Accessibility links

قلب العالم


غرافيتي على الجدران التي رفعتها الأجهزة الأمنية في محيط مجلس النواب اللبناني

كوليت بهنا/

يقول مبدأ "باريتو" الذي أطلقه عالم الاقتصاد الإيطالي فيلفريدو باريتو سنة 1906، إن 80 في المئة من النتائج سببها 20 في المئة من الأسباب. وقد طبق هذا المبدأ على أمور حيوية كثيرة في الحياة، منها ما لاحظه باريتو في حينه مثلا بأن ثمانين بالمئة من الثروة في إيطاليا كانت بيد العشرين بالمئة من الناس.

وقد يصلح أن يطبق هذا المبدأ على حال وأحوال العالم، بحيث يمكن أن يقال إن السنوات العشرين الأولى من كل قرن، ترسم ملامح وسمات الثمانين المتبقية من هذا القرن.

تتسم هذه السنوات عادة باضطرابات مختلفة الشدة من الناحيتين السياسية والاقتصادية تلفح العديد من دول العالم، وتؤدي إلى انزياحات جوهرية وإعادة تموضع لمراكز صنع القرار، فيما يمكن أن تندلع الحروب والنزاعات والصراعات في بعض الدول غير المستقرة تاريخيا، إما لصفتها دولا ذات إثنيات وقوميات متعددة، أو لطبيعة استراتيجية خاصة بها، بحيث تعيد هذه الحروب تشكيل خرائطها ورسم حدودها، بما تعنيه هذه التقلبات المستمرة من تداعيات اجتماعية وانهيارات أخلاقية ونتائج كارثية إنسانية لانهائية على هذه الدول، أصعبها تغيير معالم هويتها أو طبيعتها الديمغرافية.

التعليم وحده الكفيل والأقوى بتغيير أقدار الشعوب وصون قوة حريتها

في استعادة التسعة عشر عاما الحافلة التي مضت من المئوية الأولى للألفية الثالثة، ومع جميع الأحداث الهامة والمتسارعة التي تتالت منذ مطلع 2020 الجاري، يبدو أن الكلام المشار إليه أعلاه مألوفا، ويكاد يتطابق مع المشهد العام لدول ما يسمى "بلاد الشام ـ سوريا الكبرى ـ الهلال الخصيب ـ دول شرق حوض المتوسط ـ دول الغرب الأقصى للقارة الآسيوية ـ دول الشرق الأوسط)، وهي تسميات متعددة تخص مساحة جغرافية واحدة.

تختلف تسميتها تبعا للرؤى الأيديولوجية، أو لزاوية الرؤية البصرية وموقع الجهة الجغرافية التي يتم النظر منها إليها، إلا أن الجميع يبدو متفق تاريخيا حيالها بوصفها قلب العالم، والنقطة الأبرز لتقاطعه الحضاري طولا وعرضا.

إن نظرة عميقة لقلب العالم هذا، وما يشهده حاليا من نهوض شعبي وإدراك واعٍ لمعنى قوة هذا النهوض، يمكن أن يغير القدر التقليدي المخطط لهذا القلب المسكين، ويساهم في بلورة رؤى جوهرية مستقبلية بناءة، ويؤسس بعمق للثمانين المتبقية، بحيث تقلب القوى الواعية والمخلصة التي تقود هذا النهوض فكريا أو تندمج في طبقاته، موازين القوى التقليدية والمعادلات الاقتصادية اللصوصية المهيمنة، وتوزع العشرين بالمئة من الثروات على الثمانين بالمئة من الشعب وليس العكس.

ولعل أهم ما يمكنها الشروع به هو نسف الرؤية القدرية الاستسلامية التي يعمل عليها خبراء سيكولوجيا مختصون لتجذير الاستسلام لهذه الرؤية في الوعي العام، والتنصل من المسؤولية العامة والمباشرة، وبأن كل ما يتعلق بمقدرات هذه البلاد ـ مؤامراتي ـ مرسوم خارجيا، وبأن أية بارقة نهوض سوف تقابل بحرب كاسحة مدمرة تنسف كل ما بني وأسس، وتعيد البلاد والعباد عشرات السنين إلى الوراء من التخلف والفقر.

السنوات العشرين الأولى من كل قرن، ترسم ملامح وسمات الثمانين المتبقية من هذا القرن

أهم ما يمكن أن تحققه قوى النهوض المنتشرة في هذا القلب الأوسطي البديع، وهي قوى شابة ومتعلمة أولا، غير ضعيفة، وغير محدودة، ومفاجئة في شجاعتها وعمق رؤاها، هو مسح الحالة الانهزامية عن المشهد العام واستبدالها بالروح الخلاقة والجسورة، والإيمان باستمرار بأهمية النضال السلمي وديمومته، والسعي المطلق والدؤوب لدعم الثقافة والفنون والابداع والتعليم وتعميمه بمبادرات فردية وجماعية ملحة.

لهذا الكلام أسبابه. فالتعليم، والتعليم، والتعليم، وحده الكفيل والأقوى بتغيير أقدار الشعوب وصون قوة حريتها، بحيث لا يمكن للأحرار أن يقبلوا بأية تنازلات أو تسويات أو يمرروا صفقات نهب لمقدراتهم أو هوياتهم، محلية أو إقليمية أو أممية، قرنية أو ذات قرون، لا تلحظ حقوق الشعوب العادلة وتنصفها.

قوى نهوض قلب العالم، تمتلك اليوم العشرين عاما الثرية والمؤسسة لمستقبل جديد ومختلف، وهي فرصتها التاريخية لتغيير أقدارها، وأهم ما عليها التفاخر به، هو كينونتها؛ إنها قلب العالم ومحط أنظاره تاريخيا، وعلى هذا القلب أن يبقى قويا، منفتحا على العالم، خلاقا ومواكبا، متحاشيا باستمرار تكرار أسباب ضعفه الكامنة في العشرين بالمئة من فاسديه، وفي الحقيقة الرقم أكبر بكثير من العشرين بالمائة.

اقرأ للكاتبة أيضا: السينما المؤثرة.. هوليوود تستعيد هيبتها

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG