت، كان يمكن للنقابات والأحزاب أن تكتسب دورا مهما فيما لو لم يتم إضعافها وشرذمتها على مدى سنوات الهيمنة السورية. ذلك أن الإمساك بمفاصل السلطة يتطلب السيطرة على جميع الأطر التنظيمية كالأحزاب والنقابات وقياداتها؛ أي كل أشكال التنظيم التي بإمكانها تحريك قطاعات واسعة ومؤطرة من المواطنين لبلورة مطالب وتحركات تمكنها من الضغط الفعال على السلطة أو الحكام لتقديم تنازلات.

لذلك يكتسب تشتيت هذه الأطر ووضع اليد عليها أولوية مطلقة؛ لأن ذلك يسمح بكبح أي قدرة على الاعتراض وأي إمكانية لمواجهة السلطة. إنها إحدى دعائم الاستبداد واستقراره. لذا جرى وضع اليد على لبنان على شاكلة ما حصل في سوريا. فبعد أن استتب الوضع وحقق الأسد الأب هيمنته التامة على أشكال التنظيم والتأطير المهنية والسياسية في سوريا، تفرغ للهيمنة على لبنان، بتواطؤ وتخاذل المسؤولين الملتحقين به من أجل الفتات المتروك لهم. تماما كما يفعل حزب الله الآن.

سبق أن تعرض الاتحاد العمالي العام، الذي يضم النقابات العمالية اللبنانية، إلى عدد من الانقسامات، منذ 1975، وذلك بعد أن لعب دورا مهما قبل الحرب لجهة تحقيق إنجازات رائدة، مثل المساهمة بإقرار مشروع الخدمة العسكرية، وهي عامل مهم لحقيق التماسك الاجتماعي، والضمان الصحي (16 آذار/مارس 1970)، ودعم عمال التبغ وغيرها من الإنجازات.

ورغم الانقسامات التي تعرض لها خلال الحرب الأهلية وبسببها، استطاع أن يلعب دورا مهما في استقطاب وتنسيق جهود الهيئات المدنية في إطار ما سمي المؤتمر النقابي العام، كما يشير غسان صليبي في كتابه "في الاتحاد كوة"، وذلك في سياق تطور ظاهرة المقاومة المدنية في الأعوام 1986 ـ 1988.

لكن الانقسام المصيري الحاد الذي تعرض له حصل في النصف الثاني من تسعينيات القرن السابق. كشف هذا الانقسام الخلل العميق الذي يعاني منه لناحية استقلاليته. وكان قد مهد لذلك الصراع الجاد الذي نشأ بين الاتحاد والحكومة بين عامي 1992 و1994 حول موضوع التنظيم النقابي إثر إقدام وزير العمل حينها (البعثي عبد الله الأمين، منفذ سياسة الأسد للهيمنة وتشتيت القوى المنظمة للنقابات)، على طرح مشروعه لهيكلية جديدة. واعتبر المجلس التنفيذي للاتحاد أن ذلك يمس من حيث الشكل والجوهر بمبادئ الحرية النقابية.

يضاف إلى ذلك، القيود التي يضعها القانون اللبناني بحصره حق التنظيم النقابي ببعض الفئات كما يضع قيودا إدارية لممارسة هذا الحق؛ فالترخيص من وزارة العمل يجب أن يحظى بموافقة وزارة الداخلية.

بعد الانقسام في 1997 فتحت بعض الممارسات الباب واسعا للتدخلات. فضعف دوره وصار الاتحاد تابعا للسلطة السياسية. فتسييس النقابات بشكل متطرف يجعلها امتدادا للسلطة الحاكمة على شكل حزب الدولة؛ فتفقد دورها؛ وهذا ما يطبع العالم الثالث عموما. بحيث تنطبع خطابات المسؤولين النقابيين والكوادر بنفس أيديولوجي وحماس زائد. وهي تتبع بذلك النموذج السوفياتي، فعند قيام الثورة البلشفية في 1917 كان عدد النقابات في روسيا 2000 نقابة، لكنها اختزلت في الثلاثينيات إلى 30 فقط. عنى ذلك ضبطها ووضعها تحت السيطرة ليسهل انقيادها.

اقرأ للكاتبة أيضا: أوهام الهويات المجروحة الطاحنة

فالنقابات المستقلة والممثلة لمصالح مختلف الفئات المهنية والاجتماعية يمكنها أن تبلور مطالب محددة تكون ممثلة لمصلحة وحقوق المواطنين وتدافع عن قضايا معيشية وحقوق أساسية تهم أبناء مختلف الطوائف. والدليل على ذلك الوضع في فرنسا؛ فعلى ضوء ما يحدث ـ وهو يشبه الثورة الشعبية التي انطلقت عبر وسائط الاتصال الاجتماعي الحديثة ـ وفي ظل إضعاف دور النقابات، لم تجد بعد قيادات تبلور مطالبها لتتفاوض عليها مع الحكومة. وهذا ما نعاني منه في لبنان الآن، لا الحراك المدني استطاع أن يوحد ويوجد قيادات فاعلة، ولا النقابات مستقلة أو فاعلة.

مع ذلك، يتحفنا البعض في التغني في أن لبنان المنهار والمفلس والمفكك يقف في وجه إسرائيل وسيهزمها، لأنه بلد المقاومة والمقاومين! ولهذا حديث آخر.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)
XS
SM
MD
LG