Accessibility links

"قصتي".. يا أرض الأحلام


تمثال الحرية في نيويورك

كوليت بهنا/

في زيارة لمتحف التاريخ في واشنطن قبل سنوات، استوقفتني صورة (فوتوغراف) لبعض المهاجرين الأوائل من الذين وصلوا عبر البحر إلى نيويورك بداية القرن العشرين. قد تبدو الصورة للوهلة الأولى مجرد واحدة من مئات الصور التاريخية المتشابهة، لكن المدقق فيها، سيكتشف أن هذه التحفة الورقية النادرة، المكبّرة عشرات المرات لتحتل مساحة جدار أحد أكبر متاحف التاريخ في العالم، صورة غير عابرة في وجدان الذاكرة الأميركية.

تكاد الصورة تنطق بما اكتنزته من معانٍ لتعابير ملامح الوجوه التي بدت فيها، وهي التعابير البكر، أو الانطباع الأول الصادق والعفوي الذي يظهر على وجه المسافر، الهارب، اللاجئ، أو المهاجر، الذي ما إن تطأ قدماه بر الأمان الذي يقصده أو يهرب إليه، تسترخي تشنجات ملامح وجهه، ويكاد ينسى شقاء الرحلة، فيرسم ابتسامة اطمئنان مشوبة ببعض الحزن لما تركه خلفه، وبعض القلق مما سيأتي.

في أميركا، تبني ما تشاء من الأفكار، فهي تعشق الأفكار الجديدة اللماحة

وهي لحظة تاريخية مفصلية وقدرية، تلتقطها عين الكاميرا الحساسة، وتنسج من صمتها المدوي، عشرات القصص لحيوات، أدمت ملوحة البحار قلوبها وأدمت الأشواك أقدامها في رحلات الهروب البرية، لكنها نجحت في تحقيق رحلة عبور سترتسم معالم فصلها الثاني لتوها، فإما أن يكون القادم يحمل طالعا ذهبيا وروحا جسورة و"قدم خير" للأرض الجديدة ولأيامه القادمة، أو يمضي في الزمن مرور الكرام. في الحالتين، أرض الأحلام شاسعة، تستوعب الجميع، وتفتح ذراعيها بعبارة WELCOME IN AMERICA.

البرنامج التلفزيوني "قصتي" الذي أعلنت "الحرة" عن بثه قريبا، ويتناول "بأسلوب سردي أحد عشر قصة لنجاحات مهاجرين عرب ـ أميركيين"، فتح خزائن ذاكرتي لصورة المهاجرين الأوائل تلك، وأخمن أن البرنامج، بفكرته ـ ذات الروح الأدبية ـ الملفتة، سيفتح خزائن ذاكرة ملايين المشاهدين الأميركيين بحنين إلى قصص البدايات التي يحملونها.

كل وافد أو وافدة، مهما اختلفت أسباب أو طرق سفره، يحمل قصة، عن نفسه شخصيا، أو عن أهله، أو أقاربه، أو أصدقاء له، وسيتذكر كيف ولِمَ جاء، وسيتذكر قصة رحلته الثانية التي بَنَت متن سيرة حياته على الأرض الأميركية، وأتوقع أن يلعب مثل هذا التوجه الاعلامي، عبر اختيار نماذج إيجابية ناجحة، دوره البنّاء في هذا المضمار، وربما يعيد كل وافد/ وافدة حساباته ويتساءل: "وأنا، ماذا أنجزت لنفسي وللمجتمع الأميركي الذي صرت مواطنا أصيلا فيه؟".

الولايات المتحدة الأميركية، كما قدمت نفسها لي ذات يوم رغم الاختلافات النسبية للقوانين الخاصة بكل ولاية واختلاف جغرافياتها ومناخ ولاياتها الذي يشكل الفصول الأربعة مجتمعة تحت سماء واحدة واختلاف أمزجة القاطنين فيها، بلاد ليست رحابتها أو ما يسمى "بأرض وسع المدى" هي ما يستوقفك فقط، وليست هي أرض تتعثر فيها بأحلامك الوردية مرمية مجانا على قارعة الطريق فتنتشلها وتبتهج بهذه البساطة، هي بلاد يسود فيها المعنى السامي "للقانون"، وبسواده الناظم العام يفرض مفهومي الحقوق والواجبات المتبادلين كميثاق عهد واتفاق شرف بين الدولة ومواطنيها.

يحترمك قانون البلاد، فعليك أن تبادله وتحترمه، ويمكنك أن تجني باجتهادك ما تشاء من المال والثروات وأن تستمتع بها كما تهوى، لكنه سيراقب نظافة مصادر ثروتك ونظافة آليات إنفاقها ومن تمول باستمرار، وإن أغواك الشيطان بالسرقة أو الفساد أو المراوغة أو التهرب من الضرائب، سيكون لك بالمرصاد.

يراقبك القانون بلطف ودماثة مثل ملاك حارس، ليس لتقييد حريتك أو التدخل في خصوصياتك، لكن للتأكد من أنك بخير وأنك ملتزم به بما يتيحه لك من حريات تمنعك في الوقت ذاته وبقوة من ازعاج الآخرين أو التعدي عليهم، فهذه البلاد المتخمة بالملايين المختلفين عرقيا واثنيا ومذهبيا، بلاد حرة وسعيدة وتتوازن بحساسية شديدة ومدروسة، وبناء عليه ستحاسبك على أي سلوك عنيف أو عنصري.

بلاد لا تدعي النقاء والطهارة وخلوها من الفساد أو الجريمة أو العنصرية، لكنها تبذل قصارى جهدها للسيطرة عليهم، وتطلب مساعدتك باسم المواطنة وتشجعك باللجوء للقانون لحل مشاكلك أيا كانت، وتمنحك الأمان كيلا تخاف أو تتردد من التقدم بالشكوى، وبدون أية مواربة. القانون هنا هو الأعلى والأكبر، ينضوي الجميع تحت ظله السامي، وتشمل المساءلة والمحاسبة الجميع دون استثناء حتى لو كان أعلى سلطة سياسية في البلاد.

في أميركا، تبني ما تشاء من الأفكار، فهي تعشق الأفكار الجديدة اللماحة والبناءة التي صنعت أمجادها وقوتها، ولن تتوانى عن دعمك والافتخار بك كمبدع يضاف إلى قوائم مبدعيها العظماء. يمكنك أيضا أن تعتنق ما ترغب من أديان غير سماوية، دون أن يفوتك أن تلقي نظرة على الدولار الذي يطعمك، وقد دون عليه الأوائل "بالله نثق" لإثبات اهتدائهم الدائم بالإيمان الذي يأتي بالرزق الوفير، وأن بلادهم تتبارك به صبحا ومساء.

القانون هنا هو الأعلى والأكبر، ينضوي الجميع تحت ظله السامي

هذه البلاد تثق بك وعليك الوثوق بها. هذا هو جوهر العلاقة المتبادلة التي تعلمها للوافد الجديد حال وصوله. تمنحه أيضا الحب والرعاية والاحترام، وتتمنى أن يبادلها هذا الولاء بإرادته ورغبته الكاملتين، وهنا تكمن عظمة "القانون" الذي نظمه بشر عاديون، واجتهدوا كثيرا كيلا يكون جافا وقاسيا، وحرصوا في نسجه على أهم خيط يتماسك به، وهو خيط الحرية التي تولد مع الإنسان، فاحترموا الكفاح لأجلها والوافدين بسببها وناصروها لتظل جوهر الروح الأميركية، ولشدة عشقهم لها، جسدوها في هيئة تمثال امرأة عند مشارف "نيويورك" البحرية، تستقبل القادمين كمنارة، ذات قامة مهيبة تليق بقيمتها وخصوبتها التي لا تنضب.

أميركا، هي الكثير التي تعطيك الكثير، شريطة أن تجتهد بنفسك بعد أن منحتك الفرص لبلورة هذا الاجتهاد. فإما أن تأتيها قادما يحمل طالعا ذهبيا، وروحا جسورة، و"قدم خير"، أو يمكنك العيش المريح فيها والبسيط والمضي مرور الكرام. في الحالتين أنت في أرض أحلام لا تهبط بالمظلة، بل ستكشف لك المرايا الأميركية أن الأحلام في ذاتك وأنت صانعها، ويمكنك دوما تحقيقها رغم أن السبل ليست سهلة، لكنها سبل منظمة ومتاحة للجميع.

باختصار، أميركا تعشق العلم والموهبة والذكاء والفطنة والاجتهاد، إن أردت صناعة حلمك، كن واحدا من هؤلاء الشطّار، ليتحدث الجميع بفخر واعتزاز عن "قصتك".

اقرأ للكاتب أيضا: وجوه إيران الثلاثة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG