Accessibility links

قل يا صلاح شعيب: نريد السودان دولة علمانية


متظاهر سوداني يغطي وجهه من قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقتها قوات الشرطة

منصور الحاج/

تابعت يوم الثلاثاء الماضي مشاركة زميلي الكاتب المخضرم الأستاذ صلاح شعيب في برنامج "الحرة اليوم" للحديث عن مطالب المتظاهرين في السودان بصفته المتحدث الرسمي لـ"تجمع المهنيين السودانيين" الذي يقود التظاهرات في مختلف مدن البلاد والرد على دعاوى الإسلاميين واتهامهم للتجمع بإقصائهم من المشاركة السياسية في تقرير مستقبل البلاد والسعي لفصل الدين عن السياسة.

حين سئل السيد صلاح شعيب عن علمانية الدولة وعما إذا كان ما يطرحه التجمع "قد يجعل السودان دولة غير إسلامية"، أجاب: "نحن لم نحدد شكل دستورية الحكم الآن. هذا أمر يتصل بالحكومة الانتقالية التي سوف تمهد الطريق للحكومة المنتخبة لتحديد مسألة وضع الدين في الدولة وتحديد الهوية السودانية".

إن كان لله دولة في هذا الزمان فهي الدولة التي تساوي بين المواطنين وتعدل بينهم

في اعتقادي، لقد أضاع صلاح فرصة ثمينة لتوضيح مفهوم العلمانية الذي تعرض لتشويه ممنهج من قبل الإسلاميين وشرح الإشكاليات التي تنجم عن إقحام الدين في السياسة والويلات التي جرها إسلاميو السودان على البلاد، والجرائم التي ارتكبها الجهاديون بسبب تمسكهم بفكرة "الحكم بما أنزل الله"، والحديث عن مدى عدم صلاحية أحكام الشرع الإسلامي للتطبيق في هذا العصر، وأن الجلد والقطع والرجم وتقسيم المواطنين إلى مسلمين و"أهل ذمة" والتمييز بين الجنسين في الحقوق والواجبات وحرمان الناس من حقهم في تغيير معتقداتهم باتت أحكاما قديمة عفى عليها الزمن.

لست هنا لتقريع الزميل صلاح شعيب الذي أبلى بلاء حسنا في اللقاء، وقام بتوضيح العديد من الأمور والرد على مداخلات المتحدث من الخرطوم، وقد تكون له مبرراته في عدم التطرق إلى فكرة علمانية الدولة.

اقرأ للكاتب أيضا: 'حي الكرنتينا' بين الحقائق والافتراءات

إن مهمة الترويج للعلمانية لا تقتصر على التجمع، بل أضحت مسؤولية على عاتق كل أنصار العلمانية في السودان الذين يؤمنون بضرورة اتخاذها نظاما سياسيا يكفل التداول السلمي للسلطة ويعزز العدل والمساواة بين مكونات المجتمع ويرسخ سلطة القانون ونزاهة القضاء ويمنع الاستبداد بالحكم.

لقد بات من الضروري على أنصار العلمانية الانتقال إلى مرحلة الجهر بالدعوة والترويج لها والدفاع عنها في كل المنابر والأركان ووسائل التواصل الاجتماعي والرد على التشويه المتعمد للمفهوم من قبل رجال الدين الذين يتحدثون فيما لا يفقهون.

آخر أولئك "الجهلاء" الذين خصصوا خطبة صلاة الجمعة لتشويه مفهوم العلمانية كان الشيخ محمد عبد الكريم، الذي مارس دور أقرانه من وعاظ السلاطين بالتبرير للبشير ونظامه وإلقاء اللوم على الشعب وجماهيره من المصلين على تدهور الأوضاع في البلاد بقوله في ذات الخطبة إن "الشؤم والمصائب التي تقع في البلاد والعباد هي بسبب ما فعل الناس" واستدل بالآية التي تقول: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم".

سخر عبد الكريم في خطبته التي حملت عنوان: "السودان ودعاوى العلمانية" من زعيم تجمع المهنيين دون أن يسمه باسمه ونقل عنه أنه قال: "إنني لا أدعو للعلمانية ولكنني أدعو إلى تجريد الدين عن الدولة حتى لا يستغل الدين". وقال عبد الكريم في معرض رده على زعيم تجمع المهنيين: "كأنه يقول لنا إن سبب مشكلاتنا اليوم هو وجود الدين في الدولة مع أن كل أحد يعلم بأن الدولة لم تلتزم بالدين ولو التزمت بالدين حقا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه".

واتهم عبد الكريم تجمع المهنيين بـ"محاولة خداع الناس والجماهير بأن المشكلة هي مشكلة الدين" ووصف العلمانية بأنها "دين الغرب" وقلل من أهميتها قائلا: "وكأن الحل لمشكلاتنا يكمن في هذه الأداة السحرية: العلمانية"، مردفا: "وهذا كذب وزور لأن العلمانية لم تحقق السعادة للبشرية".

اكتفي بهذا القدر مما جاء في خطبة عبد الكريم التي تحتوي على كم هائل من المعلومات الخاطئة وتكشف جهله المطبق وعدم إلمامه بمفهوم العلمانية والأسباب التي أدت إلى ظهورها والتي تشبه إلى حد كبير ماضي وحاضر العالم الإسلامي منذ عهود الخلافة وإلى يومنا هذا.

أتمنى من تجمع المهنيين إصدار بيان يفند زيف ادعاءات هذا الخطيب وجهله ونفي التهم التي أوردها في خطبته وتوضيح أسباب معاداته وأمثاله من وعاظ السلاطين الذين يعتاشون على فتات موائد الطغاة وقد عرف عنهم على مر التاريخ موالاتهم للحكام الظالمين الذين يستعينون بهم من أجل إسباغ الشرعية على حكمهم في مقابل منحهم هامشا من الحرية للترويج لجهالاتهم وخزعبلاتهم وفتاواهم التكفيرية.

وفي الوقت الذي حمل فيه الخطيب العلمانية ـ بدون أي رابط منطقي ـ مسؤولية الحروب والاستعمار واتهمها بنشر "الانحلال" في العالم وزيادة حالات الانتحار، فإنه لن يتوانى أبدا في نفي أن يكون الإسلام ـ كدين لم يقدم آلية واضحة للتداول السلمي للسلطة وفض النزاع بين الأطراف المتنازعة على الحكم ـ هو السبب في اغتيال الخلفاء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب.

إن عبد الكريم وأمثاله من رجال الدين الذين يعادون العلمانية في منابر المساجد وفي الفضاء الإلكتروني يعلمون علم اليقين بأن سلطتهم الدينية ستزول مع زوال الأنظمة المستبدة وتبني الشعب للعلمانية كنظام للحكم يحترم الحقوق والحريات وعلى رأسها حرية التعبير والاعتقاد لأنها تشجع التفكير النقدي وتتيح المجال لأصحاب الفكر لمجابهة خزعبلاتهم وكشف جهلهم ونفاقهم.

نريد سوداننا دولة يحكمها نظام علماني يضع حدا لكل المآسي والويلات التي حلت على البلاد

إنه وأمثاله يعارضون العلمانية لأنها تمنح المرأة حقوقها، التي لا تعترف لها بها الشريعة الإسلامية، ولأنه وأمثاله يؤمنون بمبدأ الإكراه وعضل الناس على التقيد بعادات وعقائد وممارسات باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إننا نعيش في عصر المواطنة فقد ولى زمان الدولة الدينية إلى غير رجعة؛ وإن كان لله دولة في هذا الزمان فهي الدولة التي تساوي بين المواطنين وتعدل بينهم وتقف على مسافة واحدة من جميع الأديان. إن كان لله دولة، فهي حتما ستكون إحدى الدول العلمانية التي فر إليها الإسلاميون حين قمعهم بنو جلدتهم بسبب آرائهم الدينية ونعلم جميعا أنهم لم يلجؤوا إلى السعودية أو السودان أو باكستان أو حتى إيران لينعموا بالعيش تحت ظل الشريعة.

اقرأ للكاتب أيضا: اليوم العالمي للفاشية الدينية

لقد حان الوقت لكي نوضح للجماهير التي تم خداعها على مدى عقود بأن العلمانية لا تعادي الأديان بل على العكس تمنح كل صاحب دين حقه في ممارسة ما يعتقد بحرية والتأكيد على أن العلاقة بين الإنسان وما يعتقد هي شأن خاص به وأنها النظام الأمثل للشعب السوداني المتعدد الأعراق والثقافات والديانات.

من أجل ذلك قل يا صلاح ولنقل جميعا إننا نريد سوداننا دولة يحكمها نظام علماني يضع حدا لكل المآسي والويلات التي حلت على البلاد بسبب إصرار نظام البشير على خلط الشأن الديني بالسياسي وخداع الشعب باسم الدين على مدى 30 عاما.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)
XS
SM
MD
LG