Accessibility links

في مديح المندسين


المندسون هم من جعل من السقوط رحلة ممكنة. هم من منحنا بعضا من الرغبة في البقاء على قيد الحياة في ظل هذا الرئيس المضجر وفي ظل حكومة البؤس التي شُكلت له

حازم الأمين/

ثمة إجماع في لبنان على أننا سائرون نحو مزيد من السقوط، ماليا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وأن تشكيل الحكومة الجديدة، وهي في أحسن الأحوال حكومة اللون الواحد وفي أسوأها حكومة "حزب الله"، سيتولى تسريع هذا السقوط. ووسط هذه القناعة وهذه الحقيقة يخرج من يصف الشبان، المتظاهرين راشقي عناصر مكافحة الشغب بالحجارة، بالمندسين!

إذا علينا أن ننتظر الهاوية بصمت. أي صراخٍ وأي تعبير عن الألم سيفضي بنا إلى أننا مندسون. يجب قلب المعادلة، وجعل الصامتين حول المصير الذي ينتظرهم هم المندسون. إنهم الضعاف نفوسهم، ممن قبلوا بالسرقة الكبرى التي تعرضوا لها، وممن دأبوا على قبول الضيم في ظل هذه الطبقة السياسية الممتدة من الحدود إلى الحدود، ومن البحر إلى الجبل.

الصامتون هم المندسون، ممن لا يفسحون لصوت الألم الهائل الذي يصدر عن فتية صاروا بلا مستقبل، وعن عائلات تنتظرها الكارثة.

بيروت بفعل مندسيها تعيش أياما رائعة في انتظار سقوطها المدوي

المندسون هم فعلا من تولى إطلاق هذه العبارة، ومن راح يوظفها في الإشارة إلى فتية التظاهرات. التلفزيونات هم المندسون. التلفزيونات التي تعتاش على إعلانات المصارف. التلفزيونات التي يملكها سياسيون. التلفزيونات التي تدافع عن حصص الطوائف. التلفزيونات التي منحت هواءها للمعتدين على النشطاء من أمثال ربيع الأمين. هؤلاء هم المندسون، وليس الفتية القادمون من الشمال ومن الجنوب ومن البقاع لقذف حجر على حراس مجلس النواب، وعلى قلعة الفساد الكبرى.

المفارقة اللبنانية هائلة ومذهلة. ثمة عملية سطو معلنة شهدها هذا البلد، واليوم يتم ابتلاعها لمصلحة خطاب موظف ضد فتية قرروا مواجهة السارق الكبير. مواجهته بحجر قليل الحيلة والفعالية. جُندت الجيوش والتلفزيونات والمصارف وشركات الهاتف في هذه المعركة، فيما الفتية ضعيفو الحيلة والمقدرة، يشعرون أنهم في مجرد مواجهة مع قنابل الغاز، وأنهم ينتظرون حلول الساعة التاسعة مساء حتى يغادروا إلى منازلهم البعيدة والفقيرة والموحشة، وحتى يتركوا أهل الشاشات وحيدين، مع كاميراتهم ومراسلاتهم اللواتي يهوين التقاط صور السلفي مع الرؤساء.

الطريق إلى الهاوية من دون هؤلاء الفتية كان سيبدو أكثر قتامة. لنتخيل مثلا أننا وقعنا في الإفلاس الذي نحن فيه، وتشكلت حكومة البروفسير حسان دياب، وصار طلال إرسلان صاحب أربع حقائب وزارية، وأحل جبران باسيل مستشاريه محل وزرائه، وواصلت الجهات المانحة من دول وصناديق تنفيذ قراراتها بالكف عن مساعدتنا، وأن كل ذلك يجري فيما ساحة الشهداء في بيروت لا تشهد أي مواجهة.

الطريق إلى الهاوية من دون هؤلاء الفتية كان سيبدو أكثر قتامة

أليس البؤس في هذه الحال مضاعفا. القصر الحكومي الواقع على تلة خفيضة مشرفة على الساحة، والذي يقيم فيه رئيس بطيء ومستشارون قليلو المعرفة والذكاء، كان سينفجر من تلقائه بساكنيه. والمصرف الذي سطا على ودائع زبائنه كان سينجو بفعلته، لكنه لن يجد مكانا لسيجار مالكه في الساحة الموحشة، والمراسلة التلفزيونية لن تجد رئيسا لتلتقط معه صورة سلفي، ذاك أن الأخير سيكون قابعا في كابوس الانهيار لوحده، من دون ضيوف ولا شاشات.

المندسون هم من جعل من السقوط رحلة ممكنة. هم من منحنا بعضا من الرغبة في البقاء على قيد الحياة في ظل هذا الرئيس المضجر وفي ظل حكومة البؤس التي شُكلت له.

بيروت بفعل مندسيها تعيش أياما رائعة في انتظار سقوطها المدوي. المراسلة الغبية لا تريدنا أن نعيش لحظاتنا الأخيرة مع قليل من الغبطة والفرح والحب. تريدنا أن نحمل معنا إلى موتنا وإلى جهنمنا صورة حسان دياب لا صورة ذلك الشاب الفقير والمبتسم حامل الحجر وقاذفا به إلى المجلس النيابي.

الجائع سيموت مرتين إذا ما كان برفقة متخم في الطريق إلى موته

فلنقبل معهم بنظرية المندس ولنكمل الفكرة إلى آخرها. ماذا يقترحون علينا؟ هؤلاء الشبان اقترحوا مسارا، هو المواجهة ورفع الصوت وإطلاق الشتيمة، فماذا تقترحن أيتها المراسلات، ويا أيها الرئيس ويا قائد الشرطة؟ الكارثة على بعد أيام قليلة، فكيف نواجهها؟ ننتظر سقوطها على رؤوسنا بصمت وقبول وتسليم؟ ثمة مندسا يدهى بعقولنا ويقدم لنا عرضا مثيرا، فهل نقبل به، أم نصدق أنه من واجبنا أن نموت من دون أن ننبس ببنت شفة؟

من المؤكد أن الرحلة إلى الهاوية ستكون مسلية أكثر برفقة هؤلاء مما هي برفقة حسان دياب ورهطه. لا بل ستكون صادقة أكثر، فالجائع سيموت مرتين إذا ما كان برفقة متخم في الطريق إلى موته، فيما سيجد بجائع مثله رفيق درب طبيعي ومنسجم وحالم ومتأمل باحتمال نجاة.

بالأمس قال وزير الطاقة للبنانيين، "لا أعدكم بكهرباء قريبا، ولا بكلفة أقل لسعر الطاقة، ولا تتوقعوا أن تقبل جهة بالاستثمار في دولة مفلسة"! هذا الوزير يريد منا أن نقبل بهذا القدر وأن لا نقذف حجرا إلى المجلس النيابي. علينا أن نختار بين هذا البؤس، وبين أمل ضئيل يرسمه لنا حجر قذفه فتى مندس قادم من طرابلس أو من النبطية.

اقرأ للكاتب أيضا: المصرف و"حزب الله"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG