Accessibility links

قصة زواج


سكارليت جوهانسون، بطلة فيلم "قصة زواج

كوليت بهنا/

الحب الذي احتفل عشاق العالم يوم أمس بعيد شفيعه "فالانتاين"، رقصت قلوب على نعمة وجوده في حياتها، وعوقبت قلوب تجرأت على احتضانه سرا أو علنا، وحزنت قلوب كثيرة وحيدة أو مهجورة أو خاوية من بركاته، الحب هذا هو جوهر الحياة الأسمى هذا الذي يمنح علاقاتنا قيمتها الفضيلة؛ هل هو شعور مرتبط بالثبات والديمومة، بحيث لا يخلخله مرور الزمن كما في قصص الحب الخالدة؟ أم أنها مجرد قصص استثنائية، ولا يعدو كونه مشاعر طارئة ذات صلاحية زمنية محددة تبدله قسوة الحياة اليومية وتغير معادلاته وتقلبه إلى النقيض؟

فيلم "قصة زواج ـ 2019" للمخرج وكاتب السيناريو نوح باومباخ، ومن بطولة سكارليت جوهانسون وآدم درايفر، الذي رشح لستة جوائز أوسكار 2020 عن أفضل ممثل، ومخرج، وتصوير، وموسيقى، وسيناريو، وأفضل ممثلة مساعدة، يطرح هذه التساؤلات الوجودية عن مفهوم الحب ضمن مؤسسة الزواج والعائلة والتعايش المشترك.

مؤسسة الزواج هي المؤسسة التي يمتحن فيها الحب بأصعب امتحاناته، ويمكن أن ينتهي بانفصال ودّي في بعض الحالات النادرة، أو بطلاق متطرف بمشاعره وسلوكياته الحربية والعدائية المتبادلة بين طرفين، كانا يشكلان بالأمس القريب أسرة دافئة، وأبوين حنونين، وأجمل زوجين عاشقين يثيران غيرة الآخرين.

من أجمل ما حققه باومباخ في هذا الفيلم، أنه وضع المشاهد في وضعية الحكَم

ثيمة الفيلم وتساؤلاته الفلسفية عن الحب، واحدة من الثيمات الرئيسة التي رافقت البشرية خلال تاريخها الطويل، تجلت بأعمال بديعة مئات المرات في المسرح والسينما والأدب والشعر والغناء والموسيقى، وسبق للمخرج رومان بولانسكي أن قدم في أحد أجمل أفلامه "قمر مرّ -Bitter moon 1992"، ثيمة مشابهة، تجلت بقسوتها الشديدة وأقصى تطرفها في حالتي الحب ونقيضه.

لكن المخرج باومباخ في "قصة زواج"، والذي قيل إنه ضمن السيناريو شيئا من حكايته الشخصية مع قصة زواجه ثم طلاقه، جرب أن يقدم أنموذجا إنسانيا معتدل نسبيا وذي تأثير عميق في الوقت ذاته، فرضته طبيعة شخصيتي الزوجين وهويتهما، الزوج الرائع والأب الحنون والمخرج المسرحي الناجح، والزوجة الجميلة المتفانية والأم الحنون والممثلة الناجحة بدورها، أي بصفتهما أنموذجين متعلمين ومثقفين يتمتعان بحساسية عالية بسبب طبيعة عملهما الفني والإبداعي، ويفترض منطقيا وأخلاقيا أن ينحازا لهذه الهوية الثقافية، وقد نجحا في تحقيق هذا التوازن بشكل عام، وجربا الحفاظ عليه بوعي وإدراك لمنزلاقه الأخلاقية، لكن المخرج سيجردهما في مشهد الذروة العدائي من قفازيهما الثقافيين، ليخبرنا أنهما في حالة الغضب الأعمى يعودان إلى حالة الهمجية، ويخرجا كل دناءات النفس، والتي وصلت بالزوج إلى حد اشتهاء الموت لمحبوبة الأمس.

من أجمل ما حققه باومباخ في هذا الفيلم، أنه وضع المشاهد في وضعية الحكَم، بحيث يورطه بالمتابعة ومراقبة أداء الطرفين المختلِفين، ليتماهى مع حالتهما ويحزن لتدهور مصيرهما، غير قادر أن يقدم لهما المساعدة والنصيحة بالتروي في فكرة الطلاق.

في الوقت ذاته، لن يستطيع المشاهد أن ينحاز لأحدهما، لأن كل منهما بدا محقاً للغاية في سلوكياته، وفي الوقت ذاته خاطئا، في النهاية سيشعر المشاهد إنه يشارك دور قاضي المحكمة في الفيلم الذي احتار في قضيتهما ولم يستطع إبرام الحكم من المرة الأولى، وفرض عليهما سيدة مراقبة اجتماعية ستعيش مع كل منهما يوم كاملا وتقدم تقريرها النهائي للمحكمة.

ولأن الشيطان يكمن في التفاصيل، والحياة الزوجية مثل أية حالة تعايش مشترك تزخر بالتفاصيل التي تختبئ بين ثناياها آلاف الشياطين الانشطارية القابلة للتدمير في أية لحظة، برز التركيز الشديد للمخرج على هذه التفاصيل الصغيرة ذات التأثير المرعب، ورغبته الواضحة في تحميلها وزر ما آلت إليه الأمور، وفي الوقت عينه، تبرئتها من هذا الاتهام المجحف، ولكونها اعتيادية من طبيعة أي حياة تشاركية ولا يمكن تجنبها.

التفاصيل التي ستبدو هنا تافهة ويمكن لأي زوجين عاديين تفاديها، وفي معظم حالات الزواج يتم تلافيها، إنما على حساب النساء اللاتي يصمتن عن الظلم والتعسف الذكوري حيالهن، ويتخلين عن كينوناتهن ويبتلعن قهرهن في سبيل استمرار الأسرة وديمومتها واستقرارها الواهي.

لكن الزوجين هنا مثقفين ومبدعين، ويجب أن يختلف قياس الأمور معهما وبينهما، مع منح الاعتبار لحقوق المرأة، واحترام هذه الحقوق وأبرزها طموحها المشروع لتحقيق ذاتها، وهي إشارات منصفة وإيجابية لم تغب عن فكر كاتب السيناريو/ المخرج، الذي وإن بدا في بعض المشاهد المؤثرة أكثر انحيازا لتأثير قسوة الطلاق على الرجل/الزوج/ الذكر، لكنه في الوقت عينه أبدى احترامه لنضال المرأة وحساسيته لمفهوم الجندر، والذي تجلى في رسم شخصية ودور محامية الزوجة، نورا، لورا ديرن التي استحقت عنه بجدارة أوسكار أفضل ممثلة مساعدة.

القسوة التي تقع على الأطفال جراء حالات الطلاق، تجلت بدورها في مشهد سريع وألمعي يختصر الكثير من الشرح، استعاره باومباخ من مسرحية دائرة الطباشير القوقازية لبريخت، بحيث يقوم الطرفان المتصارعان بشد ذراعي الطفل في محاولة لجذبه إلى عالمه، وامتحان أيهما أكثر أهلية لاحتضانه، مانحا الأمومة هنا هذه المهمة النبيلة بنسبة أعلى، وهو قرار سيتحقق بفعل الحكم النهائي للقضاء الذي يتحرك في جوهره انطلاقا من البعد الديني اليهودي والمسيحي للقوانين الأميركية (قصة مريم العذراء ـ أم يسوع) كما توضح محامية الزوجة.

مؤسسة الزواج هي المؤسسة التي يمتحن فيها الحب بأصعب امتحاناته

القضاء الذي لن يفوت المخرج أن يبرز متاهاته وجشع بعض العاملين فيه، والرحلة المضنية التي يمكن للمرء أن يخوضها في حقوله، وهو يواجه القوانين الصعبة في معارك الطلاق ونفقاته، وهي نفقات قد يتحمل المرء تبعاتها المادية، لكنه لن ينجو من تبعاتها المعنوية، والتي تؤول في نهاية الأمر إلى مفهوم الخراب الأسري والعاطفي الباهظ بكافة معانيه.

خراب كان يمكن تلافيه بالحوار بين الطرفين، وهو شعور سيكون أشبه بالأمنية المستحيلة للمشاهد الذي يتابع القصة، والذي سيكتشف في النهاية الخديعة التي ورطه بها هذين الزوجين المتخاصمين، اللذين ما زالا عاشقين، يأكل الحب والوله فؤاديهما، لكنهما كاذبين، يكابران بقسوة وعناد، سينساقان بإراداتهما لحتمية النهايات المدمرة، أيا تكن نتائج هذا التدمير.

بين موجة عشرات الأفلام التي ناقشت هذا العام القسوة والعنف والدماء والحروب والسياسة، من الطبيعي أن يحتفى بفيلم مثل "قصة زواج" بمثل هذا الاحتفاء الكبير الذي شهده جماهيريا ونقديا، إذ تبدو الحاجة الاجتماعية إلى مثل هذه النوعية من الأفلام والجدل الذي يعقبها، ملحة جدا في ظل التفكك الأسري في معظم المجتمعات، وفي النهاية لا يكرهن أحد أن يتابع قصص الحب، حتى لو كانت مآلاته مؤسفة وتذرف الدموع.

اقرأ للكاتبة أيضا: السوريون الناجون

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG