Accessibility links

في المغرب والسعودية ومصر: الحب والحرية ممنوعان.. العنف مباح


رهب، في مؤتمر صحافي لها في كندا

سناء العاجي/

شاب مصري يتقدم لخطبة حبيبته في باحة جامعة الأزهر. فرِحة، تحضن الفتاة حبيبها؛ لتقرر الجامعة فصل الطالبة، قبل أن تتراجع عن قرار الفصل "مكتفية" بمنعها من المشاركة في الامتحانات. في المقابل، تم فصل الشاب سنتين من جامعته.

طيب، ماذا لو كان قد تحرش بها أو اغتصبها؟ ماذا لو كان قد سرق هاتفها أو شوّه وجهها؟ بالتأكيد ما كان للجامعة أن تتفاعل ولا للمجتمع أن يثور بهذا الشكل.

تطرقت المدونة المصرية غادة عبد العال لحالة رجلين ذبح أحدهما زوجته وأبناءه وضرب الثاني ابنته حد القتل لأنها كانت تقف مع شخص لا يعرفه؛ ورغم اعتراف الجانيين، فقد جنح الكثيرون إلى تبرئتهما وإيجاد ظروف التخفيف (لأن الزوجة والأبناء في الحالة الأولى والابنة في الحالة الثانية "يستاهلو قطم رقبتهم").

يتعامل المجتمع بانتقائية رهيبة مع قضايا العنف والحب: تجد جرائم القتل والتحرش والسرقة والاغتصاب من يدافع عن مرتكبيها؛ لكن أن تحضن شابة حبيبها، بل وبعد خطبته لها، فهذا يستوجب أبشع العقوبات، من الجامعة ومن المجتمع ومن الأصوات الأخلاقوية المريضة.

في السعودية، ترفض الشابة رهف الثقافة المجتمعية والقيود التقليدية المفروضة على النساء. شابة تريد أن تنطلق وتعيش بحرية، فتتعرض للتعذيب النفسي والجسدي من طرف أهلها. وحين تقرر الهرب وتستفيد من اللجوء في كندا، تتبرأ منها العائلة تحت ضغط القبيلة والجماعة والسلطة الدينية والرقابة المجتمعية.

اقرأ للكاتبة أيضا: المثلية الجنسية ليست جريمة

آليات البروباغندا السعودية جعلتنا جميعا نتوهم في البداية بأن أسباب هروب رهف مرتبطة بكونها تركت الإسلام. لكن، وحسب مختلف التصريحات التي أدلت بها الشابة السعودية لوسائل الإعلام الكندية، فالأمر لا علاقة له بتركها للإسلام بقدر ما يتعلق بهروبها من القيود المجتمعية المفروضة على النساء السعوديات.

ومع ذلك، وعلى فرض أن الأمر يتعلق بتركها للإسلام، هل نناقش من قرر تغيير دينه بالعقل والحجة والمنطق، أم نفرض عليه البقاء على دين آبائه بالإكراه والعنف؟ هل التدين قناعة يجب أن تكون نابعة من الشخص، أم مجرد شكل اجتماعي علينا أن نحافظ عليه؟

بالمقابل، فوجودنا في مجتمعات يتنامى فيها الخطاب الديني وتقل فيها القيم والممارسات المواطنة، لا يزعجنا. ليس مطلوبا منك أن تكون متناسقا مع قناعاتك، بل فقط أن تظهر ما يعجب الجماعة. ليس مطلوبا منك أن تكون صادقا، بل أن لا تصدم القبيلة في توقعاتها. ليس مطلوبا منك أن تكون حرا ناضجا، بل أن تشبه تلك الصورة التي ينتظرونها منك.

أي تدين هذا نطلبه من الآخرين، ما لم يكن نابعا من قناعة حقيقية؟

كيف يمكن أن نجبر الناس، بلغة القانون والمنع والقتل، على التظاهر بتدين معين؟

أي قيمة لتدين لا ينبع من حرية الاختيار؟ أي قيمة لكونك متدينا في مجتمع لا يمنحك حق الاختيار؟ في الحقيقة، لا يمكن أن يكون هناك إيمان حقيقي ولا تدين صادق، إلا بوجود الحرية. وحده تدينك في بلد يضمن لك حق التدين أو عدمه، يكتسي قيمة فعلية. أما تدينك في بلد لا تملك فيه حق عدم التدين، فلا يعد إلا تطبيعا مع الكائن.

في الحكاية الثالثة، من المغرب هذه المرة، امرأة تقبل رجلا، فيصدر ضدها حكم بالسجن النافذ لمدة أربعة أشهر. في الدول التي تحترم الفرد، يتوفر للزوج في هذه الحالة الحق في طلب الطلاق. لكن، لا يدخل رجل ولا امرأة السجن بتهمة اسمها "الخيانة الزوجية". طبعا، يمكننا هنا أن نتصور ببساطة أن قرار السجن ما كان ليصدر لو كان الزوج هو من قبّل امرأة أخرى.

اقرأ للكاتبة أيضا: رأس السنة حرام... القتل حلال

الغرض هنا ليس الدفاع عن العلاقات الجنسية خارج الزواج، للأشخاص المتزوجين. لكن القضية بكل بساطة هي قضية أفراد لا يمكن أن يشرعن فيها القانون. الشخص الوحيد الذي يحق له التدخل واختيار الانفصال أو البقاء، هو الزوج أو الزوجة المعنيين. لا دخل للدولة والقانون في الأمر، ما دام الأمر لا يتعلق باستغلال جنسي أو بالعنف. الحياة الجنسية للأشخاص الراشدين فيما بينهم (حتى لا يستغل الأمر بعض أصحاب العقول المريضة لتبرير علاقة جنسية بين شخص راشد وطفل) هو أمر شخصي لا يمكن أن تشرعن فيها الدولة القوانين.

باختصار، الحب بين الراشدين حرية شخصية.

الجنس بين الراشدين حرية شخصية.

التدين حرية شخصية.

بدل أن نعاقب الحب والعقل والإيمان... لنعاقب القتلة والمتحرشين والمجرمين والمغتصبين واللصوص. هؤلاء يضروننا فعلا. لكننا كثيرا ما نتسامح معهم وكثيرا ما نجد لهم الأعذار.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG