Accessibility links

في العزلة والمؤامرة


خسر الأسد شمال سوريا الشرقي، الأكثر ثراء لصالح الأكراد

بقلم هديل عويس/

لا تتردد الجماعات العربية المختلفة على الدخول في دوامة نظرية المؤامرة إذا واجهت واقعا لا يعجبها، حتى لو كانت بالأمس القريب صديقة لمتآمري اليوم. لا تقف المسألة عند الاقتناع بأن أي نقد يوجه لنا هو من باب المؤامرة علينا، بل تذهب الجموع الرافضة للحقيقة إلى أبعد من هذا، فتخلق عالم من موازي من الوهم تعزل نفسها فيه بجدران مضادة للانتقاد والحقيقة وصوت العقل، فيصبح باعتقادها أن صراخ مجموعة مكونة من بضعة آلاف مدعومين من الحكومات لتهديد وترهيب المعارضين يعني أنهم واقع الحال، بينما يعرف كل العالم أنهم ليسوا واقعا، بل نجما خافتا جدا سابحا في مدارات تتفرج على صراخهم وترى واقعهم المأساوي من الخارج جليا كما هو في الحقيقة بوضوح وشفافية.

كنت طالبة في سنتي الجامعية الأولى في حلب، وكانت أمي في محافظة شرقية بعيدة، وكان هذا في حزيران/يونيو من العام 2011.

كنت أقيم في حلب، لكن في تلك الأشهر، سافرت محافظات البلاد طولا وعرضا فضولا وشوقا وشغفا برؤية ما لا يراه الإنسان العربي عادة، وهو الجموع الغاضبة الصارخة بأعلى صوتها دون خوف وقهر. زرت حماة وحمص وأرياف حلب وإدلب ودمشق، كانت الناس فيها تقتل بالرصاص من النقطة صفر ومع ذلك كانت تخرج وتخرج أكثر وأكثر.

كنت أرى المعجزة السورية المستحيلة بأم عيوني في الكثير من المحافظات، وكانت أمي تتصل للاطمئنان عليّ من مدينتنا الشرقية التي اختارت ألا تثور، كنت أخبر أمي بالألغاز عما أراه من شيء مهول، إذ قلت لها رأيت شبيحا يريد كي أجساد المتظاهرين في إدلب بأسياخ الشاورمة الملتهبة حيث هجم حقدا وغيظا من أصواتنا ورغم ذلك صرخنا بصوت أعلى، حرية.

باختيار العزلة، لم يكسب شبيحة الأسد إلا شعورا وهميا كاذبا تؤكد عليه بضعة قنوات محلية فقط

كانت أمي التي، تحب البلد وتحب حياتها فيها ولا طموح لها بالاعتراض على سياسيات الأسد، تثير استغرابها الشديد مما أقول وتؤكد لي أنها من خلال متابعتها للقنوات وتواصلها مع الناس ترى أن "الجميع يحب بشار الأسد" ولا تعرف أحد لا يحبه!

كنت أعلم أن أمي دخلت، كما سوريين كثر لم يعجبهم الواقع، في العزلة التي لا آراء فيها إلا آراء قنوات النظام، ولا أصحاب فيها إلا الجارات السعيدات أيضا بالأسد وغير الراغبات بتغيير شيء.

في حلب، المدينة التي كانت محطتي الدائمة حتى الشهر السادس من الانتفاضة السورية التي كانت تحكي عنها كل صحف العالم، كان صاحب محل الخضروات جارنا يجادلني بأن حركة شفاه المتظاهرين في درعا لا تتناسب مع ما يقولونه وبالتالي هو يصدق ويؤمن بأن درعا تعيش أياما عادية وأن هذه التظاهرات فعلا مجسمات بنتها الجزيرة والعربية.

كان عالم جارنا وأمي الموصوف "بالجميع يحب الأسد" يصور لهم أن ما يحدث في تلك المحافظات البعيدة ليس أكثر من محض خيال ومؤامرة. أما أنا التي كنت أدور البلاد تلمسا لتظاهرة، كنت أدرك أنها معجزة شعبية لا أكثر.

نجح مؤيدو الأسد بخلق عالم موازي غير موجود، يعيشون فيه مع إعلام النظام وتصريحاته الرسمية، محيطين أنفسهم بالكثير ممن يوافقونهم الرأي، حتى أنه بعد سبع سنوات من فقدان الأسد لعقله بسبب كلمة "حرية" وتدميره للبلاد، لا يزال هناك من يجد صعوبة في تصديق حقيقة أن الآلاف خرجوا معترضين واضعين حدا ونهاية تاريخية لإرث عائلة الأسد وبطشها، صارخين بأعلى صوتهم "ارحل يا بشار".

كان الغرق في ذلك العالم الموازي مقدمة لخروج سوريا وشعبها من التاريخ، وبالتالي عزلة وتدهور اقتصادي وسياسي واجتماعي وعقوبات دولية ومأساة على كل المستويات. كل شيء يتعلق بسوريا تدهور حاله: من جواز السفر السوري الذي أصبح مرفوضا في كل دول العالم، إلى الرئيس السوري الذي تحبسه الانعزالية في قصره للعام الثامن على التوالي ما عدا زيارة خاطفة الى موسكو وأخرى إلى طهران وزيارة من رئيس أوسيتيا الجنوبية الذي كان أول زعيم عالمي يصافح الأسد لا بل ويمنحه وسام أوسيتي رفيع المستوى!

بعد السنوات السبع، والحديث العالمي عن شلل قدرات الأسد عن التحكم في بلاده، وتفتت سوريا وفقدان الأسد لشمالها الشرقي، الأكثر ثراء لصالح الأكراد والوجود الأميركي، وشمالها الغربي لصالح تركيا، لا يزال مؤيدوه يعيشون في العالم غير الموجود معلنين انتصار الأسد على المؤامرات جلها.

في داخله، يعرف الأسد الذي كان قبل عقد من الزمن يتمشى مع زوجته في شوارع باريس، ويستقبل بعدها جون كيري في مطعم دمشقي عريق، أن هذا الحبس القسري في القصر في دمشق، في ظل الخوف والرعب والخيانات والاغتيالات ومحاولات الانقلاب عليه وعدم اليقين من أقرب الحلفاء الروس والايرانيين الحارسين لقصره، ليس انتصارا ولم يكن حلمه يوما، هو الذي وصل زعيما شابا واعدا بالإصلاح، مستهدفا إخراج سوريا من عزلتها ودفعها لأول مرة بقوة باتجاه العالم الغربي الذي درس فيه الأسد وكان به مبهورا.

باختيار العزلة، لم يكسب شبيحة الأسد إلا شعورا وهميا كاذبا تؤكد عليه بضعة قنوات محلية فقط، ويكفي أن تكتب اسم سوريا في محرك البحث، غوغل، لتعرف الحقيقة التي تراها المجرة بأكملها، وهي أن الأسد رئيس مشلول، قتل شعبه، سيبقى العالم ينبذه، ولن تحظى سوريا بعلاقات عالمية طبيعية واقتصاد متعافي ما دام هو على رأس سلطتها.

إطلاق سراح الكلمة أقل كلفة بكثير عليهم من قمعها، وإطلاق سراح المعتقلين يضيف إليهم أكثر بكثير من رميهم في السجون

وعلى الرغم من تباهي شبيحة الأسد بأن قائدهم ضحية مؤامرة وعزلة كونية لعظمته، وأن أميركا ودول أوروبا لا تهمهم، إلا أنك تراهم حتى الرمق الأخير يحاولون تملس تصريحا غربيا يغازل الأسد أو يعطيه أملا في المستقبل، لا بل يلجؤون في بعض الأحيان إلى تلفيق الأخبار على لسان مسؤولين غربيين.

العزلة، والتعنت، والإنكار وتحدي الحقائق كوسيلة لمجابهة الأخطاء والمشكلات لا تؤدي فقط إلى صم آذاننا عن انتقادات العالم لنا، بل هي أيضا عزلة لأنفسنا تصم آذان العالم عن سماعنا إلى الأبد.

هناك طرق فعالة لمواجهة الأخطاء لكنها غير جذابة في المنطقة العربية التي يختار بعض زعمائها التنازل للعالم برمته عن الكثير من الأوراق مقابل عدم الانكسار أمام شعوبهم، فيسعون لإغراء هذا الزعيم الغربي وذاك بصفقات كبيرة لمساعدتهم في إسكات شعوبهم، بينما الحل أبسط وأقل كلفة بكثير وأكثر مردودا وهو إثبات حسن النية الحقيقية والصادقة.

المؤسف هو أنه وإن حاولوا فغالبا ما تتجه المنطقة إلى محاولة إثبات حسن النية بتغيير الرتوش، ومحاولة تجميل الصورة دون تغيير وإصلاح حقيقي جوهري وحتى إن كان هناك إصلاح فهو لإرضاء الخارج وليس الداخل. لو جرب الحكام لمرة واحدة إرضاء شعبهم وليس بيانات الخارجيات الغربية، لعرفوا أن إطلاق سراح الكلمة أقل كلفة بكثير عليهم من قمعها، وإطلاق سراح المعتقلين يضيف إليهم أكثر بكثير من رميهم في السجون.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG