Accessibility links

قاطعو الرؤوس!


تبكي ضحايا التفجيرات الانتحارية التي استهدفت سريلانكا

فارس خشّان/

فيما كنت وسائر الداخلين إلى متحف كبير في فلورنسا نخضع للتفتيش الأمني، حضرت في ذهني العمليات الإرهابية المتنقلة بين عواصم العالم ومدنه، حاصدة الآمنين والمؤمنين.

نظرت إلى نفسي وإلى المحيطين بي، من جنسيات متعددة، ومعتقدات متنوعة، وأعراق مختلفة، وتساءلت عن المصدر الذي يمكن أن يعطي هؤلاء الإرهابيين هذه القناعة الوجدانية الساحقة، بأن انتصارهم أو انتقامهم أو عزّتهم، يمكن أن تمر بأجسادنا، ذلك أن ما من واحد أحد منّا، ونحن نتنقل بين متحف وآخر، وبين معلم معماري وآخر، وبين مركز ثقافي وآخر، جاهدين في تقفي أثر المبدعين في التاريخ، من يدعو إلى الحرب أو يزرع الحقد أو يقول بتفوق جنس أو عرق على آخر...

وانتهت تساؤلاتي بانتهاء الوقت الذي استغرقته الإجراءات الاحترازية.

الإرهاب فعل قائم بذاته ولا يختلف تصنيفه باختلاف المستهدفين فيه

ولكن، مع انتهاء جولتي في متحفي "المكاتب" و"القصر القديم" الفلورنسيين، وفيما كنت أستريح في مقهى مستعينا بفنجان "كابوتشينو" أصيل، حضرت اللوحات والتماثيل العنيفة التي شاهدتها، إلى ذهني: الملك داوود يمسك برأس غريمه جليات المنزوع عن جسده. بيرسيه الإغريقي يرفع رأس ميدوسا بعدما قطعه. جوديث العبرانية تقطع رأس هولوفيرنس وقائيا لئلا يفتك بملتها. هيروديا منتشية، وهي تتلقى، على طبق من فضة، رأس يوحنا المعمدان، بعدما قطعه لها الملك هيرودس، بناء على طلب سالومي التي أغوته برقصها، وفي "القصر القديم"، حيث مكث لسنتين، تراءى لي شبح الأمير اللبناني التاريخي فخر الدين المعني الثاني الذي أنهاه العثمانيون جثة مقطعة تقطيعا، عقابا له على نهجه الاستقلالي.

اللوحات والتماثيل التي شاهدناها كانت تريدنا أن نبكي في مكان، وأن نسعد في مكان آخر، على الرغم من أن الفعل المنتج لهذه الأحداث الخالدة واحد، وهو قطع الرأس.

بمعنى آخر، إننا مدعوون ليس إلى أن ندين الفعل بذاته، بل أن نبني موقفنا من هذا الفعل، بحسب الهدف الذي نال منه، فإذا كان المستهدف، برأينا شريرا، كان الفعل عظيما، أما إذا كان هذا المستهدف، برأينا فاضلا، فإن الفعل يكون إجراما.

ومن تراه يقيّم هذه الشخصيات، إيجابا أم سلبا؟

هي الكتب التي خطّها أناس لا نعرفهم، ولهم عقائدهم وأهواؤهم وأهدافهم، وهي الأفلام التي عادت وبنيت على رواياتهم.

وبذلك، نكون نحن، بعد قرون عديدة ومديدة، قد اكتسبنا عواطف سلبية أو إيجابية، من دون أن تكون لنا، مع المتعاطفين معهم أو ضدهم، أي صلة معرفية حقيقية.

وقياسا على ذلك، بدا الجواب عن أسئلتي التي بدأت فيها رحلتي المتحفية، ممكنا.

هؤلاء الإرهابيون لا يعرفوننا، ولم يحتكوا بأي منا، ولم يطلعوا على نياتنا ولا على أفكارنا، ولكن علموهم، بالروايات هنا وبالخطابات هناك وبالتفسيرات هنالك، أننا لا نستحق الحياة، وأن ذبحنا انتصار لهم، وقتلنا احتقار لما نمثّل، وأرشدوهم إلى أن يتمثّلوا بأبطال خالدين سبقوهم. أبطال لم يتركوا سكينا إلا وجزوا بها الرؤوس، ولا سيفا إلا ورووه بالدماء...

كيف الخلاص؟

إن الأجوبة التي يقدمها كثيرون عن هذا السؤال لا ولن تفي بالغرض، لأن كل طرف يأخذ الموضوع باتجاه يفيده، ويطرح حلولا لا تعالج المعضلة، إنما تساعده على تعزيز وضعيته.

الاستمرار في ثقافة التفريق بين البشر يعني الاستمرار في اعتبار "من ليس منّا" يستحق قطع الرأس

المعضلة الإرهابية التي تعاني منها الإنسانية، وأخذت في العقدين الأخيرين أبعادا كارثية، هي معضلة ثقافية عميقة، وتاليا شاملة، ونحن نتلقنها، بلا وعي، كيفما اتجهنا، فهي في الأفلام حيث يحق للبطل، وهو يطارد اللص، أن يقتل عشرات الأبرياء، وهي في كل الكتب المقدسة تقريبا، حيث يحلل للأنبياء والأولياء أن يبيدوا من يعترض "طريق الله"، وهي في المتاحف، حيث يُخلّد قطّاع الرؤوس، وهي في الأحزاب السياسية حيث "أفعال الرفيق" أو "أفعال الحليف" لها أبعاد بطولية فيما "أفعال الخصم"، ولو كانت متطابقة، هي إجرام وإرهاب.

إن الاستمرار في ثقافة التفريق بين البشر، على أي قاعدة كانت، يعني الاستمرار في اعتبار "من ليس منّا" يستحق قطع الرأس...

حبّذا، لو أن الحاضر ينكب على تعليم أجيال المستقبل أن التاريخ لا يعلمنا قصص أبطال بل قصص ناس عاشوا وفكروا وتصرفوا، وفق إملاءات أزمنتهم المظلمة، ولو أنهم عادوا اليوم وفعلوا ما فعلوه لكانوا هم يتقدمون صفوف الإرهابيين، لأن الإرهاب فعل قائم بذاته ولا يختلف تصنيفه باختلاف المستهدفين فيه.

اقرأ للكاتب أيضا: نار "نوتردام": حريق أم معمودية؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG