Accessibility links

قضية العرب المركزية: فلسطين أم الديمقراطية؟


متظاهرون إسرائيليون، عربا ويهودا، ضد "قانون الدولة القومية"

د. عماد بوظو/

كان من المسلمّات قبل بضعة عقود أن فلسطين هي قضية العرب المركزية، خصوصا لدى مقارنة معاناة الشعب الفلسطيني في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي مع بقية الشعوب العربية التي كانت سعيدة أثناء حكم الأنظمة "العميلة"، إلى أن تم استخدام هذه القضية كذريعة لسلسلة انقلابات عسكرية في المنطقة العربية.

البداية كانت في مصر، ومن أسبابها صفقة الأسلحة الفاسدة التي أثارتها صحيفة روز اليوسف بعد حرب 1948. بدأت التحقيقات حولها بطلب من برلمان العصر الملكي الذي أحال القضية للقضاء، وبعد سنة من انقلاب الضباط الأحرار تمت تبرئة جميع المتهمين فيها لأنه لم يكن هناك صفقة أسلحة فاسدة من الأساس، ولم يكن الحديث عنها سوى لتبرير الهزيمة المذلّة التي تعرضت لها عدة جيوش عربية.

أما نوري السعيد، السياسي الوطني العراقي الذي شارك بالثورة العربية ضد العثمانيين وساهم في تأسيس الجيش العراقي وتسلم رئاسة الوزراء 14 مرة، فقد اتهمه الانقلابيون بالتقصير في حرب فلسطين رغم مقابر عشرات الجنود العراقيين التي ما زالت حتى اليوم شاهدة على كذبهم في الضفة الغربية، وقتلوه عام 1958 فقيرا لا يملك شيئا لنظافة يده.

اختار كثير من الفلسطينيين الوقوف ضد إرادة شعوب المنطقة، من إيران حتى ليبيا

كذلك الحال في انقلاب 1963 في سوريا الذي أنهى التجربة الديمقراطية فيها، والتي كانت حقيقته الطائفية تختبئ خلف شعارات الوحدة والحرية وتحرير فلسطين.

بدوره، ادعى معمر القذافي في إحدى لقاءاته أن أمه لم تلده إلا من أجل فلسطين! وأن كلمة السر في الانقلاب الذي أتى به إلى السلطة هو القدس.

مع هذه الأنظمة تحولت فلسطين إلى ذريعة لتبرير اعتقال وإعدام المعارضين وإفقار الشعوب العربية وإلغاء الحياة السياسية وعسكرة المجتمع بشكل مسرحي، بحيث يرتدي الجميع الزي العسكري لعشرات السنين ويتدربون على استخدام بعض الأسلحة دون وجود نيّة أو رغبة بخوض أي حرب.

استغلال الديكتاتوريات لقضية فلسطين كان مفهوما، لكن محبة وولاء الفلسطينيين لهذه الأنظمة غريب! فالمكان الوحيد الذي يتم فيه إحياء ذكرى إعدام صدام حسين هو الأراضي الفلسطينية؛ فيقدم المواطن غلاب أبو حماد من الضفة الغربية مثالا عن ما يعتقده كثير من الفلسطينيين، فقد أطلق أسماء أولاد صدام على أولاده ليكنّى مثله أبو عدي، وجعل اسم منزله قصر صدام وزيّنه بصور كبيرة للقائد ويقدم الأضحيات سنويا على روحه، نتيجة ما يراه "المواقف البطولية التي قام بها في سبيل فلسطين"! رغم أن أغلبية الشعب العراقي تنظر لصدام كديكتاتور دموي، وهم الذين حاكموه وأعدموه على أفعاله وليس أميركا كما يحلو للكثير من القوميين والفلسطينيين القول.

وجرائم عائلة الأسد في سوريا موثقة؛ يعرفها وعانى منها الفلسطينيون قبل غيرهم، ومع ذلك فإن نسبة كبيرة منهم، منظمات وأفراد، وقفت معه وبعضهم قاتل إلى جانبه، واعتبر كثير من مثقفيهم أن سقوط مئات آلاف الضحايا خلال الثورة السورية كان بهدف التشويش على قضية العرب المركزية فلسطين.

حتى الديكتاتور غريب الأطوار، معمر القذافي، وقف معه الفلسطينيون وتأثروا لمقتله.

أما نظام الجمهورية الإسلامية، الذي يتفق العالم الحر وغالبية الشعب الإيراني على رفضه، باستثناء الفلسطينيين بفصائلهم المختلفة؛ وقد عبّر عنهم تجمّع أطفال من حركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة إذ رفعوا صورا لقاسم سليماني وأعلام فلسطين، وقاموا بتوجيه رسالة له تعهدوا خلالها بأنهم "لن يخذلوا الحاج قاسم". وتبدو درجة الولاء لسليماني، كتلك التي يشعرون فيها تجاه حزب الله وحسن نصرالله وبقية جنود الولي الفقيه.

اختار كثير من الفلسطينيين الوقوف ضد إرادة شعوب المنطقة، من إيران حتى ليبيا لأن قناعتهم بشعار أن "فلسطين القضية المركزية"، جعلتهم يعتقدون أن لا قيمة للقضايا الأخرى، ولا أهمية لمعاناة بقية الشعوب، وتجاهلوا الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية وأغمضوا عيونهم عن جرائم أي ديكتاتور إذا ادعى، ولو كذبا، أنه مع فلسطين.

خلال شهر آذار/مارس الماضي اندلعت تظاهرات في غزة احتجاجا على الأوضاع المعيشية، كشفت أن حالة الاستياء لدى سكان القطاع قد وصلت إلى درجة غير مسبوقة. ورغم قلة اللافتات في تلك التظاهرات، إلا أنها كانت معبّرة، ومن أبرزها: "مطالبنا شرعية، العيش بحريّة". كما كشفت الطبيعة الاستخباراتية لسلطة حماس عندما اعتقلت مئات المتظاهرين، وسرّبت صور تدل على تعرّض بعضهم للضرب، لأن حماس اعتبرت أن هذا الحراك ليس سوى مؤامرة من السلطة الفلسطينية وإسرائيل تستهدف "غزة القلعة الأخيرة للصمود".

ومع زيادة الحديث مؤخرا عن صفقة القرن وتبادل الأراضي برز موضوع آخر وهو موقف عرب 48 والبالغ عددهم 1.7 مليون فلسطيني ويعيشون داخل حدود إسرائيل، ويشعر بعضهم أنهم مواطنون درجة ثانية ينتمون لقومية في حالة عداء مع البلد الذي يحملون جنسيته.

تقول الدكتورة لينا دلاشة الباحثة في جامعة نيويورك ومن عرب 48، "نحن نعيش بشكل أفضل بكثير من فلسطينيي الأراضي المحتلة من ناحية مستوى المعيشة والخدمات، وإن كنا نعاني من تمييز لا ينكره الإسرائيليون أنفسهم"، وتؤكد على أنهم فلسطينيون وعرب وبنفس الوقت هم مواطنون في دولة إسرائيل، عندهم مطالب بحقوق متساوية في دولة ثنائية القومية، بينما يطلق عليهم بعض سكان الضفة وغزة لقب "عرب الشمينت" وهو اسم منتجات ألبان إسرائيلية باعتبارهم يتكلمون العبرية ولا يعانون مثلهم من مشاكل العيش، وكأن من يعاني أكثر يصبح أكثر فلسطينية من الآخر، وعند سؤالها عن ماذا تريدين قوله للفلسطينيين والعرب قالت، "لقد تمسكنا بأرضنا فلماذا يطلب منا أن ندافع عن هويتنا".

وفي بحث أجراه سامي سموحة من جامعة حيفا نشر عام 2017 قال 77.4٪ من عرب إسرائيل إنهم غير مستعدين للعيش في دولة فلسطينية مستقبلية، وقد ارتفعت النسبة مقارنة بتلك المسجلة عام 2015، والتي سجلت 72.2٪. وقال 60٪ إنهم يفضلون العيش في إسرائيل عن أي مكان آخر في العالم. وفي استطلاع أجرته جامعة تل أبيب والمعهد الإسرائيلي للديمقراطية عام 2017 قال 58 في المائة من عرب إسرائيل إنهم يشعرون أنهم جزء من الدولة، وقال 75٪ منهم إن الإنجازات الاقتصادية جيدة أو جيدة جدا، رغم أن 46٪ منهم يعتقدون أن على إسرائيل العمل على تضييق الفجوات الاجتماعية.

رغم مآخذ الفلسطينيين على النظام الديمقراطي في إسرائيل فإن أغلبيتهم تفضل الحياة فيها على مناطق السلطة وحماس

وحول المشاركة في الحياة السياسية قال 77.5٪ من عرب إسرائيل إن من الأفضل المشاركة بالانتخابات الإسرائيلية الحالية حسب استطلاع لجامعة ميريلاند الشهر الماضي، بينما خالفهم 17.5٪ فقط، وسيدعم 73.1٪ منهم الانضمام لائتلاف حكومي إذا أتيحت الفرصة، بينما في استطلاع نظمه معهد يافا أعرب 80٪ عن رغبتهم بالمشاركة في السلطة عبر دعم الحكومة من الخارج مقابل برامج وميزانيات تطوير للمجتمع العربي.

في المقابل، في استطلاع نفذه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية "أوراد" في الضفة وغزة عام 2018، قال 80٪ من الفلسطينيين إن الفساد منتشر في مؤسسات الحكومة الفلسطينية، وصرح 76٪ منهم بأن الأوضاع زادت سوءا مقارنة مع ما قبل سنتين، وقال 85٪ من سكان قطاع غزة إن وضعهم ازداد سوءا عن ما قبل سنة، ورأى 58٪ إن المجتمع الفلسطيني يسير بالاتجاه الخاطئ.

هذه بعض نتائج التضحية بالديمقراطية بذريعة مواجهة إسرائيل؛ إذ رغم مآخذ الفلسطينيين على النظام الديمقراطي في إسرائيل وعلى طبيعة وهويّة الدولة، فإن أغلبيتهم تفضل الحياة فيها على مناطق السلطة وحماس والدولة المستقبلية. ولن تختلف الإجابة لو كان الخيار مع أي دولة عربية، لأنهم يرون أن الديمقراطية هي سبب ما تتميز به مقارنة مع محيطها، وهذا لا يقتصر على حرية التعبير وإطلاق طاقات المجتمع واختيار قيادات مناسبة واستبدال من يقصّر ومحاسبة الفاسد، بل شعور المواطن بالأمان في دولة قانون وبأن له دورا في إدارة أمور بلده ومجتمعه وقبل كل ذلك شعوره باحترام كرامته.

اقرأ للكاتب أيضا: الجنس ونفاق المجتمعات العربية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG