Accessibility links

قول على قول


الراحلون إسحاق رابين، ياسر عرفات وشمعون بيريز

مالك العثامنة/

ليس عندي مشكلة على الاطلاق بأي رأي مخالف لما أطرحه من أفكار.

وحين أجد تعليقا على مقال منشور كتبته أو على صفحتي على موقع فيسبوك وكان هذا التعليق يحمل رأيا يخالف ما أقوله، أجدها فرصة لأتعلم شيئا جديدا ربما.

وأكثر ما علمت نفسي بصعوبة على التيقن منه راسخا أن ما أقتنع به ليس بالضرورة حقيقة مطلقة.

في المحصلة، وفي نظرة مبصرة فيها تأمل لغلاف أي أطلس مصور، فإن العالم كله قائم على الاختلاف.

عندي مشكلة فقط... مع التعليق المسيء الذي يحمل في طياته عدائية مسبقة خصوصا حين يتوجه لمعلقين آخرين ويجرحهم.

ولست بصدد أن أكون في موقع دفاع ولا أجدني بأي حال تحت أي إدانة من أي طرف لأدافع عن نفسي، لكن فكرة الاختلاف ضرورة لندركها وندرك الفرق بينها وبين فكرة الخلاف.

المأساة في عالمنا العربي حين تتحول الدول إلى ماكينات تواجه الأفراد بناء على أفكارهم ومعتقداتهم

في مقالات سابقة كنت، وعلى خلفية الحديث المتزايد والساخن عن خطة السلام الأميركية قد طرحت فكرة وحدة الضفتين، وأنا دوما أتوخى الدقة في انتقاء مفرداتي وأحاول جاهدا أن تكون الدلالات بلا التباسات مضللة في المعاني.

التعليقات التي تلقيتها على المقال كثيرة، والأكثر كان على بعض الإدراجات التي نشرتها على موقع فيسبوك (وهذا له أصوله وآدابه أيضا أهمها أن تحترم صفحات الآخرين دوما).

نعم، عندي موقف حاد جدا من السلطة الفلسطينية وقياداتها وهو موقف غير شخصي، ولا مرتهن لأي أجندة سياسية أو نظام سياسي، ولا حتى من منطلق هوية وطنية منافسة (وهو ما أحاربه باستمرار).

كل ما أردت قوله، أن نكبة الفلسطينيين الأكبر كانت دوما بهؤلاء "المناضلين" القادمين من خارج جغرافيا القضية، وقد تاهوا في السياسة ولعبة المصالح حد الفساد والإفساد، فانفصلوا عن واقع شعبهم الفلسطيني وهمومه، بل وأبعدوا قياداته الشعبية الممثلة له فعليا منذ مراحل مبكرة من النزاع العربي ـ الإسرائيلي والذي تحول بفعل التقادم والاتفاقيات وصراعات العرب الداخلية إلى نزاع فلسطيني ـ إسرائيلي، وهنا المشكلة بالضبط.. فمن الذي يمثل الفلسطينيين في هذا النزاع الأطول تاريخيا اليوم بالضبط؟

موقفي الحاد من تلك السلطة والقيادات الفلسطينية التقليدية تلك، لا يمثل إلا رؤيتي الشخصية "القائمة على قراءاتي وحدي" للموضوع، ولا أنطلق من "هوية شرق أردنية" مفتعلة، وأنا شخصيا أحارب تضخمها وأطالب بتذويبها كاملا في مفهوم دولة مواطنة ضمن منظومة قوانين دستورية.

هذه المطالبة وحدها تجعلني أيضا في مواجهة نخبة الحكم في الأردن التي نمت فيها مراكز قوى مصلحية تعتاش على التمايز الجغرافي والجهوية والفئوية، وكلها أدوات إقصاء أرفضها بالكامل.

عندي أصدقاء فلسطينيين أعتز بمعرفتهم، وأتعلم منهم، ضد قناعاتي لكنهم يجادلون ضمن أطر قناعاتهم، ونتحدث كثيرا بودية واختلاف بلا أي خلاف على أننا جميعا نريد الأفضل في النهاية، والأفضل هو الإنسان لا أكثر.

♦♦♦

أتواصل كثيرا مع الفلسطيني المثقف محمد المشارقة، وهو دبلوماسي سابق، ومفكر حيوي مشغول دوما بحلول الأزمات في الكرة الأرضية، ودوما ألمس في حديثه هذا القلق الصادق على الأردن (كدولة وكيان)، ونختلف كثيرا لكن لا خلاف بيننا يؤدي إلى الجرح ثم القطيعة.

ممن يعلقون، الأديبة والصحفية الفلسطينية "رشا سلامة" التي سخرت ذاتها ووعيها المعرفي كله في سبيل توثيق تاريخ حركة المقاومة الفلسطينية، وهو جهد أغبطه عليها، وأقرأه بشغف وأتعلم منه ما استطعت، وأختلف معها في كثير من المفاصل لكنها حين عتبت على ما أكتب لم تواجهني بالتجريح ولا بالخلاف على كل الاختلاف بيننا.

صديقي الأقرب، الكاتب سامح المحاريق، ابن السموع الفلسطينية والأردني أيضا وقد نشأ وتربى بالإسكندرية حيث أخواله، وكثيرا ما نختلف وعلى مدار يومي، فيواجهني الحجة بالحجة، إما أن يعدل من رأيه بعدها أو أعمل أنا على تعديل رؤيتي وقد اقتنعت بحجته، فيصبح الاختلاف مثمرا لا نصل فيه إلى الخلاف أبدا.

المأساة ليست بين الأشخاص، لكن المأساة في عالمنا العربي حين تتحول الدول إلى ماكينات تواجه الأفراد بناء على أفكارهم ومعتقداتهم، فتصل تلك "الدول" وأجهزتها إلى حدود الخلاف مع أفراد!

هذا ما واجهته شخصيا في منعطفات كثيرة مع جهات رسمية أردنية مثلا، كما واجهه الصديق الدكتور خيري جانبك المقيم في باريس وقد تقاعد من عمله في الديوان الملكي، بعد محاولات استقالة متتابعة نجحت في النهاية، لكن رأيه "المختلف" عن رأي الدولة الأردنية صار في نظر من يحكم الدولة من نخب خلاف جذري، وتلك كارثة.

إن انتقادي "السياسي" لأداء منظمة التحرير الفلسطينية طوال تاريخها ومحاولتي بالمنطق التسلسلي التاريخي إثبات أنها الممثل الشرعي والوحيد لمأساة الفلسطينيين، لا يعني أنني أقف موقف العداء من تاريخ المقاومة الفلسطينية أمام الاحتلال، فهو تاريخ وقع فعلا، له إضاءاته وله زوايا عتمته مثل أي حراك في التاريخ.

وفي المقابل، فإن انتقادي لسياسات الدولة الأردنية لا يعني أني سأقبل تلك الردود التي تردني ممعنة في إهانة تاريخ الأردن والأردنيين.

لا شيء يفرحني ككاتب صحفي أكثر من رأي مخالف على نفس السوية من جهدي

نعم، الأردن نشأ كدولة وظيفية، والوثائق البريطانية فيها من الكثير من حقائق لا يمكن إنكارها ولا إخفاؤها، المهم أن الأردن تجاوز مرحلة كيان "عبر الأردن" الوظيفي (وهي حقيقة تاريخية) إلى فكرة الدولة الدستورية وعلى مراحل فيها ارتقاء وفيها هبوط أيضا، وتعرض لكل ما يمكن تخيله من استهداف يهدد وجوده، رحل من استهدفوه وبقيت الدولة الأردنية حتى اليوم.

وينسحب ذلك على باقي العالم العربي، فما أورده من نقد (على قسوته أحيانا) لأنظمة وحكومات لا يعني أني أهاجم تاريخ تلك الدول وشعوبها، بل هي رؤيتي الخاصة "والمعرفية" ضمن أجندة واحدة ألتزم بها مع نفسي، الوصول إلى فكرة الدولة والقانون وحماية الإنسان.

♦♦♦

لا شيء يفرحني ككاتب صحفي أكثر من رأي مخالف على نفس السوية من جهدي، أو ممن يجتهدون أكثر فأتعلم منهم فأدخل في عملية تصحيح ذاتي كل يوم وكل ساعة.

أما من يردون بالشتم والسباب والإنشائيات الفارغة، فهذا زبد كثير كثير، لا يستحق أكثر من هذا السطر الأخير في هذه المقالة.

اقرأ للكاتب أيضا: عملية تدوير المربع

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG