Accessibility links

قتل الأطفال تعذيبا.. جنة لن تكون آخر ضحية


طفلان يتابعان تدريبات اتحاد المصارعة المصري في الاسماعيلية

ماهر جبره/

منذ أيام توفيت الطفلة جنة بنت الأعوام الخمسة، فلم تتحمل المسكينة كي وحرق جدتها لها في أماكن متفرقة من جسدها وخصوصا في المنطقة التناسلية. صُدم المصريون من الصور التي انتشرت على السوشيال ميديا، وطالب كثير منهم بإعدام الجدة.

ورغم رد الفعل القوي، لكن، وللأسف، لن تكون الحالة الأخيرة. ببساطة لأن مصر ليس لديها منظومة فعالة لحماية الأطفال. فمن عمل في مجال حقوق الطفل يعرف أن تعذيب وقتل الأطفال تحت مسمي التأديب أمر يحدث بصورة دورية، وأنه من أكثر الملفات الحقوقية المسكوت عنها.

في الفترة الممتدة بين 2006 ـ 2008 كنت أعمل في "المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة"، وكان عملي يتركز على رصد انتهاكات حقوق الطفل، وعلى المطالبة بسياسات وقوانين لحماية هذه الحقوق.

لا عجب أن يتطور "التأديب المباح شرعا" إلى الإصابات الجسيمة أو الوفاة في بعض الحالات

كنت أبدأ يومي كل صباح بمراجعة الصحف بحثا عن حوادث العنف ضد الأطفال، بهدف توثيقها. ولن أبالغ إذا قلت إنه لم يمر شهر واحد من دون خبر أو أكثر ـ على الأغلب في صفحة جانبية صغيرة ـ عن مقتل طفل على يد أحد أفراد أسرته أو معلمه.

الأب أو المدرس أو صاحب الورشة التي يعمل بها الطفل يقول: لم أكن أقصد قتله، كنت أؤدبه فقط بسبب كذا أو كذا. ولكن بينما كنت أضربه، جاءت الضربة على رأسه مثلا وتوفي على أثرها. سيناريو أصبحت أحفظه لشدة تكراره.

دعني أحكي عن قصة مشابهة تماما لقصة جنة، حاولت فيها أن أحمي نسمة (اسم مستعار) من عنف أهلها ولم أتمكن، بسبب غياب أي تشريع حقيقي يحمي الأطفال.

كانت نسمة في التاسعة من عمرها وبعد انفصال والديها ذهبت لتعيش مع جدها وجدتها لأمها. بعد الطلاق بفترة تزوجت الأم من شخص غير مصري وسافرت لتعيش معه، تاركة نسمة وأختها الأصغر مع الجدين. ولكن بعد علم الأب، أخذ البنات وقال إنه أولى بحضانتهما.

ولأن نسمة كانت تشبه أمها، ولأنه الأب شعر بالإهانة عندما تزوجت طليقته من رجل آخر، قرر الانتقام منها من خلال الانتقام من ابنته. كان يقوم بربطها وتعليقها في السقف بجنزير صلب. وحرقها بالمعلقة بعد تسخينها على النار، وأيضا في أماكن حساسة، كما في حالة جنة.

استنجدت منظمة أهلية بنا، وذهبت أنا لبيت جد البنت لأجمع معلومات أكثر عن الحالة. وقد كانت المفاجأة أن أهل أمها تقدموا ببلاغ ضد الأب في قسم الشرطة، وبالفعل تم إحضار البنت ووالدها إلى القسم ورأى الضابط بنفسه آثار التعذيب على جسد البنت، ولكنه قال إنه ليس من حقه التدخل لأن الأب من حقه أن يربي ابنته!

بعدها قمت بمحاولة مع بعض العاملين في خط نجدة الطفل (16000) وذهبنا لبيت الوالد. ورأينا جميعا آثار التعذيب على جسد البنت. ثرت وغضبت وحاولت أن آخذ البنت بهدف إيداعها في دار رعاية أو في بيت جدها لحمايتها. لكن، كانت المفاجأة للمرة الثانية عندما قال لي موظفي الخط إنه لا يمكننا أن نأخذ البنت من أبيها، لأننا لا نمتلك الصلاحية القانونية لفعل ذلك!

لم أعرف ماذا الذي أفعله لحظتها، فأنا أعمل في منظمة أهلية وليس لدى أي سلطة. رحلنا وأنا أرى الرعب في عيون نسمة. لم أتمكن من النوم ليلتها من الشعور بالذنب تجاه تلك المسكينة، فقد تركناها وأنا متأكد أن والدها سينكل بها بعد رحيلنا. خصوصا بعد أن تأكدت من أن الأب يتعاطى المخدرات وغير متزن نفسيا.

وبالفعل حدث ما كنت أخشاه. هرب الأب وأخد معه البنات وغيّر مكان سكنه. اختفى لشهور إلى أن رأته خالة البنت بالصدفة في الشارع، فصارت تصرخ بأعلى صوتها "الرجل ده خطف البنات".

تدخل المارة وذهب الجميع لمركز الشرطة. بعدها تم إبلاغي وذهبت على الفور إلى هناك. منظر نسمة كان مرعبا، فقد كانت حرفيا بين الحياة والموت. كان معظم جلدها أزرق اللون من شدة الضرب، فضلا عن آثار الحروق الكثيرة التي كانت تخفيها الملابس الشتوية الثقيلة، التي تخيل الأب أنه سيداري بها فعلته.

في ذلك الوقت، كانت الأم قد عادت من سفرها وأخذت منه البنتين في القسم. ولولا الصدفة التي جمعت الخالة بالوالد ولولا تدخل المارة في الشارع، لكان مصير نسمة مشابه لمصير جنة. فقد فشل القانون في حمايتها مرتين، مرة في قسم الشرطة عندما أبلغ أهل أمها عما تتعرض له، والثانية عندما فشل الخط الساخن في نقلها لمكان آمن.

أثناء فترة عملي في "المؤسسة"، لعبت الأخيرة دورا رئيسيا في حملة لتعديل قانون الطفل (القانون رقم 12 لسنة 1996 والذي تم تعديله بالفعل في صيف سنة 2008). ومن خلالها ناقشت أعضاء في البرلمان عن إمكانية تجريم العنف المنزلي والمدرسي ضد الأطفال. وقد كانت معظم ردودهم كالتالي: "كلنا اتضربنا وطلعنا زي الفل، ما فيش أب أو أم هيقسى على ابنه لدرجة العنف المؤذي، العيل لازم يتضرب علشان يتربى"...إلخ.

ورغم أن تعديل القانون في العموم كان بمثابة خطوة إلى الأمام، إلا أن الجزء الخاص بحماية الأطفال من العقاب البدني لم يحقق أي تقدم يذكر. فقد تم استخدام صياغة فضفاضة، نصت على حق التأديب الشرعي لولي الأمر في المادة 7 مكرر (أ). وبالتالي أصبح القانون يشرّع العنف الجسدي تحت اسم "التأديب المباح شرعا" بدلا من أن يجرمه.

ثقافتنا ترى الطفل باعتباره ملكية خاصة لأهله، من حقهم أن يضربوه أو يعنفوه كما يشاؤوا

بالطبع سيقول البعض إن ما قامت به الجدة ليست تأديبا، وهذا صحيح. لكن من وجهة نظرها، هو فعل تأديب. دافعت عن نفسها قائلة إنها كانت تفعل ذلك عقابا للبنت بسبب تبولها اللاإرادي. والواقع أننا عندما نفتح الباب لشرعنة استخدام العنف الجسدي ضد الأطفال، فكل ولي أمر سيقدر هذا العنف المباح بحسب رؤيته.

ولأن ليس كل الأهالي أسوياء، فمنهم المضطرب نفسيا ومنهم المريض عقليا، ومنهم القاسي بطبعه ومنهم من يؤمن بضرورة العنف الشديد في التربية، فلا عجب أن يتطور "التأديب المباح شرعا" إلى الإصابات الجسيمة أو الوفاة في بعض الحالات.

الأزمة أن ثقافتنا ترى الطفل باعتباره ملكية خاصة لأهله، من حقهم أن يضربوه أو يعنفوه كما يشاؤوا. كما إنه ليس من حق المجتمع أو الدولة التدخل لحمايته.

للأسف، إلى حين ندرك أن الطفل إنسان له الحق في الحماية من العنف الجسدي مثله مثل البالغ، ونشرع قوانين ونظم وسياسات فعالة لحمايته، فلن تكون جنة آخر ضحية!

اقرأ للكاتب أيضا: غير المحجبة التي تستحق لعناتنا!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG