Accessibility links

قراءة في الجدل بشأن هوية لاعبي منتخب فرنسا


لاعبو المنتخب الفرنسي يحتفلون بفوزهم في كأس العالم

بقلم منصور الحاج/

"أنا سعيد جدا. لقد فازت أفريقيا بكأس العالم، لقد فازت أفريقيا بكأس العالم. أنا أتفهم لماذا عليهم القول بأن المنتخب الفرنسي هو الذي فاز بكأس العالم لكن انظر إلى أولئك الشباب.. ليس من الممكن أن تحصل على هذه الدرجة من السمرة من خلال التجول في شوارع جنوب فرنسا".

بهذه الكلمات أعرب تريفر نواه، الجنوب أفريقي مقدم البرنامج الكوميدي "ذا ديلي شو"، عن فرحته العارمة بفوز المنتخب الفرنسي الذي يضم لاعبين من أصول أفريقية. وقد أثار هذا التعليق جدلا واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي احتدم بعد اعتراض السفير الفرنسي لدى الولايات المتحدة السيد جيرارد آرنولد الذي انتقد نواه في رسالة بعث بها إلى البرنامج واعتبر وصفه لانتصار فرنسا بكأس العالم بالفوز الأفريقي بمثابة إنكار لفرنسية اللاعبين وتأييد للعنصريين الذين يؤمنون بأن بياض البشرة هو العامل الوحيد الذي يحدد مدى "فرنسية" المواطنين في فرنسا.

فرنسا ليس دولة مثالية كما يحاول السفير تصوريها، فالأقليات هناك من سود وعرب وغيرهم يعانون من العنصرية والتمييز

كشخص متعدد الهويات ومهتم بالعوامل التي يحدد على إثرها الأفراد والجماعات هوياتهم، أقول بأنني أتفهم وجهة نظر الطرفين وأرى في الوقت نفسه أن في اعتراض السفير الكثير من المبالغة. كما أنني أتفهم أنني لست محايدا تماما في حكمي على ردة فعله نسبة لعوامل كثيرة أبرزها كوني أفريقي الأصل وأسود البشرة. بالإضافة إلى ذلك، فقد قضيت ردحا من الزمن في تشاد، المستعمرة الفرنسية السابقة التي تشرب الكثير من أبنائها الثقافة الفرنسية ولا تزال شوارعها ومدارسها وكنائسها تحمل أسماء زعماء فرنسيين وقادة عسكريين ولا يزال يتحكم قصر الإليزيه في سياساتها الداخلية والخارجية والعسكرية عبر قاعدتها العسكرية هناك حيث من المعتاد جدا رؤية الجنود الفرنسيين يجوبون شوارع العاصمة انجمينا، ولا أنسى مدى الإزعاج الذي سببته لي أزيز طائراتهم وهي تقلع وتهبط من المطار في كل صباح.

والخلاف بينهما في نظري يتمثل في أن السفير الفرنسي، وكذلك صديقي الفرنسي/الجزائري الذي يتفق معه، هو أنهما وبكل حسن نية يحاولان قطع الطريق على العنصريين وعدم منحهم أي فرصة للتقليل من وطنية أولئك اللاعبين وذلك بالإشادة بكونهم فرنسيين ولد جلهم في فرنسا (ما عدا اثنين فقط) كما ذكر السفير، وتعلموا فيها رياضة كرة القدم وبأنهم مكون رئيسي من مكونات المجتمع الفرنسي.

اقرأ للكاتب أيضا: هذا ما سأفعله لو كنت محمد بن سلمان

وبحسب صديقي الفرنسي، الذي يفضل أن يعرف نفسه بأنه من فرنسا دون الإشارة إلى أصوله الجزائرية، فإن الأقليات في فرنسا كالسود والعرب والأفارقة، خاصة من أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، يسعون سعيا حثيثا لإثبات وترسيخ فرنسيتهم وذلك بالتشديد على أنهم ينتمون إلى فرنسا في المقام الأول وأن أصولهم العرقية لا يجب أن تقلل من فرنسيتهم شيئا.

وفي المقابل، أراد نواه أن يشيد بالأصول الأفريقية للاعبين دون الانتقاص من فرنسيتهم شيئا نسبة لأن "اللون يحن" كما هو متداول في الدارجة العربية؛ بمعنى أن أصحاب البشرة السوداء يشعرون بوجود رابط معنوي ربما بسبب التمييز الذي نتعرض له بسبب سواد البشرة، فالاشتراك في الشعور بالمعاناة من العوامل التي تقرب بين السود وتسهل عملية التواصل بينهم. ففي أميركا مثلا، عندنا يلتقي أسودان في الشارع لأول مرة فإنهم ينادون بعضهم بعضا بـ"برو" وهي اختصار لكلمة أخ بالإنكليزية.

إن الإشكال في ما قاله نواه يكمن في أنه يحتمل أن يكون مدحا وذما في نفس الوقت وأن المعيار الذي يحدد ذلك هو شكل قائل المقولة وأصوله العرقية، وفي الغالب لون بشرته. فلو صرح شخص أبيض بأن أفريقيا هي التي انتصرت بكأس العالم ففي الغالب يعتبر تصريحه ذما وعنصرية وانتقاصا من فرنسية اللاعبين السود نسبة لأصولهم العرقية.

ولتوضيح ذلك أكثر، أقول إن السود، على سبيل المثال، لا يرون إشكالا في أن ينادون بعبارة "Nigger" وتعني "عبد" إذا كان المنادي أسود البشرة، بل إن تلك العبارة هي السائدة في الوقت الحالي في أوساط الشباب ويكثر استخدامها في أغاني موسيقى الراب وفي أوساط المطربين المشهورين، لكن يحرم "عرفيا" على الأبيض مناداة الأسود، وإن كان صديقا، بتلك العبارة نسبة لما تحمله من آلام ومعاناة ارتبطت بعهود العبودية.

وللأمانة أقول بأن الكثير من السود يتوسعون في وصف الكثير من البيض بالعنصرية في حالات لا يكون الخلاف فيها لأسباب عنصرية بالضرورة، فهناك على سبيل المثال من البيض من يعارضون حركة "Black Lives Matter" ليس تقليلا من حجم معاناة السود مع رجال الأمن واستخدامهم المفرط للقوة ضد السود وإنما على أساس فكري يرتبط بنشاط الحركة وأهدافها والوسائل التي تستخدمها والتحالفات التي تقيمها. في أغلب الأحيان، يتجاهل الكثير من السود كل تلك النقاط الفكرية ويهرعون إلى وصف من ينتقد حركتهم بالعنصرية.

إن موضوع الهوية من أكثر القضايا حساسية نسبة لاشتراك عدة عوامل في تحديدها، فهناك على سبيل المثال اختلاف كبير في تحديد معنى الهوية والانتماء بين الكوري الشمالي والكوري الجنوبي على الرغم من انحدار الطرفين من أصل واحد واشتراكهما في الثقافة واللغة والتاريخ والجغرافيا.

وقس على ذلك مفهوم الهوية لدى كل من الإثيوبيين والإرتريين الذين يشتركون أيضا في التاريخ والثقافة والفن واللغة، إلا أن الإشارة إلى الأثيوبي بأنه إرتري أو العكس قد تجر إلى ما لا يحمد عقباه نسبة للحساسية الكبيرة للموضوع وارتباطه بالحروب والصراعات التي شكلت الذاكرة الجمعية التي تركز على الخلافات السياسية بين الجانبين أكثر من المشتركات.

تلك الحساسية هي التي دفعت العديد من اللاعبين الفرنسيين من أصول أفريقية إلى التشديد على فرنسيتهم فقط وأن انتماءهم هو للبلاد التي نشأوا وترعرعوا فيها والتي منحتهم الفرصة للوصول إلى قمة العالم على المستوى الرياضي، على الرغم من أن غالبيتهم يفتخرون أيضا بأصولهم الأفريقية والدول التي ينحدرون منها وهو أمر يتضح من خلال ارتباطهم بالفن الأفريقي وعبر أدائهم للرقصات الأفريقية.

نعم، هي الحساسية التي دفعت أولئك الأبطال، الذين من حق أفريقيا أن تفخر بإنجازهم ومن حق جميع السود حول العالم الاحتفال بانتصارهم وبالمستوى المتميز الذي قدموه خلال بطولة كأس العالم، إلى التشديد على أنهم فرنسيون في المقام الأول.

لم تفز فرنسا بكأس العالم لأن فريقها يضم لاعبين من أصول أفريقية

لقد كانت مواقفهم وتصريحاتهم وتعليقاتهم في وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي ذكية هدفت إلى قطع الطريق أمام كل من يحاول التشكيك في وطنيتهم وولائهم لفرنسا. تلك الحساسية هي التي دفعت نجم نادي مانشيستر ستي بنجامين مندي إلى "تعديل" تغريدة موقع "سبورف" وضعت فيها أعلام الدول التي ينحدر منها لاعبو منتخب فرنسا حيث قام مندي بوضع العلم الفرنسي أمام أسماء جميع اللاعبين وإضافة عبارة "تم التعديل" في نهاية التغريدة.

وكما ذكرت لصديقي الفرنسي، فإنني لا أرى غضاضة في وصف لاعبي منتخب فرنسا بأنهم أفارقة، إن كان القصد من ذلك الثناء وليس الانتقاص والذم. كما أنني أتفهم موقفه وموقف سفير بلاده، لكن يبقى لون البشرة بالدرجة الأولى معيارا يبني عليه الكثير من الناس وخاصة الأجهزة الأمنية في العديد من الدول موقفهم من الشخص ويحدد مدى القوة التي سيتم استخدامها معه. كان لون بشرة هو ما دفع رجال الأمن في فرنسا لاستخدام القوة المفرطة مما أدى إلى وفاة الشاب أداما تراوري الذي لم يكن مسلحا في العام 2016. وقبل أيام من انطلاق بطولة كأس العالم، قتلت الشرطة الفرنسية الشاب الأسود أبو بكر فافان (22 عاما) بعيار ناري في مدينة نانت.

اقرأ للكاتب أيضا: مسؤولية 'فيفا' في تعزيز المساواة ومحاربة التمييز والعنصرية

لم تفز فرنسا بكأس العالم لأن فريقها يضم لاعبين من أصول أفريقية، فالقائلون بذلك وهم كثر يقللون من الجهد الذي بذلته الدولة الفرنسية في إعداد أولئك اللاعبين وتوفير المناخ المناسب لهم للإبداع في مداعبة الساحرة المستديرة، كما أنهم أيضا يبخسون جهود اللاعبين من أصول غير أفريقية فضلا عن أن هذا الرأي يكشف مدى جهل أولئك بأن كرة القدم لعبة جماعية يكمل فيها اللاعبين بعضهم بعضا، ولكل لاعب وظائف متعددة عليه تأديتها على أكمل وجه حتى يظهر الفريق بهذا التجانس والاتساق.

فرنسا ليست دولة مثالية كما يحاول السفير تصوريها، فالأقليات هناك من سود وعرب وغيرهم يعانون من العنصرية والتمييز، وعليه أتمنى أن يساهم فوز الديوك الفرنسية المختلفة الألوان والأشكال والأحجام في تحسين أوضاع الأقليات المضطهدة وتقوية الصف الداخلي ليصبح المجتمع كتلة واحدة تماما كالمنتخب يؤدي كل فرد فيه واجبات محددة ليجعل من فرنسا نموذجا ومضربا للمثل في العدالة والمساواة بين البشر بغض النظر عن اللون أو العرق أو الديانة أو الجنس.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG